صورةٌ... أحبُّ رؤيتها
    السبت 23 نوفمبر / تشرين الثاني 2019 - 08:57
    أبو تراب كرار العاملي
    تأمّلٌ ـ قَلَّ أو كَثُر ـ قد يُفضي بنا إلى معاينة تجلّيّات مختلفة لمظاهر متنوعة في ميادين متشعّبة تحويها أيامنا المتعاقبة التي تمضي مُظْهِرةً لنا أشكالاً من حوادث في سياقات معينة قد تُشَكِّل قاعدة تحليلية لأصحاب المراقبات للخروج بنتائج كذائيّة قد تُصيب الواقع وتلامس الحقيقة، وقد تتّخذ مناحي أخرى تتجلّى اشتباهاً، سوء تقدير وغيرهما.

    بُعْدان يُشَكِّلان مِعيارَيْن لطريقة معاينة الوقائع الحياتية تمهيداً للخروج بتقييم يدفع بنا للتموضع على ضفّة أو أخرى في سياق التأييد أو خلاف ذلك للمشهد المُنْظَر إليه: البُعْد الشَّكلي والبُعْد العملي.

    الأول ـ أي البُعْد الشَّكلي ـ يتجلّى بتظهير انعاكس ظاهري للموضوع دون الأخذ بعين الاعتبار فحواه ومضمونه.
    مثل بسيط يدفعنا للخروج بنظرة إيجابية بناءً على هذا البُعْد:
    مبنى ضخم وهيكلية فخمة مع تصميم بارع يُبهر الناظرين إليه من فرط جماله وروعة هيبته. كُلُّ هذا العمار هو صرحٌ تعليمي تحت عنوان "مدرسة" أو "جامعة" أو غيرهما.

    الثاني ـ أي البُعْد العملي ـ يتمحور حول الوظيفة العملية التي تنتج عن "حدث ما" أو "لقاء ما" أو "واقع ما" أو غيرها مع إغفال الانطباع الشكلي الذي يُعَبِّر عن الصورة الخارجية للنشاط المنشود.

    مثل بسيط يُخْرِجُنا بتقييم حَسَن اعتماداً على هذا البُعْد:
    مجموعة من فطاحل الدّكاترة يعقدون اجتماعاً لتباحث مشروع مهم للنهوض بالمستوى الثقافي لمجتمع ما وإثرائه بمخزون علمي كفيل بتكوين حالة إرشادية نحو حبّ الاطلاع وبناء جيل ذي توجّه لا بأس به لتحصيل المكاسب العلمية.

    وفي البَيْن أربعة نماذج لتقييم المشاهد بناءً على البُعْدَيْن المُشار إليهما:

    أولها، فقير البُعْدَيْن، لا شكل يُذكَر ولا عمل يُعَوّل عليه.
    مثاله: اجتماع أبرياء في مكان مجهول دون أية تغطية إعلامية مع افتقارهم لقدرة التغيير في "قضية ما" مع أنهم اجتمعوا لأجلها وبغرض تصحيح مسارها... أعانهم الله وأثابهم على حسن نواياهم.

    ثانيها، ذو طابع مادّي، حيث يتجلّى الشكل بمظهر بَهِيّ يجذب العيون الناظرة إليه مع افتقاره لأيّة وظيفة عملية مفيدة.
    مثاله: ما جاء في المثال الأول ـ المتعلق بالبُعْد الشَّكلي ـ المُشار إليه أعلاه مع إضافة أن الصّرح الشاهق يقع في قرية نائية وأبوابه مغلقة على مدار العام. دوام عمل غير موجود، مُدرّسون مُفتقَدون، غياب تامّ لأي حضور طلابيّ، مكاتب إدارية شاغرة وموظفون لا أثر لهم... هل سمعتم بمدينة الأشباح؟!

    ثالثها، مسارٌ عمليّ فعّال ذو قدرة جيّاشة ونشاط واسع دون الاهتمام بظواهر الشكليات وانعكاساتها، بل الحرص ـ في بعض الأحيان ـ على إخفائها وعدم الكشف عنها وإبقائها في غياهب الجهل وطيّ الكتمان.
    مثاله: قادة مخلصون وأبطال شجعان يجتمعون بعيداً عن الأعين ليتمخّض اللقاء عن خطط وتجهيزات يُرعِبون بها "عدوّ الله" فيغدو الظالمون في حيرة من أمرهم يعتيرهم القلق ويكسوهم الحذر من قادم الأيام وخبايا المواجهات اللاحقة... {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (سورة الأنفال - الآية ٦٠).

    رابعها وآخرها، يجمع البُعْدَيْن معاً.
    أما العنصر الظاهري فهو بلا شك جميل الطّلّة. مع الالتفات لنقطة مهمة، أن الجمالية هنا لا تستمد قوتها من زخارف الدنيا وزينتها، بل هي مبنية على مجرد ظهور الأشخاص المعنيين لما لهم من تأثير طيّب وخصلات صالحة وتوجّه إلهي في خوض مسارات الحياة والصمود بها وتحقيق وابل من الانتصارات بدافع إلهي يستمدّون منه عناصر الثبات على الحق والقول الحسن.

    أما على الضّفّة العملية، فهي تدور في فلك النموذج الثالث. أرضية مبنية على الإخلاص لله تعالى لا تُغريها مغريات الدنيا الفانية ولا تنال من عزيمتها. تسعى ـ ولو بالقليل من الأدوات اللازمة ـ لنصرة الحق والدفاع عن المظلومين والثبات في صفّ المستضعفين غير آبهين لتهديدات هنا وضغوطات هناك، بل ويستمدّون منها رسوخاً على ضفاف القِيَم النَّيِّرة التي لا سبيل إلى التّخلّي عنها مُلحقين الهزائم بالأشرار ومُلبسين ثوب الذٌلّ والعار لِمَنْ غرّته الدنيا وباع حظه بالأرذل الأدنى.

    مثاله: لقاء يجمع سماحة الأمين على الأرواح والعيال والأوطان (حفظه الله وأدام ظلّه الشّريف) مع القائد العزيز الشريف السيد "عبد الملك بدر الدين الحوثي" (نصره الله وسدّد خطاه)... "صورةٌ... أحبُّ رؤيتها".

    [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ].
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media