ثالثًا: لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق
    الجمعة 8 نوفمبر / تشرين الثاني 2019 - 06:13
    عادل نعمان
    كاتب وإعلامي مصري
    مستمرون معًا في موضوعنا، وهو الرد على البديهيات والمسلمات الأربع لتيار الإسلام السياسى في الحكم وفى السياسة.

    ثانيًا: السند من النصوص والأحاديث والمرويات

    الأول: الحل فى عدم تنازلهم عن الدولة الدينية

    وأتعجب كثيرا من تخطى الكثيرين حدود تقديس النبى وقربه حدود الله، وهو جد أمر خطير وسنرى، فقد تعدت خطها المعقول، وسمحوا لأحاديث ومرويات النبى أن تنسخ أحكاما ثابتة في القرآن، وأجازوا للأحاديث الظنية الثبوت والدلالة نسخ أحكام قطعية الدلالة والثبوت، بل وصل التمادى والتجاوز إلى عدم الاكتفاء بنسخ الأحاديث المتواترة، بل منهم من دفع بأحاديث الأحاد لنسخ ما جاء في القرآن أيضا، والخطير في هذا أن يتخطى المنتج البشرى حتى لو كان من عند النبى حكما إلاهيا، وينسخ القرآن ويلغيه، وله من فرص الخطأ في النقل والسرد عن المعنى الكثير، وأحب أن أؤكد أن كثيرا من الأحاديث لم تكن نقلا باللفظ كما رواها الرسول، بل كانت نقلا (على المعنى) وهى رخصة، مما يجعل الأمر رهين ثقافة وسماع وعلم من نقل وسرد، وهو أمر يختلف عن القرآن الكريم، فلم يكن القرآن سردا على المعنى لما وصل النبى من جبريل، لكنه كان نقلا حرفيا، وعلى اللفظ الذي تلقاه واستقبله، فكيف بالله ينسخ هذا ذاك؟ وهكذا تؤمن كل الفرق والمذاهب الإسلامية ومنهم الأشاعرة بهذا النسخ، وللحق عدا الشافعية الذين يقرون بنسخ القرآن للقرآن فقط، وليس لى رد على هذا سوى حديث النبى عن نفسه، والذى يوضح أن ما جاءنا به النبى غير القرآن، يخضع لبشريته، وتقديره الشخصى للأمور، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله (إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار) وهذا الحديث الصحيح يؤكد فيه النبى أن حكمه حكم فردى، واجتهاد خاص، وليس حكما إلهيا، بل ويتأثر بما يلحن به الناس ويدلسون ويكذبون عليه، وهو حديث يدعونا إلى إعادة النظر فيما هو متصل بحياة الناس ومعايشهم.

    وأغلب الظن أن ما جاء على لسان النبى في معايش الناس وأحوالهم وشؤون حياتهم جاء على ألسنة الناس وأحكامهم وأقرته الأعراف في حينه، إلا أنه سجل علينا حكما أبديا سرمديا، ولم يكن يقصد ذلك، بل النبى ذاته قد حرم أمورا وتراجع فيها، فقد حرم على المسلمين زيارة القبور، وتراجع فيها حين رأى أنها ترقق القلوب، وحرم على المسلمين أكل لحوم الأضاحى بعد ثلاثة أيام من ذبحها، ورجع فيها، لما رأى الناس تحبسها لعودة الغائب منهم ليشاركهم طعامهم، فماذا نحن فاعلون بما حكم به علينا ومات عنها، ولم يصادف سببا لتعديله في حياته، وكان يستحق الحذف أو الإضافة، وجدت أمورا كثيرة وأسبابا وفيرة مرت علينا تستوجب هذا التعديل وهذا الحجب، بحجة الآية (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولم يكن سبب نزول هذه الآية إلا لسبب خاص في توزيع الغنائم، وليس على إطلاقه.

    ومن هذه الأحاديث أحاديث الجهاد والقتال والتى اتفقت مع آيات السيف التي نزلت في المدينة، وقالوا: إن هذه الآيات نسخت كل آيات الموادعة والمصالحة التي نزلت في مكة، وكأنهم يقولون لنا إن قرآن مكة ليس كقرآن المدينة، وإن نهج الدعوة ليس واحدا في البلدين، وأغلب الظن أن الجهاد كان لضرورة وتحت تأثير الحاجة، وضغوط المظلومين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق لا أكثر بل وأقل، فلا دعوة بقتال، ولا حب بالإكراه، ولا إسلام بالإجبار، ولا إيمان عنوة وبالإرغام طوال العمر.

    ولو كانت تشريعات الدنيا ثابتة حاكمة، لما ترك الله لنا أمرا إلا وذكره في القرآن، وتضمن أضعافا مضاعفة، وأغلق الباب كلية حتى على نبيه ورسوله، لكنه ترك الأمر لاجتهاد أصحاب الشأن والمتخصصين، فهل الحدود الأربعة الواردة في القرآن تكفى الآن، وقد ظهرت الآف الجرائم وتنوعت؟ وهل ما جاء في القرآن عن الاقتصاد والمعاملات (وأحل الله البيع وحرم الربا) والآية (يايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) هل تكفيان لإقامة كيانات اقتصادية معقدة تحكمها وتفصل فيها اجتهادات المشايخ؟ بالطبع لأ، وهذا هو الداعى إلى القول: إن مصلحة الأمة فوق النص، نعم فوق النص.

    نخلص مما سبق أن العبادات ثابتة لا تعديل ولا تغيير ولا تبديل فيها حتى نهاية الكون، وإن الناسخ والمنسوخ أمر ليس مقبولا، إلا إذا جاء من الله وكان الناسخ أفضل من المنسوخ أو مثله، وإن الحديث لا ينسخ القرآن، وعصمة الأنبياء فيما يوحى إليهم به فقط، والأحكام تدور مع العلة وجودا وعدما، ومصالح الناس فوق النص وفوق الحديث، والأصل في الدعوة المحبة والسلام، وأن الاستثناء في بدايات الدعوة كان إما لرد الاعتبار أو الانتقام، وسيرت الأمور والتأويلات لهذا الغرض فلا نقبل من الله إلا الطيب حتى لو جاءنا بغيره وقالوا هو من عنده، وعلى كل الأحوال كان حكما مؤقتا لعلة، حملت من طبائع الناس ما حملوها وساروا بها، لكنه عهد مر وفات لا نقف عنده، وأخيرا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والخالق رؤوف بعباده.

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media