أَخلاقٌ بِلا دينٍ!
    الجمعة 5 يوليو / تموز 2019 - 03:07
    زعيم الخيرالله
    الذي دعاني لاختيار عنوان هذا البحث ، ومناقشةِ هذا الموضوع ، هو كتابٌ وقعَ في يدي عُنوانُهُ,BEYOND RELIGION "Ethics for a Whole World" ، كتبه زعيم البوذيين في التبت " DALAI LAMA (*).
    والكتابُ كما يبدو من خلالِ عُنوانهِ "ماوراء الدين" ، اخلاق للعالم كله ، والمؤلفُ سعى لطرحِ اخلاقٍ لاتستمد اسسها من الدين ، ولاتتعارض مع مفاهيم الدين ومقولاته ،وهي صالحة لكل الناس على اختلاف مذاهبهم وافكارهم ودياناتهم ، وهي تستوعب حتى الملاحدة الذين لايؤمنونَ بدين، وتشمل اللاادريين والناس جميعاً.
    والمُؤلفُ اطلق على هذه الاخلاق العالمية " الاخلاق العلمانية" ، ووضح الكاتب مايعنيه بكلمة "علمانية" ، فهو لايعني بالعلمانية ، العلمانية التي نشأت في السياق التأريخي للغرب ، وفي ظل مُناخات الغرب المشحونة بالصراع مع الدين ورجاله . مفهوم العلمانية الغربي مشبع بحمولة الكراهية للدين ، ونبذ الدين .اما الاستخدام الهندي للكلمة فغير مُعَبَأ بهذه الحمولة . الاستخدامُ الهندي لكلمة علمانية ، لايحمل عداء وكراهيةً للدين ، بل يحترم كل التدينات التي يتدين بها البشر ، ولكنه لايستقي مفاهيمه منها .
    والسؤالُ الذي يَطرحُ نفسَهُ ، هل يمكننا ان نتصورَ اخلاقاً بلا دينٍ ؟ وهل يستطيع الملحدُ الذي لايؤمنُ بدينٍ ، ولابالهٍ ، ولابآخرةٍ ، ولابحسابٍ ، ان يُنشئ منظومةً اخلاقيةً ، وهل تستطيع المجتمعات المادية ان تقدِّمَ لنا وصفةً اخلاقيّةً شاملةً ، وهي تعاني من امراضها الاخلاقية . التقدم الماديُّ الذي وصلت اليه هذه المجتمعات ، ليس بالضرورة ، يصحبهُ تقدمٌ اخلاقيٌّ .
    هناك من يرى أنَّ الاخلاقَ لايمكن ان نتصورها من غير دين ، منهم الفيلسوف الالماني "فيخته" الذي يقول: ( انّ الاخلاقَ من غيرِ دينٍ عبثٌ) ، والمهاتما غاندي يرى ارتباط الاخلاق بالدين ارتباطاً وثيقاً ، وان الدين هو الذي يغذّي الاخلاق ، يقول غاندي:(الدينُ يُغّذّي الاخلاقَ وينميها ويُنعِشها كما أنَّ الماءّ يُغّذِّي الزرعَ وينميه ) ويقول القاضي البريطاني "ديننج" :( بدون الدين لايمكن ان تكونَ هناك اخلاقٌ وبدون اخلاق لايمكن ان يكون هناك قانون )(1) .
