أيها العراقي الثائر...
    الأربعاء 9 أكتوبر / تشرين الأول 2019 - 03:28
    أ. د. حسين حامد حسين
    كاتب ومحلل سياسي/ مؤلف روايات أمريكية
    ألكثيرون ممن كتبوا عن ادانة العنف الذي استخدمته الجماهير الثائرة من اجل رغيف الخبز من خلال تعاملها مع ظروف حياة قاسية ، لم يكونوا منصفين مع حقيقة ما يعيشه شعبنا من حقيقة الحياة . حيث يقول عن تلك الظروف امام المتقين علي بن ابي طالب "عليه وعلى أل بيت النبوة الاطهار أفضل الصلاة والسلام ، :  ( اني لأعجب لرجل ينام وعائلته جائعا ولا يخرج شاهرا سيفه على الناس" ؟؟!! 

     فيا ترى ، كيف لنا كعراقيين ان نتوقع من شعب جائع عاري يعيش على الكفاف ، ان لايكون خروجه على الاوضاع المزرية ضد حكومة لا تمتلك ضميرا حيا ولا قليلا من حياء ، إلا بعنف ، وخصوصا ان التظاهرات السلمية التي خرجت وعلى مدى اكثر من سنة لم تأتي بأي نتيجة تذكر! بل تركت حكومة السيد عبد المهدي شعبنا يعاني من الهوان وبشكل اعظم ، حتى من عدم استطاعته الحصول على رغيف خبزه ، فوجدناه يضطر الى اللجوء لعالم الجريمة فيمارس القتل والنهب والسمسرة وبيع المخدرات من اجل ان يعيش مع عائلته؟ أم انه يا ترى ، أن  تلك الجرائم المزرية التي يمارسها الشباب العراقي منذ ستة عشرة سنة والتي تمتلئ بها السجون ، انما هي من باب "البطر" فقط؟ 

    لقد تعاملت السلطات العراقية "الديمقراطية جدا" مع التظاهرات التي خرجت مطالبة بحقوقها ، وكأنهم غرباء وليسوا عراقيين ! فهل أن من انتقد العنف الذي مارسه البعض ، كان يتوقع ، ان من يخرج جائعا غاضبا على الاوضاع ، ينبغي عليه حمل "الزهوروالرياحين" والحلوى ، ونثرها فوق رؤس سلطات ثلاثة  لا تزال تصر على ممارسة جريمة عدم مبالاتها بشعبها .  فلم تبالي حتى لتشعر ان هؤلاء "المظلومين" هم بشر ، وان لهم صبرا محدودا ، وان الحياة في لحظة ما سوف لا تساوي شيئا يذكر امام الذلة والهوان ، وقد بلغ السيل الزبى ، وان التظاهرات العارمة هي الحل الوحيد لا غير، وان من حقهم الدفاع عن انفسهم في مواجهة سلطات غاشمة؟! 

    لقد كتبنا عشرات المقالات أشرنا فيها الى هذه الثورة العارمة  القادمة وهذا النوع المتوقع من الخروج الغاضب للجماهير.  ولكن كيف لحكومة "عنصرية" تميل الى "فئة صغيرة" من الشعب ، لكنها لا تبالي لملايين من العراقيين يعانون من دوامة محن البطالة وصعوبة العيش ، فكيف لها ان يردعها أي شيئ سوى القوة الغاشمة ؟ وهذا ما حصل من فبل شعبنا الذي تبرأ من حكومة وسلطات لا قيمة لها على صعيد عدم التزاماتها بمسؤولياتها تجاه الشعب !! 

    لقد توقعنا أن هذا الهيجان الشعبي سوف لن يتوقف ولن يهدأ له بال حتى تسقط الحكومة . فذلك يمكن ان يكون اقل ما يمكن ان يحدث بعد المعانات الكبرى لحياة لا يجد فيها الانسان في وطنه سوى اليأس وهوان الكرامة.  "فثعلب ماكر" كعبد المهدي ،  سوف لا ولن يستطع أن يحقق من اجلها سوى وعوده المعسولة ، ثم تظاهره" بالحزن والانكسار على الشعب ، ولكن ، بعد سقوط 100 من الشهداء واكثر من 4000 من الجرحى !! 
    فأي عاقل هذا الذي يحاول لوم شعبنا لرده بالشكل الذي حدث على اوضاعه الحياتية من المواجهات ولما تستحقه حكومة ظلت لستة عشر عاما تتحدى شعب تسوده طبقات جديدة يعيشها اللصوص والفاسدون في القمة ، بينما يحيا فيها العراقي الاصيل في القعر، لكنها استمرت بالتعامل مع العقلاء من خلال الكثير من الكذب والرياء من اجل استمرار وجودها الكريه. 

