فريدريش نيتشه: الرجل المتمرد!
الأحد 6 مارس / أذار 2016 - 10:58
قرطبة الظاهر
كثيرا ما كتب عن هذا الرجل الذي لم يعرفه أحد في زمانه إلا بعد فترة من حياته المليئة بالتوترات: انه البروفيسور الالماني في علوم اللغات لدى جامعة بازل السويسرية، السيد فريدريش نيتشه. إعتزل مهنته مبكرا بسبب معاناة من مرض عضال ليتقاضى تقاعدا بسيطا. لم تكن حياة هذا الرجل مكللة بالنجاحات الكبيرة والابداعات قط، بل كان عدد ناقديه يفوق معجبيه. لا نهدف لظلمه، لكننا نجزم بان زمانه كان يفتقر لناقدين ذا بعد فلسفي يحتوي عقلية نيتشه ويتفهمها بشكل صحيح.
كان نيتشة الابن والحفيد لقسسة من مقاطعة ساكسونيا، طفل يتميز بالهدوء والنظرة الحادة، طالب مجتهد وذكي. درس كما والده العلوم الدينية ثم غيّر دراساته إلى علوم اللغات وأصبح بروفسورا أكاديميا بعمر يناهز ال 25 عاما. بعد عشرة سنوات تعرض لمرض عضال، يعتقد انه أصيب بعدوى مرض الزهري (السفلس) مما أدى إلى إعتزاله عن مهنة التدريس. منذ ذلك الحين عاش حياته متنقلا ككاتب بين جبال إيطاليا وجنوب فرنسا وسويسرا. تجنب المانيا. كتب اقوى ما يستطيع كتابته في السنة التي توفي فيها القياصرة وليام الأول والثاني في العام 1888. أصيب بانهيار نفسي ونفساني كامل عند نهاية العام 1888. قضى ما تبقى من حياته وحيدا معاقا يعاني من الامراض النفسية تحت رعاية اخته في فايمار حتى وفاته. أصبح المجتمع الألماني بعد ذلك مهتما لكتاباته ومتشوقا لقرائتها. شخصان من عمالقة كتاب ذلك الزمان اثرا بشكل كبير على شخصية نيتشة، هما الفيلسوف شوبن هاور والكاتب والموسيقار ريتشارد فاغنر. إبتعدا عنه بسبب انتقاده اللاذع لهما فيما بعد. لقد كان نيتشه رجلا مستقلا بفكر متشظي، متناقض، معذب وعقل نبيل.
في مطلع طريقه الادبي، كانت نصوص نيتشة متوازنة، معتدلة، هادفة ومليئة بالإرادة للقيم الصالحة، كما تلك الرباعية في "تمعنات غير معاصرة". تغيرت نبرة كتابته ورسائله الأدبية بعد ذلك إلى الهجومية، الشرسة، المتشددة، المتعالية والمتكبرة. بدلا من تقديمه مؤلفات فلسفية تحتوي على الفضيلة والحكمة أصبحت جل نصوصه مقصورة على جمل قصيرة كالخواطر تقترب إلى حدود الاوامر الحادة. يبدو أنه تعلم هذا النوع من الكتابة من كتاب الحملة الفرنسية في القرن الثامن عشر. ويختم مواضيعه بسخرية سمجة عميقة تتضح معالمها عبر بعدها الفلسفي بكل دقة وذكاء. لم يستطع أحدا في محيطه الادبي اتقان الكتابة باللغة الالمانية وببلاغة عميقة سواه. لقد تفنن حتى في كتابة بضعة من الشعر. وبعض الأحيان كان يخلط القصة مع الشعر ليصوغ منهما عملا فنيا ادبيا متقنا في غاية الانسجام والكمال. الفيلسوف لا يخترع شيئا كالعلماء، بل يخلق الأشياء. السيد نيتشة لم يخلق شيئا. لقد كان هو الخالق ذاته لفلسفته الخاصة به، إذ انه عندما يتحدث لا يعني ما يقول وبعض الأحيان لا يعرف ما يقول او يخالفه المعنى في مضمون ما يقول وأكثر من ذلك، إنه يردد الأشياء بمعانٍ مختلفة عدة مرات. لم يكن هناك أي نظام في مضمونه الفكري والفلسفي كما هو معروف لدى عمانويل كانت او هيغل. لقد فقدوا فلاسفة القرن التاسع عشر هذا الامر تماما. عمله كان بحد ذاته كارثة شخصية تفوق الكارثة الأوروبية بكل المواصفات، بل إنه هو الكارثة تحديدا!
