فاعلية الترميز الايقاعي والدلالي في شعر نوفل ابو رغيف
    الثلاثاء 23 نوفمبر / تشرين الثاني 2010 - 20:50:46
    حيدر رشيد
    -- --
    مـن الصعب على الإنسـان أن يتذوق الشعر أو حتى يقرأه قراءة سليمة إذا لم يستطع أن يزن بميزانه الصحيح ، وميزان الشعر ميزان دقيق يتطلب إذن موسيقية ومعرفـة بنطق الأصوات وإخراج الحروف
    والتوقف والاستمرار في إبراز قضية التشكيلات العروضية المنبثقة عـن الوحـدة الإيقاعية الأسـاسية للقصيدة الجديدة ، وتكسب هذه التشكيلات أهمية كبيرة في تحديد المسار الموسيقي للقصيدة وتكسبها
    لـدى هذا الشاعر أو ذاك ما يجعل منها عنصراً فاعلاً ومؤثراً في رسم وتأكيد صوت الشاعر وتميزه عن زملاءه كما أنها تسهم بشكل أو بآخر في إثراء الإيقاع الداخلي للقصيدة وهـذا مـا فعله الشـاعـر
    ((نوفل أبو رغيف)) وزملاؤه من الشعراء ((قصيدة شعر)) بتحديث قصيدة العمود بعيداً عـن مواصفات القصيدة التقليدية مـن خـلال خلق قوانين تنأى عـن المألـوف فـي التشكيل الموسيقي المتوارث، فقد أدركـت هـذه المجموعـة أهميـة أن يلجـأ الشـاعـر إلـى تشكيلات عـروضية متعددة
    تنبثق عن التفعيلة الأساسية ، وفي ذلك خروج عن البناء الموسيقي الشعري ، ولعل المتتبع لهذه المجموعة
    وبالخصوص نصوص ((نوفل أبو رغيف)) يجد أن الشاعر يمنح نفسه الحرية التامة في الإفادة من كـافة التشكيلات العروضية التي يراهـا سـائغة مقبولة ولائقة ، أضف إلى ذلك التجربة الشعرية التي يملكها الشاعر والتي نقرأها في نصوصه التي أنضجت مشروع ((قصيدة شعر)) من ديوان ((ضيوف في ذاكرة الجفاف)) إلى ((مطر أيقظته الحروب)) وديـوان ((ملامح المدن المؤجلة)) حسب تتابعها الزمني والذي نلمح فيها صورة من التدرج الواعي المتعمد نحو واقعية صلبة ، مشمولة بمزيد من الوضوح ، واستخدام
    الألفاظ اليومية والشفوية ، وبلغة تقترب في بعض الأحيان مـن المفردات العامية المستخدم في القصيدة الحديثة في محاولة للاقتراب من حـدود الهدف الذي وضعه لنفسه – في دور مبكر – وهـو العودة إلى التراث بطريقة وأسلوب يتلاءم مع الحداثة وما بعد الحداثة ، لأنه لم يكن يكتفي بترتيب عناصر الواقـع الحضاري على نحو تاريخي متصاعـد أو متكامل ، بل كان يعيد ترتيب تلك العناصر ، ويمنحها التكثيف والتوجيه ، ويستغل فيها الصور والمقاربات والمفارقات بحيث تجيء خلقاً جديداً – وهو الواقع الذي يراه
    الشاعر – فمرة كان يعتمد رسم المفارقات والمتناظرات، ومرة كان يلجأ إلى إيثـار البساطة الموحية في طبيعة الحـوار الذي يستخدمه الشاعر في نصوصه ، ومـرة يجمع بين هذين الأسلوبين ففي ديـوانـه
    ((ملامح المدن المؤجلة)) نقرأ هذا المشروع في النصوص (( في حضرة تموز آخر ، في باب الأمير ، هكذا يصعدون ، عيناكِ معجزتان ، رغم هذا الخريف )) ففي قصيدة "عيناكِ معجزتان" يقول :

    ظلي وأسئلتي 000 وردي     وحقيقتان 00 معي وضدي
    يا من تعلمني أبوح     وكل أسراري تحدٌي
    كالخريف يمرُ بي     فتطيح أوراقي ووردي
    يا خوف أحلامي     وطعم عشيرتي وأبي وجدي