    ان شعبنا اليوم يعيش في انتظاره الابدي على اقدار يطالب بها  في زمن يكاد يلفظ انفاسه بعد ان امتد طويلا وبالغ في سخريته على وجودنا ولا يزال مستمرا في العبث بالعقول التي لا اعتقدها قادرة بعد اليوم ان تنكس بيارقها المعفرة بدم الشهادة لنصريدنوا منا على الرغم من بطيئ اقترابه وقد انتظرناه طويلا .  اننا نعلم من انك ايها الثائرالعتيد لم تعد لتستطع تحمل خيانة الانذال لك أوالتصالح معهم . فهذا الحصار المطوق لذاتك الجريحة بألمها القديم ، لا تبالي فيه أن تتلقى رصاص حكومة خائنة لم يهمها يوما ولن يهمها ان تراك تموت شهيدا ، ولكنك سوف لن تقايض خونة العراق حتى بنعالك القديم . فروحك التي استوطنها العذاب والالم والفقر والتشرد ، وانت تراهم وهم يقهقون على مأساتك الابدية كل يوم، سوف لن تستطع حكومة ما بعد اليوم ان تتخلى عن عارها وانت تموت شهيدا؟ 

    ايها العراقي الثائر...ايها البطل ، سوف لن يطول يوم نصرك المبين ، وسوف لن تضطر في الاستمرار بحملك  وزر وطن يثور معك ويلبسك ثوب العافية على طغيان فساد لو تم جمعه لفاق طول الجبال. فيا لعظمة روحك يا عراقنا العظيم المتهالكة جوعا وحسرة من اجل رغيف الخبز، بعد فرضت عليك انظمة خارجية عبثت بك لكي تنهاراخلاقك الانسانية ، فتجعل منك حارسا لمصالحها في وطنك العزيز المنهوب. 

    ولكن، هيهات . فسوف لن يستمر انتحارك البطيئ المفروض على حياتك، كما وانك سوف لن تبالي بأي معاني لخوف قد تم فرضه عليك من جعلك تشرب مرارة هذه الحياة التي يفرضونها عليك.  بل ويطالبونك باستمرار خنوعك لهؤلاء الاشرار ممن تحميهم اسلحة تغتالك كل يوم . وسوف لن يكون للخوف معنى في ذاتك وانت الذي تموت كل يوم تحت اختيارات مريرة تفرض عليك فرضا .  وكيف لك ان تختار السكوت عن عملاء يدوسون على كرامة حياتك ، ويعبثون بمصيرك ويهينون وطنك ويسرقون خبزك ؟ كيف لك ان تسكت وكرامتك الجريحة لا تزال تقطر دما ، وانت ترفض الذلة بعد اليوم . فاستمرارك في اختيارك الصمود في وجه الطغاة يعني التصاقك بحياة تريد أن يكون لها معنى وأمل وكرامة في ذاتك، وفيها مستقبل لعراق العزيز وللعراقيين .  وكيف لك ان تتحمل عار ايامك من قبل مخانيث استطاعوا منح انفسهم بطولات من خلال لصوصيتهم وعمائمهم النجسة . فهذا الحاضر المؤقت مع ماضي رغم كل سخريته هو وجود مؤقت فقط ، وان وجودك اليوم سيبقى مفعما بالثقة والعنفوان. فهذه  الصدور الشابة التي تتلقى الرصاص وهي تهتف بحياة عراق حر ديمقراطي حقيقي ، لا يحرس عراقنا سواك، ايها العراقي ألغيور.   
       
    حماك الله يا عراقنا السامق

    Oct/ 8/2019 
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media