في بعض اعماله كان يموه للقارئ فرحته عبر تكهنات لمستقبل مشرق لكنه واقعا كان متشائما حزينا جدا ومتخوفا من ترسيخ الحقيقة وخطها. لقد تنبأ قرنا مليئ بالحروب والثورات وكوارث طبيعية تودي بحياة المرضى والضعفاء والفقراء جميعا إلى التهلكة وتؤدي إلى ظهور طبقات استبدادية من الأقوياء يحكمون العالم بلا رحمة. لان مفهوم الحياة لدى هؤلاء يعني الإرادة للسلطة والصراع من اجل السلطة بعيدا عن مفاهيم الديانات السماوية وفضائلها فكل ذلك يعتبره نيتشه هراء. لم يكن نيتشه أستاذا للتعبئة البشرية والتمجيد للحروب وللسلطة قط. فهو من محبي الشاعر غوته وذلك الزمان العتيد وبعد تسيس المجتمع الألماني أصبح نيتشه يمقت تلك الطبيعة السياسية قائلا: "إنها لبليغة الاثمان، تلك الصراعات على السلطة والوصول اليها. غايتها استغباء الشعب الألماني". ثم يعرج على الاناشيد التي أطلقها الثوار على الأنظمة الرجعية الملكية قائلا: "المانيا، المانيا فوق كل شيء. أنا أخشى ان هذا هو نهاية الفلسفة الألمانية. هل بمقدور هذا الشعب التفكير بعقلية فلسفية؟ كيف يستطيع ذلك وقد ابتلعت عقله الماكنة السياسية؟ هل هناك من الفلاسفة الالمان؟ من الشعراء الالمان؟ هل هناك كتب المانية جيدة؟ هذا ما تسألني الناس عنه في الخارج. أنا اجيب بما املك من شجاعة بالقول: "نعم، لدينا بسمارك!". ثم يمضي مستهجنا الوضع السياسي في المانيا بالقول: "إنها حقبة الجماهير وخاصة وانهم يستلقون متجمهرين على بطونهم كما هو الحال في السياسة. رجل دولة يروم بناء برج بابل لهم، أي مسخ هذا يريد تشييد صروح من دولة توسعية وسلطة من اجل ان يكون عظيما. وماذا عنا، نحن المترددين والمتخوفين الذين لا نستطيع ترك تلك العادات البالية ونعي بان فقط الأفكار الكبيرة هي التي تصنع الأشياء والافعال وتمنحها عظمة. ماذا لو فرضنا ان رجل الدولة هذا طرح علينا سياسة كبيرة يروم خوضها مضحيا بكل ما يملكه من فضائل لكنها معروفة، هذه السياسة، بانها سيئة وغير جديرة، ماذا لو فرضنا أن يحكم رجل دولة على شعبه بفرض سياسة التسيس المجتمعي في الوقت الذي هو احوج إلى اتخاذ الحكمة والتدبير وابعاد نفسه عن كل هذا الاشمئزاز من الاضطرابات والضياع والمشاكسات وكل هذا بالعادة لا يترك الشعوب المسيسة. ماذا لو فرضنا ان رجل الدولة ينجح في إفراغ قدرات الشعب الفكرية النيرة ويتمكن من السيطرة على عقول الجماهير ويشتري النفوس التي كانت سابقا فقط تنظر إليه عند مروره من جنبها بإعجاب، ماذا لو استقطبها للعمل السياسي ثم جعل منها حطبا لمصائب لا مخرج منها. هل نستطيع بعد ذلك ان نسمي رجل الدولة هذا بالعظيم؟! متى يا ترى وضعت امة كبيرة مصيرها بيد رجل دولة واحد؟". لم يصدق نيتشه التحول السياسي الذي سيحدث في المانيا، كان يؤمن بشخصيات سياسية كبيرة وكان يمقت شخصية القائد بسمارك ويعتبره رجل الماني أناني يعاني من الهستيريا السياسية، لا يهمه سوى ما يدور في عقله. كذلك كان يمقت صفة الوطنية في المانيا ويعتبرها خيانة للعادات القديمة الأوروبية ويعدها معرقل وحاجب مقيت لا يتيح المجال للعقل ان يتنفس بحرية. "الوطنية كالسحابة تمضي وتمطر زخات الطموح السياسي على الشعوب وتجعل البشر يعانون بإرادتهم هم، انها ليست إلا زخات من الغباء، تجعلهم اضدادا لكل ما هو حولهم. وها هم الان أعداء لفرنسا وقريبا أعداء لبولندا كما أعداء للمسيحية الرومنطيقية، قريبا سيحاربون فاغنر واصولهم التويتونية، كما بروسيتهم. سيملؤون العقل والضمير الألماني بالضبابية". يمقت نيتشة العقلية الأوروبية فيما يخص العنصرية ضد اليهود حد الاشمئزاز قائلا: "كم من السقوط والنفاق نحتاج كي نطرح موضوع العنصرية في أوروبا المختلطة اليوم! لذا فلا حوار مع أي انسان يتداول هذا النوع من التحايل العنصري ضد البشر. أين هم الالمان الحقيقيون، غوته، شوبن هاور، هاينريش هاينة؟ أين هم عمالقة النثر، العرافين والمبدعين أصحاب الشأن الرفيع. لقد رحلوا كلهم عن هذه الدولة التوسعية، دولة لا تهتم إلا لضوضاء الصناعات وللعلوم التطبيقية، وللجهل الاحمق تجاه الخارج، دولة تمجد القيصرية بكل سذاجة. علينا بالبحث عنهم في باريس."
