الغَدْر والمغادرة
    الأثنين 24 يونيو / حزيران 2019 - 13:58
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    هل من علاقة بين الغَدْر والمغادرة؟ بمعنى هل يتضمن قولنا: غادر الرئيس البلاد متوجها إلى (....) أنه قد غدر بها؟
    الجواب: كلمة (المغادرة) فيها حروف (غ د ر) ففيها معنى الغدر. سواء كان الغدر متأتيا من هذا الطرف أم من ذاك.
    فلنبدأ من البداية وباختصار شديد:
    قال اللغويون: (غ. د. ر) يدلّ على ترك الشيء. ومن هنا ظهرت تعليلات دلالاته بما لا يُستطاع الاقتناع به، كقول أحدهم: (ليلة غَدِرَة: بيّنة الغَدَر، أي مظلمة، وقيل لها ذلك لأنها تُغادر الناسَ في بيوتهم فلا يخرجون لشدّة ظُلمتها. والغدير: مستنقع ماء المطر، وسُمّي بذلك لأن السيل غادره، أي تركه. والغدائر: عقائص الشعر، لأنها تُعقص وتُغّدَر، أي تُترك كذلك زمانا. والغَدَر: الموضع الظّلف الكثير الحجارة وسمّي بذلك لأنه لا يكاد يُسلك. فهو قد غُودر، أي تُرك).
    هذه التعليلات استوقفتني، فتساءلت: أتسمى الليلة غَدِرةٌ لأنها تغادر الناس في بيوتهم؟! وهل كانت تزورهم ثم (غادرتهم) فصارت غَدِرَةً؟ ثم كيف غادرتهم وهي محيطة بهم من جميع جوانبهم؟ فأي تعليل هذا؟ وكذلك سائر التعليلات التي ذكروها.
    فالأصل في المغادرة ليس الترك. بل هو النبذ مزدوجا مع الكراهة. وما كل ترك يدل على الكراهة، كما في الآية: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاخِرِينَ. سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ).
    فالمغادرة تدل على نبذ متوشج مع الكراهة. وهذه الكراهة نتيجة تفحص دقيق شامل ومن هذه النتيجة يظهر النبذ، فتتحقق المغادرة، لفظا ومعنى. ومن غير التفحص الدقيق الشامل لشيء ما، فليس من حقك أن تكره ذلك الشيء، ولا أن تنبذه، ولا أن تغادره.
    ولا أدري لماذا لم يستفيدوا مما ذكروه من أن (الغَدَر) بفتح الدال الأرض الظّلِفَة الصخرية القاسية، والأرض الرملية التي تكثر فيها المغاور والحفر العميقة فيتحتم على السائر أن يتفحصها بحذر قبل أن يخطو خطوة أخرى. مما يذكرنا بقول الشاعر:
    قدّر لرجلك قبل الخطو موضعها
    فمن علا زلقا عن غرّة زلقا
    فانت لن (تغادر) أي تنبذ تلك الأرض نبذ كراهية إلا إذا كانت مظنة الغدر بك، بصخورها أو مغاورها وكهوفها. وكثيرا ما وصف الناس الصحراء بأنها غادرة، والبحر بأنه غدّار.
    ولم يُذكر الفعل (غدر) في القرآن أبدا. ولكن وردت آيتان: الأولى: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا) والثانية: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا). وهما الآيتان 47 و49 من سورة الكهف بشأن الكافرين. فقرر المفسرون أن معنى الأولى: لا يترك، والثانية: لم نترك. ولكن لو كان المراد الترك فقط لجاء (لا يترك) في الأولى، و(لم نترك) في الثانية. فإذا لم يكن ذلك، فما معناهما هنا؟
    من الواضح أن المراد بهما نبذهم بكراهة بعد دقة استقصاء لهم ولأفعالهم. كما لو قال لك صاحبك: إنّ جاري لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أحوالي إلا تتبعها، فهو يعني أن جاره يتابَعَ أحواله بدقة واستقصاء وشدّة كراهية، تماما كما يفعل المرء حين يسير في الأرض ذات الحجارة الخشنة القاسية، أو الرملية التي تكثر فيها المهاوي والمغارات، فهو يسير عليها كارها لها حذرا منها، وفي الوقت نفسه، يحسب مواقع أقدامه بدقة وانتباه وحذر شديد حتى لا يؤذيه حجر ناتئ أو تفوته رؤية حفرة عميقة فيسقط فيها.
    ولقد كان الفصحاء يعرفون معنى المغادرة فلم يستعملوها فيما نستعملها اليوم. إذ كانوا يقولون، بدلها: توجه الخليفة إلى مكة، مثلا، لا غادر إليها.
    وقد تسأل: هل من الخطأ أن أقول: غادر الرئيس البلاد؟
    الجواب: قولك صحيح إن كان قد كرهها وقرر الرحيل عنها، وهي تحتاج إليه، فقد غدر بها. وإن كرهه أهلها وقرروا ترحيله عنها، عن غير حق، فهو لم يغادرها، بل هم غدّروه عنها، مثل هجّروه.
    وإن لم يكن شيء من ذلك، فقد جانبْتَ اللغة الأفصح، وأخذت بما هو شائع بين الناس.
    وكيفما يكن الأمر، فإنّ هذا الشائع لا يصح تنزيله على معاني الألفاظ القرآنية.








    3:56 PM 24-Jun-19
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media