مقالات

راغب الركابي

دعاء السمات ..وبني إسرائيل

16/10/2022 19:44
 السِّمات :   قيل  جمع  سمة  بكسر السين   و هي العلامة ،   وقيل  بل  هي  من  السمو  بمعنى العلو   والرفعة   ،  وهناك  من قال  بل  هو لفظ   مشتق من    -  أسم -    ، والأسم  :  عرفه  بعض   النحاة  بمعنى   السمو  و الرفعة أو من الوسم بمعنى العلامة  ..  وقد  أطلق  على هذا الدعاء  أسم  فقيل   (  دعاء  الشبّور )   والشبّور  :   في لغة  العبرانيين   يعني  البوق  ، أو هو الشيء الذي ينفخ فيه  ،  وهو بمثابة  الأداة  التي يُدعى أو يُنادى  فيها  للعبادة  أو لأمر هام   ، ولكن  لماذا  سميناه  نحن العرب  بهذا  الأسم  ؟    ،  قال الشيخ الكفعمي  : -   فيما روآه  عن الإمام الصادق    (  إن يوشع بن نون عند محاربته للعماليق خاف منهم فأمر الخواص ممن معه في جيشه ،  أن يكتبوا أسماء العماليق واحدًا واحدًا على جرار  ،  ويقرأ بهذا الدعاء في قرن مثقوب من قرون الضأن ..  )  ،  ومنه  يتبين  أن هذا الدعاء في أصله ليس عربياً   وربما عُرب لأهميته   . وهناك  قول  شاذ  ذهب إليه  بعضهم  فقال   :  - إنما  الشبور  بمعنى الشبوت  وهو  يوم  السبت  -   !!   ،  وهذا  قول   غريب  كما ترى  ولا ينسجم  مع لغة العبرانيين  ولسانهم   ،  فالسبت  هو يوم  مقدس محترم  عندهم  ويطلق عليه  في  لغتهم     -  شبُت  -  ولم نسمع  أحداً  قال عنه  شبورا  !!  ،  ودعاء السمات  في ظاهره  هو  ذكر  و بيان   لأسماء بعض الأنبياء  وبعض الكلمات  وبعض الأماكن  التي  تدل على معاني  في نفسها    .    وأما  البناء  التاريخي  لهذا  الدعاء من جهتي السند  والدلالة   ،  ففيه  أقوال  متعددة  والذي أعتمدناه  من جهة السند  ماورد في مصباح  الشيخ الطوسي مرفوعاً  عن مشايخه  إلى  حضرة  الأمامين الباقر والصادق  عليهما  السلام    ، ويجري على هذا  الدعاء  ما يجري على غيره من جهة الضبط  التاريخي  ،  وبما إننا  أتخذنا  من  نفس القاعدة التي يجري تطبيقها  على كل  الأدعية  والزيارات   ،   وهي  القبول بها   من جهة  دعوتها للخير ومكارم الأخلاق  ،  ولهذا لم نجري عليها مشرط التحقيق كما في باقي الأخبار والروايات  ،  إنما أجرينا عليه  قاعدة   -  التسالم في أدلة السنن -  وهي قاعدة إعتبارية  تجد ان الغرض المطلوب  يتحقق من خلال الدعوة للخير والعمل الصالح  بها   ،   هذا من جهة  السند  التاريخي  ..   وأما  من جهة المعاني   والدلالات   ،  فهناك  ثمة ما يُغري في  هذا الدعاء شأنه  في ذلك شأن  باقي الأدعية  والحكم   ،   وقد  تعرضنا   ذات  مرة  لتوضيح  دعاء  كميل وما فيه من الدلالات والعبر    ،  أعني أن هذا الدعاء مورد البحث هو   من حيث  الصناعة البيانية  يشبه  غيره من الأدعية  ،  مع تفاوت ملحوظ  في بعض العبارات والجمل  بحسب الوضع والإعتبار    .   إن مقدمة  الدعاء  تبتدأ  بالقول -  اللهم إني أسألك    بأسمك  العظيم   الأعظم   -   ،  ويعلق  أحد  العرفاء  بالقول : -   ويصح  إطلاق  -  الأسم الأعظم -   على هذا الدعاء عنواناً  وأسماً ومعناً      ،  فيكون  معنى السمات  المشار إليها هي الأسماء العظيمة    ،   والدعاء كما  هو   يستدرجنا  بدعوته  الخالصة إلى تزكية النفس وتهذيبها   ،  من خلال ما يقدمه  لنا  ويُحملنا إياه   من كم هائل  غزير  من المعاني  والألفاظ  والمعارف   الحاثة  إلى الإعتصام  والتمسك  بحبل الله المتين .   