بالرغم من خلافه العميق مع الوطنية الألمانية كان نيتشة يؤمن بإتحاد أوروبي وكان ينظر إلى نابوليون الأول بموحد أوروبا خلافا للكتاب وللطبقة الحاكمة آنذاك. يعتقد نيتشه ان نتاج الغباء السياسي وقصر نظر الزعماء في أوروبا الذين تعمدوا، بسبب امراضهم الوطنية، عزلة الأوطان، سيؤدي إلى الوحدة بين شعوب أوروبا في نهاية المطاف.
لم يكتفي نيتشه في حياته الأخيرة من نقد ريتشارد فاغنر والرموز المسرحية التي يقدمها الموسيقار المسرحي الكبير والمؤلف والكاتب التي اعتبرها جزء من تعظيم ما هو عظيم في المانيا وتعالي واستكبار على الاخرين قائلا: "الشعب لا يتقبل إلا من يعظمه، فمن يمدحنا يصبح قويا ومن يرفعنا مراتب عليا، أصبح إلها، ومن يوبخنا ننزله إلى أسفل السافلين. هذا ما يروق لنا، فإننا نحب التعظيم."
لم يترك نيتشه قضية في تاريخ حياته إلا وطرحها ناقدا، حتى الديانة المسيحية لم تسلم من قلمه المدبب قائلا: "اليست السياسة الألمانية اليوم قائمة على السياسة الواقعية؟ فأين هي من فضائل الديانة المسيحية التي اعتمدت حب الاخرين والشفاعة والاهتمام بالمحتاجين؟". إنه لا يجد ربطا بين ما هو مرسخ في الديانة المسيحية والواقع الحياتي الذي يعيشه في القرن التاسع عشر، عصر التقدم والنهوض الصناعي الجبار. يعتبر نيتشه ان كل ما يحدث في عصره هو عملية افراغ ومسخ للميراث الادبي والفكري لألمانيا واستبداله بأنموذج الاقطاعي الكبير، والصناعي الانيق ورجل الدولة التوسعية (Reich).
كان نيتشه يحذر من تكاثف في المهنة الواحدة طارحا أنموذجا من تفعيل دور التعليم للمتميزين من أجل الابتعاد عن ظاهرة التكاثف الفني او التكاثف السياسي او التقني. لكنه لم يستطع اتخاذ أي اجراء او تقدم في هذا الشأن. تحاور الكثيرون من ذوي الشأن والاختصاص في هذا الامر لكنهم لم يأخذوا طرح نيشة بنظر الاعتبار.
هكذا مضى نيتشة حياته التي كانت محفوفة بالالم والأسى على ماضي لم يستطع استرجاعه او إعادة ولادته من جديد. ما كان يدور حوله جعل منه رجلا متشائما، حديا في نبرته وفي قلمه ناقدا البشر والوطنية والديانة لكنه لم يجرؤ نقد الاشتراكية ولم يقل شيئا عن الديمقراطية ولم يطرح مفاهيم جديدة لمستقبل المانيا. "الكوارث العقلية توضح لنا ما يجري، تجعلنا ندرك ونعي لكنها لا تحل شيئا، انها فقط تنبهنا وخاصة انها تنبهنا بما لا نحمد عقباه مستقبلا. هنا تكمن الكارثة." كان يشعر نيتشة ان ما يدور في أوروبا هو سلسلة من أزمات تنبأ بعضها بنقد لاذع وخاصة عن القيصر وليام الثاني الذي لم يستطع التعرف عليه بسبب تأزم صحته. رحل نيتشة بنزعته الفردية عام 1900 وحيدا في مدينة فايمار تاركا ورائه اعمالا عملاقة يصعب على الانسان فهمها مالم يتفهم عقلية هذا الرجل الذي كان يعاني من مرض عضال مزمن اوصله إلى فقدان وعيه حتى انه في اخر أيامه كان يخاطب المقربين اليه، على إنه طلب اجتماعا قريبا في روما من اجل اعتقال القيصر الصبي وقتل كافة العنصريين ضد السامية.