أيها الإنسان
    الثلاثاء 1 أكتوبر / تشرين الأول 2019 - 06:03
    المربي الراحل علي محمد الشبيبي
    ويك أيها الإنسان! أيها المخلوق العجيب، يا مجمع المتناقضات! فيك العاقل والمجنون، والأمي والمتعلم، والفاضل والذميم، والحقير والعظيم، والمجرم والبريء، واللص والأمين، والتقي والفاجر، وذو الشره والقنوع، والأحمق والورع، والكاذب والصادق، والمرح والكئيب، والعامل والاتكالي، والخامل والنبيه، والحليم والسفيه، والكريم والبخيل.

    فيك من يجزع لضرب حمار، ولكنه يهرق دماء أبناء جنسه ويتصدق على المساكين، ويمتص دمَ العاملين!. يبجل العظام الأموات، ويهين النوابغ الأحياء. ويلعن الحروب وويلاتها، ويهيئ  -من حيث يعلم أو لا يعلم- مقدماتها ومسبباتها. يؤمن باليوم الآخر، ولا يهاب الوعيد. ويذم الدنيا وهو ثمل بخمرتها.

    فقراؤك يخنعون، وضعفاؤك يتملقون، وأوساطك يخادعون، وأثرياؤك يتغطرسون ويتلصصون. وأحرارك وأخيارك يموتون كفاحاً على حد السيف وأعواد المشانق، في سبيل خلاصك ونجاتك، يجتازون هذه الحياة مطاردين مرهقين محتقرين، فإذا ما فارقوها، اتخذت من تأريخهم طريقة للتدخل، ومن مراقدهم وسيلة للعيش!

    اختص كل حيوان بصفة. أما أنت؟ فقد جمعت كل الصفات. مكر الثعالب إلى صراحة الأسد، شراسة النمر إلى وداعة الحمل. تيه الطاووس إلى تواضع الدجاج. شجاعة النسور إلى جبن الزرازير. وصبر الحمير إلى حقد البعير. ووفاء الكلب إلى غدر الذئاب. ووداعة الحمام إلى شراسة الصقر.

    لم تدع شيئاً يؤكل إلا أكلته، النافع منه والضار، والحلال والحرام. ولا شراباً إلا شربته، منعشاً أو مخدراً، حلواً أو مراً، حاراً أو بارداً، سائغاً أو منغصاً، ما يجلب الشفاء وما يزيد في توغل الداء. ولا تفتأ تقضي على داء، حتى يتسلط عليك داء أقوى، وميكروب أخفى.

    بينما نراك تغوص في بحار العلم، باحثاً عما يسعد الجميع، إذ نراك تخترع ما يهدد الحياة بالدمار والفناء. وفيما أنت تؤلف جمعيات الرفق بالحيوان، وسائر الجمعيات الخيرية، إذا بك تعقد المؤتمرات للتآمر على حريات الشعوب الضعيفة. وتحشد الجيوش، وتدفع الملايين إلى الحروب، والصراع من أجل السطوة والسلطان!

    افتقدت الإناث القوة، فاتخذت الأغراء بدلا منه سلاحاً فتاكا، وشباكاً لا تخطئ الصيد. فكنّ به أشد قسوة ونكالا. وملك الرجال القوة فكانوا أكثر غروراً، وأعظم زهواً وخيلاءً.

    ولعبت الغريزة الجنسية، دورها في تحدي كل فضيلة تتغنى بها، وكُلَ مُثل تتشدق بها. حتى أضطر المشرعون، إلى وضع الحدود القاسية، والحواجز العالية. فلم تفت الفروق الطبقية أن تتخذ من تلك الحدود ميزاتٍ لها، وعناوين تشمخ بها على الطبقات الدنيا خيلاء، وتتيه إعجابا وتترفع كبرياءً، وتستفيد بواسطتها ربحاً وتجارة ...

    ولقد فتنت بحب الحرب والصراع. حتى لم تدع منها سبيلاً إلا سلكته، ولا أسلوبا إلا أتقنته، فحرب السيف والكلام، والمكر والخداع، والاستثمار والاستغلال.

    وهكذا أجاب الملائكة الله حين قال: (.. إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ[1]).

    (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[2]. وجعلت حتى الدين لخدمة أطماعك، وأهدافك، فقال عظيمٌ (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم. فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديانون[3])

    وهكذا حولته من وسيلة للتآخي والتعاون، إلى وسيلة للتفرق والعداوات؟

    فرسالة أي نبي فرّعتها إلى مذاهب متعددة، وأحزاب مختلفة. فكانت الطائفية آفة المثل العليا، وبلاء على الإنسانية النبيلة. حتى لو أن نحاتاً أراد أن ينحت لربك تمثالاً حسب تعدد أديانك ومذاهبك، لكان أبشع تمثال، لكثرة ما له من وجوه وعيون، وأكف وسيقان!

    ويك أيها المخلوق العجيب. ما أقواك وأضعفك، ما أقساك وألينك؟ ما أشقاك وأسعدك؟ أني اُقدسك وأكفر بك.

    أقدس منك عقلك ومواهبك، وطموحك وهمتك. وأكفر بك لقسوتك وشراستك، وتقلبك وتلونك.

    وجدتك تعتبر كل جديد بدعة، فتبدي ضده مقاومة وعناداً، حتى إذا مضى عليه ردح من الزمن، وثبَتَ أمام النقد والحِجاج، سار على نهجه بعض، وغض النظر عنه آخرون.

    وما أكثر ما ترتكب في السر فعالاً، تعلن استنكارها دجلاً ونفاقاً. وتهاجم أفكاراً ترتضيها في قرارة نفسك، وتؤمن بها في عقلك.

    إنك تحاول فيما ابتكرته من مخترعات، ودبرت من اكتشافات، ووصلت إليه من علم وفن أن تصل إلى السعادة، وطول البقاء، فإذا بك بسبب ذلك تقترب نحو الفناء!

    أيها المخلوق العجيب، حقاً ما قيل فيك: ( قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ[4])


    المربي الراحل
    علي محمد الشبيبي
    الناصرية في 20/04/1955

     
    1- الآية 30 من سورة البقرة.

    2- الآية 32 من سورة البقرة.

    3- من خطبة للأمام الحسين(ع)

    4- الآية 17 من سورة عبَس.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media