كلمة .. اللهمّ
    الجمعة 18 أكتوبر / تشرين الأول 2019 - 07:52
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    شيء من اللغة

    نتيجة تحليل متأنّ ودقيق لآراء اللغويين والنحويين والصرفيين في اشتقاق لفظ الجلالة (الله) تأكد لدينا أن اللفظ ليس مشتقا، وأن الحق في هذا الموضوع مع الخليل بن أحمد، وإن لم يستوفِ أدلة موقفه. ومع الفخر الرازي في تفسيره الكبير، الذي استوفى فيه معظمها. وقد ثبتنا كل ذلك في الجزء الأول من (موسوعة معاني ألفاظ القرآن الكريم). فلا ضرورة للعودة إليه هنا. فلننتقل إلى كلمة (اللهمّ). ونرى ما فيها.
    رأى الفرّاء (تـ 207 هـ، أو بعدها بقليل) ومَنْ سايره أنّ: (اللّهمّ ربّنا) تعني يا أللّه أُمَّنا بمغفرتك، أي: اعتمِدنا. ثم يغوص وراء افتراضات معينة، كقوله: نُزعت الهمزة من (أُمَّ) ووُصلت الميم بالهاء لكثرة الاستعمال. ولكنه لم يقدم دليلا على كثرة الاستعمال حتى يمكن القول بتلخيصه لفظا. ومثل ذاك التفسير كثير في بيئة النحويين. ولكن اللفظة قرآنية، ومعنى كثرة الاستعمال في قول الفراء وغيره، أن العرب قبل الإسلام كانوا كثيرا ما يقولون: يا الله أُمّنا بمغفرتك، أو أُمّنا بخير، وظلوا يقولون ذلك حتى اختصروه في لفظة اللهمّ التي وردت في التنزيل العزيز. ولا أدري كيف أفهم ذلك، فالبيئة يومذاك يغلب عليها الشرك، ولم يؤثر عنهم ذلك القول، سواء كانوا مشركين أم من أديان أخرى.
    لفظة (اللهمّ) أخذت من لفظ الجلالة (اللّه) في الدّعاء وما إليه. وهذه الظّاهرة فريدة في اللّغة العربيّة. فكلّ الأسماء التي تُنادى وتُندب، لا يُعوّض حرف ندائها، ولا حرفُ نُدْبَتها، حين يُحذفان، إلاّ هذه اللفظة، حيث يعوّض ذلك بالميم، زيادة استغراقٍ وإلحاحٍ في استدعاء المنادى والمندوب الذي هو (اللّه). فأنت تقول: يا صاحبي، و: وا صاحباه، مثلا، وليس لك أن تضيف الميم إلى ما ناديته أو ندبتَه حين تحذف حرف النّداء وحرف النّدبة. وهذه فرادة أخرى للفظة (اللّه) دالّة على أنّها هكذا أُوْجِدَتْ ولم تُشتقّ من لفظ آخر، ولو كانت مشتقّة من لفظ آخر، كـ(ولهَ أو ألهَ)، لعوملت معاملة سائر المشتقّات، أو سائر الألفاظ حتّى ما كان منها غير مشتقّ، حسب مصطلح النحويين.
    والميم، هنا، تقصر المنادى أو المندوب على المرء الذي ينادِي أو يَندبُ. فلفظة (اللّهمّ) ذات الميم المشدّدة إنّما جاءتْ تعبيرا عن مزيد الاستغراق والإلحاح في طلب المنادَى والمندوب، والمستغاث به. والميم والنون من علامات الجمع في اللغة العربية. والجمع، نوعان نوع عددي ونوع معنوي.
    ولا نعتقد بأن أصل (اللهمّ) (يا أللّه أُمنّا بخير أو بمغفرتك). فأنت حين تدعو ربّك بقولك: (اللّهمّ أنزل علينا بركاتك) مثلا، لا تلحظ فيها الجملة الآنفة الذكر. ونجد مصداق هذا في جميع الآيات التي جاءت فيها (اللهمّ) وعددها خمس آيات فقط، نعرض، هنا، لاثنتين منها: 
    أ- (قال عيسى بنُ مريمَ اللّهمّ ربَّنا أنزلْ علينا مائدةً من السّماء تكونُ لنا عِيدا لأوّلنا وآخِرنا) فهل يصح أن يقال إن معناها هنا ربّنا أُمّنا بخير، أنزل علينا.. الى آخر الآية؟ ومن أين جيء بهذا التأويل والتفسير؟ وإنما هو استغراقٌ في الدعاء والرجاء.
    ويُلفت نظرنا في الآية مجيء (ربَّنا) بعد (اللّهمّ) وهو إشارة الى أنّ الدّعاء الوارد في الآية لا يختصّ بعيسى مما توحي به لفظة (اللّهمّ)، بل يشمل الحواريين أيضا بدلالة (ربَّنا) التي فيها ضمير الجمع الدّالّ عليهم جميعا، فالتقى الجمع المعنوي الملحوظ في ميم (اللهمّ) والجمع العددي المعروف في (نا) من (ربنا).
    ب- (وإذ قالوا اللّهمّ إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطِرْ علينا حجارةً من السّماء). 
    هذه الآية من أبرز الأدلّة على عدم دلالة الميم على ما قالوه من أنّ معناها (أُمّنا بخير أو بمغفرتك). فهؤلاء ادّعوا الإيمان بلفظ (اللهمّ) ولكنهم لم يطلبوا الخير، ولو طلبوه لقالوا (إنْ كان هذا هو الحقَّ من عندك فاهدنا إليه) مثلا. ولا وجه لتأويل النصوص بما لا تبيحه ألفاظها.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media