لكن جهة الإثارة  المرموز  إليها  في هذا الدعاء والتي شدت إنتباهي  ،  هو في ذلك  المعنى الأخر أو الأسم  الأخر لهذا الدعاء  ،  في قول صاحب مفاتيح  الجنان   - دعاء  الشبور -   ،  وإذا  كان الشبور  هو هذه  الأداة  أعني  -  البوق  -  ،  والبوق  من جهة الإختصاص  أداة  يستخدمها  بنو إسرائيل  في المناداة  للصلاة والعبادة  ،  إذن  هذا الدعاء ليس نتاجا  عربيا أو مسلما  ،   بل هو ترجمة مدمجة مضاف إليه بعض العبارات والصور لكي يتشكل بطابع إسلامي  ،  وهذه صفة  سيئة  سادت في العصور اللاحقة  في زمن الترجمة  وماتلاها  أيام الدولة العباسية     .  ولو  تتبعنا البنية اللغوية  والدلالية  لهذا الدعاء  نجد إنه  حريص على ذكر أماكن وسكنى أنبياء بني إسرائيل ،  وما مر عليهم   ،  فموسى النبي  كان حاضراً  وبكثافة  في كل زوايا  هذا  الدعاء  وذكره   ،  وقصته  حين ألتقاه الرب وكلمه أو جهة مسيره ودعوته  ذكرت  على نحو من التفصيل هنا  ،  ومن قبل هذا حدد أماكن سكنى وعبادة  جميع  أنبياء  بني إسرائيل  الأخرين  ،   بدءا بإبراهيم  وإسحاق الذي عاش في بئر شيع  (  بئر السبع )  كما يسميه العرب  ،  وأن يعقوب  إسرائيل  عاش وأستوطن  بيت إيل  في رامله  القريبة  من بيت المقدس كما في لغة أهل الشام     .    هذه الإحالة التاريخية تُلغي  عندنا  المفهوم  السائد  الذي  يتقاذفه  سياسيو هذا العصر  ، بأن هذه الأرض ليست  أرض  -  بني إسرائيل -   أو أنها محتلة منهم  !   ،  أو إنها جزء من الهبات التي منَّ  بها  عليهم الأنكليز في مطلع القرن العشرين   !!   ،   هذا الكلام يوضح  معنى التهافت  التاريخي  الذي يروجه في أذهان البسطاء جيش من  المغالطين   ،  ودعونا نوضح المعنى بشيء من الذكر الذي ورد في باطن الدعاء وظاهره .   يقول الدعاء : أن مجد الله وملكوته  تجلى لأنبياء بني إسرائيل ، هناك في تلك الأرض التي باركها الله لهم فيها  ،  وهذا التاريخ البعيد  لا علاقة له   بوعد بلفور وبالقرار الأممي لسنة 1947  م  !!  ،   هي كلمات تحدثت عن حقبة تاريخية وماض سحيق    ،   مما  يجعلنا أمام حقيقة أخرى كيف لنا أن نواجهها ؟  وكيف لنا أن نحكم عليها  ؟  من غير كلام نظري وتنظير وعنتريات وحقوق لا حقة .  ودعونا نقرب الفكرة هل يصح إعتبار كل من هاجر إلى أرض  ما   لظرف ما   ،   وأستوطنها يحق له طرد أهلها والإدعاء بأنه صاحبها  ومالكها   ؟!  [   ونفس الشيء يمكن قوله حول جميع الملكيات والإعتباريات الأخرى  ]   ،  فهل يصح مثلاً القول أن كتابات فرويد وكارل ماركس وأنجلز  وشوبنهاور  المترجمة للعربية كتابات عربية ؟   وهل يصح  القول إن كتابات المشرقيين والمشائيين كحكمة الإشراق  وكتابات البيروني والخوارزمي عربية لأنها ترجمة إلى العربية ؟   .    مع  الأخذ بعين  الإعتبار  في المسألة التي نبحث  فيها   ،  هناك  ملاحظة  تقول  أن بني إسرائيل  من جهة  الإنتماء القومي والديني إلى  الأم   ،  ومن  جهة  أخرى  لا يصح عندهم الدعوة إلى دينهم   ، لأنهم بحسب المفاهيم  الثقافية لديهم   إنهم أبناء الله وأحباءه  !!  ، على عكس باقي الديانات  السماوية  الأخرى  التي فتحت الباب  مشرعاً  للدعوة والنشر على مصراعيه وبكل الطرق .    وأما إشكالية  - الأقلية والأكثرية -  فهي ليست غالبة  في مسألتنا ،   ولعل الله سبحانه  من جهته   حسم هذا النزاع بقوله : -  وأكثرهم للحق كارهون - ، فليست الكثرة دليلاً على الصحة والحق   ،  ولا القلة دليلاً على الضعة والبطلان   ، من هذه الجهة وغيرها أرجوا أن يقرأ هذا المقال بعين الرعاية لكي نقف جميعاً على طريق الحق مبتعدين عن الأحقيات والأدعاءات والتزييف ، ويبقى -  الحق أحق أن يتبع  -  .. 
راغب الركابي

مشاهدة الموقع بالنسخة العادية