في رأسنا سيزيف!!
    السبت 6 يوليو / تموز 2019 - 10:15
    د. صادق السامرائي
    سيزيف في الأساطير اليونانية هو الذي حكمت عليه الآله بأن يعيش في محنة دحرجة الصخرة من أسفل التل أو الجبل إلى قمته , ومن ثم تنفلت من يديه وتسقط ويعيد الدحرجة , والبعض يرى أنها ترمز للشمس المرهونة بالشروق والغروب.

    لكن الأساطير في جوهرها تمثل ما يعتمل في الأعماق البشرية , وكأنها مرايا النفوس , وسيزيف يمثل التكرارية الفاعلة في دنيا البشر , والتي يكون محكوما بها ودائرا في مداراتها المُفْرَغة.

    يحضرني سيزيف كلما قرأت مقالة أو قصيدة مكتوبة قبل عقود أو قرون , ومرفوقة بتعليق رحم الله فلان كأنه يصف حالنا اليوم!!

    فلو قرأتم شعر الجواهري لتبين لكم أن ما تناوله في بداية القرن العشرين قد تناولناه في بدايات القرن الحادي العشرين , ويمكن إستحضار العديد من الأبيات الشعرية من دواوينة التي تنطبق تماما على واقعنا المعاصر , وأوضحها قصيدة "  طرطرا " وغيرها  من قصائده.

    وعندما نتوغل بعيدا في التأريخ ونعتمد على الشعر لأنه ديوان العرب , سنتمكن من إستحضار قصائد قيلت قبل قرون وتنطبق على واقعنا المعاش , وموضوعاتها لا تختلف عن الموضوعات المتداولة في قصائد اليوم.

    وهذا ينطبق على الكثير من الكتابات والدراسات والمقالات , وهو خاص بأمة العرب , ويقل مثيله في أمم الدنيا الأخرى , ويشير إلى التأسن والركود وعدم القدرة على التواكب والجريان في نهر الوجود العارم التيار , وفيه نوع من الإنحسارية والعزلة عن الواقع الإنساني , والإمعان في الإندساس بالغوابر الباليات , كما يشير إلى الإجترارية والإنصفاد بالعبثية والعدم , وهيمنة الفراغية على الوعي الجمعي.

    فكيف يكون وصف حال قبل قرون ينطبق على حال معاصر؟
    هل أن الأجيال كالأموات؟
    هل أنها تعيش خارج زمانها ومكانها؟

    هذه ظاهرة سلوكية عربية بحاجة إلى دراسة عميقة وتحليل موضوعي يحدد أسبابها ومعالجاتها , لأنها تمخر وعي الأمة وتزيدها يأسا على يأس , وبؤسا على بؤس , وتُراكم إنكساراتها ونكساتها , وتعلي قيمة الإنهزامية والتبعية والخنوع المشين , وتستدعي كل تطرف شنين.

    كما أنها تؤكد هيمنة العوق الحضاري وفقدان قدرات المواجهة وإبتكار الحلول والأجوبة الصحيحة على التحديات , وغياب المنطلقات والرؤى المستقبلية التفاؤلية المساهمة في صناعة الهمة وإعلاء شأن الحياة وقيمة الإنسان فيها.

    فهل سننتصر على سيزيف القابع في رؤوسنا والآسر لوجودنا؟!!

    إنها محنة أمة تعيش في دوامات تكرار وجيعها!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media