    وهذه الصلةُ القويةُ بينَ الدينِ والاخلاقِ تحدث عنها عالمُ الاجتماع ايميل دوركايم بقوله:(انّ الاخلاقَ والدينَ قد ارتبطا ارتباطاً وثيقاً منذُ أَمَدٍ بعيدٍ ، وظَلاّ طوالَ قرونٍ عديدةٍ مُتشابكينِ ، فلم تصبح العلاقاتُ التي تربطهما علاقاتٍ خارجيّةٍ أوظاهرة ، ولم يعُد من السهلِ فصلُهُما بعمليّةٍ يسيرةٍ كما نتصور).(2)
    النظريات المتضاربة دليل العجز الانساني
    ---------------------------------------
    النظريات الاخلاقيةُ المتضاربةُ في مُقارباتِ البشر ، دَليلٌ على عجزِ البشر على تقديم منظومةٍ اخلاقيةٍ متكاملةٍ تُنقذُ الانسانَ من انهيارهِ الأخلاقيِّ ، فمذهبُ اللّذة عندَ ابيقور ، الذي يعتبرُ اللّذةَ هي الخير الاعظم ، والغايةُ القُصوى يزري بانسانية الانسان ؛ اذ يجعله حيواناً باحِثاً عن اللّذةِ والمُتعةِ الحسيّة . هل هذه نظريةٌ اخلاقيّةٌ ترتقي بالانسان ام تهبط بهِ الى الحضيض والدرك الاسفل. وسقراط اعتبر الفضيلةَ هي الخيرُ الاسمى ، وخالفه ارسطو الذي اعتبر الفضيلة وسيلة لاغايةً ، هي وسيلة للوصول الى الخير الاسمى الذي هو السعادة عند ارسطو .
    ولم يأتِ فلاسفةُ الاخلاق الاوربيين بجديد ، لم يضيفوا شيئاً لم يقلهُ فلاسفةُ الاغريق ، انما قدموا افكار اليونانييّن عن الاخلاق باساليبَ جديدة ، وبصيغٍ حديثةٍ .
    الاخلاق عند ديكارت هي تكرارٌ لما قاله الرواقيون ، ومذهب سبينوزا هو مذهب الرواقيين ، واخلاق كانظ هي اخلاق الرواقيين باساليب جديدة ، وصيغ جديدة ، ومذهب بنثام وجون ستوارت مل في المنفعة ، هو صياغة جديدة لمذهب الابيقوريين .(3)
    نعم ، اضاف كانط شيئاً جديداً ، الفيلسوف كانط طرح فكرة عظيمة ، وهي فكرة الواجب ، وفكرة الالزام ، وطرح فكرة الارادة الانسانيّة ، وان الانسان كائن اخلاقي مسؤول عن تصرفاته وافعاله . ركّزَكانط في فلسفته الاخلاقيّة على الدوافع بينما كانت الفلسفات الاخرى كمذهب اللذة والمنفعة ، والمذهب البراغماتي في الاخلاق ، اولت اهتمامها للنتائج .
    الفلسفة الاخلاقية النفعية ، وفلسفة الاخلاق البراغماتية انتجت لنا الرأَسماليّة بوحشيتها ولاانسانيتها .... فهل هذه فلسفات اخلاقية ارتفعت باقدار البشر ، واعلت فيهم معانيهم السامية ، ام انها حولت البشر الذي كرمه الله الى مخلوقٍ يبحث عن اللذة والشهوة والمنفعة ، ويسحق الشعوب ، ويدوس على كل القيم من اجل تحقيقها.
    الاخلاق والقيمُ الداخليّة
    ---------------------
    فكرةُ الاخلاقِ تنبع من القيم الداخليّة ، والقيم الداخليّة كاستعدادات فطرية مزروعةِ في اعماق النفس الانسانيّة ، هي التي اشار اليها القران الكريم بقوله تعالى :
    (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10). (الشمس: الايات: 7و8و9و10) . ، فالنفس الانسانيّة لديها استعدادات الفجور والتقوى ، ودور الارادة الانسانيّة هو ابراز هذه الاستعدادات . بدون هذه الاستعدادات ، لايمكن ان نؤسس لمنظومةٍ اخلاقيّةٍ .
    الدالاي لاما في كتابه ، طرح فكرة "القيم الداخليّة " ، ولكنه يرى انه بامكاننا زراعة هذه القيم واستنباتها ، وانا لااوافقه الراي. انا اقول هذه الاستعدادات فطرية ، لايمكن ان نقيم منظومةً اخلاقيّةً بدونها ؛ فهي حجر الزاوية في اقامة صرحٍ اخلاقيٍّ.
