في تعريب كلمة كومــپـيوتر
    الجمعة 11 أكتوبر / تشرين الأول 2019 - 07:48
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    شيء من اللغة

    في بدايات البث الفضائي العربي من لندن في التسعينيات أجرت معي إحدى الفضائيات مقابلة كان التعريب موضوعها الرئيس. سئلتُ عن تعريب الكومــپـيوتر بالحاسوب؟
    قلت:
    أولا: من الطبيعي أنّ كل مُخترَع جديد يأتي مع تسميته، ولو كنا نحن من اخترعه لوضعنا له تسمية عربية، ولنقلها الآخرون إلى لغاتهم. وهذا شأن الثقافات الحية.
    ثانيا: علينا، إذن، أن نجد مقابلا عربيا مستساغا وملائما لكل مخترَع جديد يصل إلينا.
    أمّا مصطلح الحاسوب، فلا أراه ملائما. فالكومــپـيوتر لا يقوم بالحساب فقط. إضافة إلى أنّ لفظة الحاسوب غير مستساغة، وصيغة (فاعول) في اللغة العربية قليلة ونادرة لثقلها. ويمكن تقليل ذلك الثقل باستعمال الحروف الذلق والشفوية، مثل النون والراء والميم. أما الحاء فهو حلقي ذو بحّة يضفي على الصيغة الثقيلة أصلا، ثقلا جديدا لا تتقبله الذائقة اللغوية وإن جرى استعماله. لذا فإنّ مِنَ الكتاب مَن يفضّل عليها كلمة الحاسبة بتغيير الصيغة وتأنيثها لإضفاء الترقيق عليها. ولكن يبقى الاعتراض على عدم انطباق دلالة الحساب مع مهمات الكومــپـيوتر.
    وقد حدّد السابقون ثلاث صيغ للآلة: مِفْعَل، مثل: مِنْجَل. ومِفعال، مثل: مِحراث. ومِفعلة، مثل: مِطْرَقة. وأضاف مجمع اللغة العربية بالقاهرة صيغا أخرى، منها فاعول، فولد فاعولُ الحاسوبَ. ولا أدري ما السبب الذي جعلهم يحصرون أسماء الآلات بتلك الصيغ، وأنْ يقسموها بعد ذلك إلى قياسية وسماعية. ذلك أن أسماء الآلة لا حدود لها، فالناس يستعملون كثيرا من الآلات. فما الضير في استعمال صيغ غير التي ذكروها، على أن تكون مفهومة لدى السامعين والقارئين وأنْ تدلّ على العمل الذي تقوم به. فلا يصحّ أن تسمّي ما تحرث به الأرض، مثلا: مطرقة لا محراثا.
    فأمّا عدم انطباق مصطلح الحاسوب على مصطلح (الكومــپـيوتر) فيعود إلى أنّ الجذر (ح. س. ب) دالّ على جزء ضئيل من مهمات تلك الآلة. وباستثناء الحساب الذي يعني العدّ، مثل: حسَبت ما عندي من دراهم، فإن سائر معاني الجذر لا علاقة لها بالكومــپـيوتر. كالحِسبان، بكسر الحاء: وهو وجه من وجوه الظن. كما في الآية: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ) وفي: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا). والحِسْبَة: حسن التدبير. وأحْسَبْتُ صاحبي إذا كان محتاجا فأغنيته، أو وهبته ما يُرضيه. وافتخرت امرأة من العرب:
    ونُقفي وليدَ الحيّ إن كان جائعا
    ونُحْسِبًه إنْ كان ليس بجائع
    أي إنهم يُطعمون الجائع ويُكْفُون غيره.
    فكل هذا، وأمثاله، لا علاقة مباشرة له بأداء الكومــپـيوتر.
    واقترحتُ في تلك الندوة مصطلح (المُنظّم) بتشديد الظاء وكسرها، وهي صيغة قياسيّة على زنة: (مُ فَ عِّ ل) كما تقول: مُحرّكُ السيارة، مثلا. ولكن، لمّا لم يلتزم بها أحد، ومن أجل أن يُفهَم ما أقول، استعملت، مكرَهًا: لفظة الحاسب والحاسبة، وأقلّ منهما: الحاسوب التي أراها صيغة مبالغة في الآلة التي تحسب فقط.
    وفي مقابل ذلك، فإنّ المنظِّم على زِنَة (مُفعِّل) صيغة قياسية معترف بكونها من أسماء الآلة وتفيد المبالغة أيضا. فأرى تعريب (الكومــپـيوتر) بالمنظّم منطبقا تماما على مهماته. فهذا الجهاز يقوم بالتنظيم في كل ما يُؤهَّل له. ينظّم لك أوقاتك وكتبك ومقالاتك ورسائلك إرسالا وتسلما، وتدفع عن طريقه الضرائب وأجور الكهرباء والماء والغاز، وتحصل بواسطته على ما تريد من دواء أو طعام أو بضاعة. بل صار الأطباء يعتمدونه في تحديد الأدوية وطرق العلاج. وهو اليوم يُستخدم في العمليات الجراحية، وفي غزو الفضاء ورحلات البر والبحر والجو. فتجاوزت مهماتُه الحساب والعدّ إلى ميادين لم تكن تخطر على بال أحد. حتى أنّ الموسوعات البريطانية عرفته بأنه يقوم بتنسيق المعلومات وتخزينها وإجراء العمليات العقلية الدقيقة، وتنظيم الحسابات.. إلخ.
    ونلاحظ في اللغة الإسبانية مصطلحين للكومــپـيوتر، هما: (Computadoras) و(Regulador) والثانية تعني (المنظّم) والأولى ليست بعيدة عنه.
    فالجدير بنا أن نُترجمه بالوظيفة العامة له، وهي التنظيم، فهو المنطِّم.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media