    يعمد الشـاعـر إلى رسـم المفارقات والمناظرات من خلال استخدامه الأفعال المضارعة (تعلمني ، يمرٌ ، فتطيح 000 الخ) والتي تدل على استمرار الحدث ، من خلال إيثار البساطة الموحية في طبيعة الحوار الذي يستخدمه الشاعر في قصيدته ، أما قصيدته ((في حضرة تموز آخر)) فقد عمد الشاعر إلى استخدام لغة عالية وقالوا :

    سبيعي ينتقي من جياده      بلى، انتقيها ، والأصيلات تنتقى
    وامنعها أن ترتوي00 واذودها      وتقبل أن تظمأ، ولا تقبل البقا
    وكيف ستبقى؟ من سيغسل رحلتي     ويؤنس قلباً ساءه العشق، مرهقا

    وبهـذا السيلُ القوي واللغة العالية التي تعيدنا إلـى لغة المتنبي وصوره الكثيرة التي انتشرت في أبيات القصيدة نقرأ بعض المفردات الحديثـة مثـل (سيغسل ، سفر ، الأحلام ، أدمن ، تنجب ، الفيم 00)
    وفـق أسلـوب جديد يحاول فيه أن يرمز الشاعر إلى الفترة الزمنية التي مرُ بها العراق في ذلك الوقت والرمز يبدأ من عنوان القصيدة حيث يحاول الشاعر استخدام (رمز تموز) ليكون تموز آخر يريد الشاعر من خلاله أن يدخل إلى الممنوع والمقموع في ذلك الوقت من خلال الصور الشعرية التي يرسمها الشاعر

    أطلعتها الأحلام ،وان لم تكن دمي     وأولى بها أن لم تكن أن تطلقا
    وسايقت نفسي،كان نزف يشدنا     وقلت لظلي :لا تجامل فتسبقا
    لقد شاب راسي الصمت والروح طفلة     اعلمها أن تشتهيك وتعشقا

    واستطاع أن يوظف الرمز في مجمل قصائده فمفردة مثل الشمس. النخلة. النجوم. ففي ديوانه الأول
    "ضيوف ذاكرة الجفاف" وقصيدة "رحلة الأفق الأبيض"

    فا عار صمت البحر سر عيونه     وأقام تاريخ النخيل وترابه
    وعلى النجوم توزعت أسراره     فسماؤه بين وهن حجابه
    كالبدر يرحل في الصباح مخلفاً      شمساً تسبح على زمان غيابه
    وإذا سالت الشمس كيف ركوبها     فيسيل من الق الخيوط جوابه

    وأيضاً نسمعه يقول في قصيدته "حين لا يسمعك إلا الصريخ" ويصور لنا حالة الحزن والقلق والبكاء ونراه حاضره في شعره

    ماء ونخل شاهق وظلال – ومدينه أقمارها تنثال
    وتغيب أنت فينحٍني نخلي – وتحترق الظلال وضفتاك ، هلال

    ويخيل إلي أن الشاعر متأثر في كل شعره بالشعر العراقي المعاصر في طريقة النسج والجمال والأسلوب لأنه اقـرب إليه وأمس بحياته وحياة مجتمعه فنلمس من اثار شعراء الاحياء والحداثة معاً.كما لا يخفي تأثره بالمتنبي وكبار شعراء التراث العربي إلا انه روح الشاعر واضحة اللسان والمعالم مـن خلال شعره ولا يمكن أن نتجاهلها وامتزجت بطغيان العاطفة وسمة الحزن على الماضي بكل ما فيه 0
    فنمضي في قصائده ونمضي مع الصور الرمزية الشعرية المعلقة ؟
    إذ نحتاج إلى مزيد من المقال ، ومزيد من المقام ، ومزيد من الوقت إلا أننا سلطنا الضوء على قصيدتين . ونحتاج الى حديث طويل ولكنها مجرد اشارة الى هذا الشاعر الذي حاولنا الولوج الى عالمه الشعري المتمير.
    أو ثلاثة ونحتاج إلى حديث طويل ولكنها مجرد إشارة إلى هذا الشاعر الذي حاولنا الـولـوج إلى عالمه الشعري المتميز 0
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media