    الانسان في اعماقه ، يدرك الخير من الشر ، ويميز بينهما ، ويستطيع ان يفرز الخطأ عن الصواب . وهذا ماعبّرّ عنه "بطلر" بالضمير حيث يقول: ( انَ اوامرَ الضميرهي صوتُ اللهِ ، وانها تمثّل قوانينّ العدالةِ الالهيّة ) فاعتبر الضمير اساس الاخلاق . وهذا يقترب من فكرة الواجب عند كانط ، اذ يرى كانط : " ضرورة القيام بفعلٍ عن احترامٍ للقانون" ، ويقصد كانط بالقانون القانون الاخلاقي . (4)
    وهذا الالزام الاخلاقي المرتبط بارادة الانسان الواعية يتحدثُ عنه كاريل فيقول:(يجب على الانسان أن يفرضَ على نفسهِ قاعدةً داخليّةً حتى يستطيعَ أن يحتفظَ بتوازنهِ العقليّ والعضويَ . انّ اي دولةٍ قادرةٍ على فرضِ القانونِ على الشعبِ بالقوةِ، ولكن لاتستطيع ان تفرضَ عليه الاخلاق). (5)، وبنفس الاتجاه يتحدث عن هذه الفكرة (فكرة الالزام الاخلاقي) ، عالم الاجتماع اميل دوركايم : ( ان النظامَ الاخلاقيَّ يوجهنا نحوَ السيطرةِ على النفسِ بالذات ، ويعلمنا كيفَ نسلُك على غيرِ ماتريدهُ دوافعُنا الباطِنَةُ ، فلا يترك نشاطنا ينساب في مجراه الطبيعيّ ، ولكن يعلمنا كيفَ نُقَدِّمُ السلوكَ بمجهودٍ ؛ ولذا فانَّ كلَّ فعلٍ اخلاقيّ يتضمنُ مقاومةً يبديها لميلٍ معينٍ ، وكبتاً لشهوةٍ ما ، وتقييداً لنزوعٍ خاص) . (6)
    الاشكاليّةُ الاخلاقيّةُ في فلسفةِ افلاطون وارسطو
    ---------------------------------------------
    النظرة الاستعلائية عند الفيلسوفينِ الكبيرينِ افلاطون وارسطو ، تمثل اشكاليةً في فلسفتهما الاخلاقية ، فهما ينظران الى اليوناني نظرة استعلائية تجعله فوق الاخرين ، وهذا ماتحدث عنه الفيلسوف برتراند رسل بقوله :(لقد اخطأ اليونان خطأً فاحشاً حينَ احسوا شعورَ السيادةِ على الشعوبِ البربريّةِ ، ولاشكَّ ان ارسطو قد عبّرَ عن فكرتهم العامة في ذلك حين قال:"ان اجناس الشمال مليئةٌ بشعلةِ الحياةِ ، واجناس الجنوبِ متحضرة ، واليونان وحدهم هم الذين يجمعون الطرفين . فشعلةُ الحياةِ تملؤهم ، وهم في الوقتِ نفسهِ متحضرون . وافلاطون وارسطو كلاهما قد ذهب الى انه من الخطأ ان يتخذَ من اليونانِ عبيدُ لكنّ ذلكَ عندهما جائز بالنسبةِ للشعوبِ البربريّة).(7)
    الاخلاقُ الوضعيّةُ
    ----------------
    المدرسةُ الوضعيّةُ التي اسسها " اوغست كونت" ، حاولت ان تقيم كل شيءٍ على اساس التجربة ، حتى العلوم الانسانيّة كعلم الاجتماع وعلم النفس ، بل حتى الاخلاق ، اقامتها على اساس علميٍّ تجريبيّ .
    والاخلاقُ الوضعيّةُ عند كونت تقوم على الاسس التاليّة :
    1- تقوم على اساس العلم الوضعيّ
    2- نسبيّةُ الاخلاق ، وتسنمد الاخلاقُ نسبيتها من نسبية المعرفة ، وليس لها طابع مطلق كما يرى كانط .
