النظام السياسي في العراق غير قابل للاصلاح
    الخميس 7 نوفمبر / تشرين الثاني 2019 - 11:12
    أ. د. عبد علي سفيح
    مستشار وباحث لوزارة التربية والتعليم الفرنسية
    كتبت قبل أسبوعين مقالاً وقلت: فيه العراق اليوم بين اتجاهين؛ اما باتجاه الثورة الفرنسية لعام ١٧٨٩ التي هدمت كل ما هو قبلها، او باتجاه الثورة الفرنسية لعام ١٩٦٨ والتي اصلحت النظام السياسي دون هدم النظام السياسي.
    اليوم وبعد اسبوعين ارى ان العراق اختار الطريق الأول وهو ثورة ١٧٨٩  ويوماً بعد يوم يتقدم في هذا الطريق تاركاً وراءه طريق الإصلاح لعام ١٩٦٨.
    يشهد العراق اليوم من خلال الاحتجاجات والتظاهرات مشهداً لصورة واضحة للباحثين والسياسيين والصحفيين بأن النظام العراقي الحالي غير قابل للاصلاح لانه غير مستعد ان يسمع ويستجيب لصوت الاحتجاجات والمطالبات بالإصلاحات السياسية الجذرية والتي تمس المسألة العراقية.
    إن هذا المشهد يعيد للاذهان نظام صدام حسين الذي كان يرفض اي نوع من الحوار والمرونة. وفي هذا المجال، ذكر الرئيس الجزائري السابق احمد بن بلة على شاشة التلفزيون الفرنسي في عام ١٩٩١ بعد زيارته لصدام حسين، قال قلت لصدام، ان لم تسحب الجيش من الكويت سوف تحصل خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات وبعدها لن يحبك الجيش.
    قال: فأجابني صدام، انا لا اطلب من الجيش والشعب ان يحبوني بل اطلب منهم ان يطيعوني
    إن هذه الأنظمة السياسية التي بنيت على الطاعة والولاية هي المشكلة وليست الحل.
    إن هذا النظام لا يشبه النظام السياسي للجمهورية الاسلامية في ايران  الذي يتميز بالمرونة وبجدارته في التعامل مع الخسارة، واليوم نشهد الصراع المرير بين الرئيس الأمريكي ترامب الذي يجيد لعبة الغولف وهي برمي الكرة من وراء حواجز مائية وترابية مع السيد مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية السيد الخامنئي الذي يجيد بمهارة لعبة الشطرنج. 
     ولا هذا النظام يشبه النظام السياسي اللبناني الذي تميز بمهارة رؤساء الطوائف برياضة التنازلات التي تشبه رقصتهم الشعبية (الدبكة) اللبنانية يداً بيد والرجوع خطوتين للخلف وخطوة للامام، ومن ثم إيجاد مساحة مشتركة بين الجميع.
    ولا هذا النظام يشبه النظام السياسي في تونس، الذي ولد رجلاً حكيماً مثل الرئيس الراحل القائد السبسي الذي فرض أبدع توازن سياسي وبنى نظريته السياسية على حد قول وزيره السابق الدكتور خالد شوكات: بأنه لا يمكن بناء منظومة جديدة تراجع التاريخ وتقيم النظام الديمقراطي إلا بمشاركة أبناء المنظومة القديمة الذين قاموا بالمراجعة الضرورية وانصتوا لصوت الشعب وإرادته وابدوا الاستعداد للانخراط في المنظومة الجديدة.
    إن النظام السياسي العراقي اليوم هو نظام الزبائن والمليشيات المسلحة، حيث يكون من الصعب أن تتنازل عن بعض امتيازاتها للشعب العراقي الثائر .
    هذه الحالة تحول الساحة الديمقراطية إلى ساحة حرب وصراع على  الوجود، اي انعدام الحل الوسطي.
    هذه الحالة دفعت العراقيين للحنين الى الفترة الماضية وهي الصراع العثماني الفارسي، علماً ان وجود المطعم التركي في هذه المنطقة صدفة. فلو كان اسمه مطعم مروان او ابو سفيان لما أطلقوا عليه المتظاهرين جبل احد. اي ان الاسم اصبح كالقماشة الحمراء التي تثير الثور في لعبة مصارعة الثيران.
    إن هذا الاسم  دفع اللاوعي الجمعي لاهل بغداد ان يأخذوا المطعم التركي كرمز للمقاومة أمام المنطقة الخضراء التي هي رمز السلطة العراقية تحت الولاية الإيرانية حسب اعتقاد كثير من العراقيين .
    وما شعارات ايران برة برة، والحرق والاعتداء على القنصلية الايرانية في كربلاء، اضافة الى تمزيق صور السيد الخامنئي ما هي الا دليل على ذلك. اي صراع الماضي بين  السلطنة العثمانية  والصفوية.
    لسنا هنا أمام حركة تصالح وأخاء بغدادي مع الاتراك، ولسنا أمام حنين للزمن الماضي العثماني الجميل، بل هو استذكار للصراع العثماني الصفوي الذي يدعم موقف لحظة سياسية بخلفية تاريخية تأتي في الوقت نفسه فاقدة شروطها.
    يذكرني هذا الحدث بولادة رموز في حركة الشعوب وثوراتها، فعندما احتلت داعش الموصل، وانزلت العلم التركي من القنصلية التركية في الموصل كرسالة للعالم الإسلامي بأن الخلافة الإسلامية العثمانية حل محلها الخلافة الإسلامية العربية. ثم بعد ذلك اخذت داعش الرقة عاصمة للدولة الإسلامية وليس الموصل لان الرقة كانت العاصمة الصيفية للخليفة العباسي العربي هارون الرشيد.
    إن اتخاذ أهل بغداد المطعم التركي كرمز للمقاومة له أبعاد رمزية عالية، وهذه الرمزية تعبر عن عدم قابلية الوضع السياسي لأي حوار.
    إن ساحة الميدان والمعركة أصبحت  الفيصل الوحيد بين الفريقين.
    من هذا التحليل يمكن القول بأن العراقيين مقبلين على عملية هدم كبيرة للقيم السابقة، وهذه الثورة ولدت من بيئة ثقافية وجغرافية كانت اساساً في ولادة الثورات والحركات الوطنية العراقية، التي ولدت منها ثورة العشرين، وولد منها الحزب الشيوعي العراقي، وحزب البعث والحزبان حكما العراق. 
    اليوم العراق يعاني من عدم وجود نظرة سياسية متكاملة نابعة من عمق التاريخ العراقي وهذا أدى إلى استمرار البحث والمعاناة.

    د. عبد علي سفيح الطائي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media