    3- تتحدد المشكلة عند كونت في تغلب غرائز المودة على دوافع الاثرة والانانيّة ، اي بتغليب النزعة الاجتماعية على نزعات الفرد.
    4- تغليب العاطفة الاجتماعيّة .
    هذه هي الفلسفة الاخلاقية التي اقامها كونت على اساس تجريبي وضعي ، وغلّبَ فيها الجوانب الاجتماعية التي تشكل اسس الاخلاق عند كونت وفلسفته الوضعية ، وهذه النظرة موجودة عند دوركايم ، فالضمير الذي اعتبره "بطلر" صوت الله في الانسان ، واعتبره اساس الاخلاق ، جاء دوركايم ليقولَ لنا : ( ان الضمير يعكس بيئة الجماعة ، وتلتقي فيه تعاليمها ، فالانسانُ ابنُ عصرهِ ، ووليد بيئتهِ). (8)
    وقد وجه الدكتور محمود قاسم سهام نقده لاوغست كونت وفلسفته الوضعية للاخلاق ، بقوله : ( لقد ظنت المدرسةُ الفرنسيّةُ ان المجتمعَ هو الذي يفرضُ القيمَ الاخلاقيّةَ فرضاً، ورأى ابن باديس ، ومثله جمال الدين الافغاني ، ان الاخلاق هي التي تنبع من اعمال الضمير المتدين ، لامن قهر المجتمع ؛ لان صوتَ الضمير اقوى من مئات القوانين ).(9)
    الاخلاق واحدة والاداب متغيرة
    ------------------------------
    اذا كانت جذور الاخلاق ، موجودة في اعماق النفس الانسانية ، فهي من الثوابت ، والاخلاق واحدة ، اما التخلقات فهي المتغيرة . الاداب هي المتغيرة ، والتي تختلف من ثقافة الى اخرى ، ومن مجتمعٍ الى اخر . فكما ان الانسان لايصنعُ ديناً بل يصنع تدينات وديانات ؛ لان الديانة تأتي صرفياً على وزن فِعالَة ، وهذا الوزن يتعلق بالحرف والصناعات ، مثل عمارة وسقاية ونجارة ، وكذلك ديانة فالديانة صنعة الانسان ، والدين صبغة الله ، وكذلك الامر مع الاخلاق . 
    ماقدمه الانسانُ من فكرٍ اخلاقيّ هو تخلقات لااخلاق .
    نعم ، ادعو الى اخلاقٍ عالميةٍ تسع الجميع على اختلاف دياناتهم ، ومدارسهم الفلسفية ، تسع الناس على اختلاف دياناتهم وافكارهم، واطلقُ عليها " الاخلاق الحضاريّة " التي تستمد اسسها مما تركه الانبياء حملة رسالات الله ، التي تتناغم مع الاسس والقيم الداخلية الموجودة في اعماق النفس الانسانيّة والتي يسلم بها جميع البشر على اختلاف اديانهم ومذاهبهم الفكرية ؛ لان هذه "الاخلاق الحضارية" تعبر عن مشتركات انسانية يقبلها الجميع.
    المصادر
    --------
    (*):BEYOND RELIGION,Ethics for a whole world.
    1-القرضاوي، يوسف، الايمان والحياة ، ص 211 .
    2-دوركايم، اميل، التربية الاخلاقية، ص 11.
    3- كرم، يوسف، الفلسفة اليونانيّة، ص 233 ..
    4- كانط، عمانوئيل ، تاسيس ميتافيزيقا الاخلاق ، ص 33.
    5- اتجاهات الفلسفة المعاصرة ، ص 94.
    6- دوركايم، اميل، التربية الاخلاقيّة، ص 47.
    7- رسل، برتراند، تأريخ الفلسفة الغربيّة، ج1 ، ص 251.
    8- الطويل، توفيق، الفلسفة الخلقيّة ، ص 270.
    9- قاسم ، محمود ، الامام عبدالحميد بن باديس ، ص 51 .
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media