بين القبور*
    الأثنين 8 يوليو / تموز 2019 - 04:47
    علي محمد الشبيبي
    [[article_title_text]]
    المربي الراحل علي محمد الشبيبي
    وكنت تركت هذا النوع من العزلة، فمالي اليوم أعود إليها؟ أوجدت بها اليوم سمراً ممتعاً، وأنساً مفرحاً؟ أم لعلي أظن أن الأحجار المرصوفة فوق الرمال تكلمني، وتفشي إليّ أسرار الموتى عن قلوبها التي استحالت تراباً فامتزجت بالتراب! أم لعلي وجدت نفسي طريدة أحوال لا أرتضيها، وشريدة أوضاع لا أهواها، وأليف سرّ لا آمن عليه لساني، ولم يتسع له صدري، ولم يتحمل كتمانه قلبي، فأحببت أن انفحه زفرات على الصخور الصامتة، فوق الأجساد الهامدة والرميم؟

    لعلي مجنون يجد في الوحدة لذة، ويرى انه العاقل وحده؟ لأن من يصفق للمجنون، ويستغرب الجنون أكثر جنوناً من كل مجنون!

    ويح نفسي التي تقودني فأسير طوع قيادها، وويل قلبي المعذب بهواها. وتباً لعقلي الذي لا يأمر ولا ينهى!

    إن كنت أتطلب العظة عن غرور المرء بنفسه، وإعجابه بعقله، فالعظة فيما يعمل الأحياء، وما يرون من العواقب أكثر وأجلى. فما لي إذن أهجر المدينة والبرد قارس، والليل كاد أن يغدق، والجو مازال أكلف. وفي المدينة كثير من القبور، فلِمَ لم يكن لها عندي حظ من الزيارة؟ هل استحقت الهجر مني والبعاد، لأنها شأن أحياء الأجساد من النبلاء أرضها مفروشة بالطنافس الرائقة الثمينة، وجدرانها مزيّنة بالنقوش، ومنارة بالكهرباء. وكثير من الناس يبيتون مفترشين  الأرض، ملتحفين السماء، لا يستضيؤن بغير القمر والنجوم!

    إذا كنت قد هجرتها لهذا، فقبور –الوادي- لم تكن مراقد للبؤساء وحدهم! تلك قبور البؤساء منطمس أثرها. وتلك هي قبور السعداء، بنايات فخمة، وزخارف نادرة رائعة. وحدائق فيها الزهور تمتص عناصر الأجساد وقذاراتها، فتنشرها أريجاً عطراً، وأنفاساً طيبة، بينها وبين ما كانت تحويه تلك القلوب من نوايا السوء، وروائح الخبث بون بعيد!

    ما أغرب أطوارك يا نفسي، وأكثر هواجسك. تؤمنين وتلحدين، تعلمين وتجهلين، تطمعين وتزهدين، تلحين في جمع المال، وتتعبين في السعي والكدح، وكم حملت حقداً وأوريت زندا، وحفرت بئرا، وأردت بامرئ غدراً، كأنما نسيت أن الموت أقرب إليك من ريق الفم في الحلقوم؟

    فهيا الآن أنظري وفكري، واسعدي في صفاء الحال، وخلّو البال، من تفكير مضن، وإحساس مؤلم، فان فاتتكِ السعادة في الصفاء والاطمئنان عبثاً تجدينها في الذهب والفضة، والضيع والقصور وأنتِ ترين أن الذين تملكوا ذلك في الحياة لم يكفوا عن الاحتكار حتى في بنايات القبور!

    وما تنفع قباب فوق  الرموس، والجسد الناعم صار طعماً للدود! وما تجدي الفرش على سطح قبر ضم جسدك، ومتوسداً تراباً، ساكناً لا يحس بالخشونة، ولا يتلذذ بالوثير، وما تنير المصابيح واللحد مظلم!

    أرأيتِ في المدينة قبور النبلاء والمثرين؟ وأناس قُدسوا لما حملوا من هداية الضالين والتائهين؟

    اُولاءِ اختلفوا في الحظوظ أحياءَ وأمواتا! كان البعض في حياته لا يطلب من الناس إلا الأخذ بإرشاده، والسير على منهاجه، فلم يسمع الناس صوته، ولم يفقهوا قوله، ومات كما عاش مهملاً منسياً!

    وآخر اهمل في حياته، وذاق مرارة العيش صنوفاً وألواناً. وقُدَّس عند مماته!. فحمل نعشه على الأكتاف، وكُبّر لعظمته وهُلِل، ثم سقي ضريحه بوابل من الدموع والرحمات، وألوان من التقديس لم يرضها، ولم يعدل بها عظة منه في الحياة لو استناروا بها، وساروا على ضوئها!

    وآخرون نالوا المنزلة العظمى من التكريم والتعظيم بدون جهد لعلم أو تعب في جد. إلا ما أكسبهم الآباء من حبوة الشرف، وسمة الورع، وشيعوا إلى قبورهم بعد آبائهم بتلك التجلة، وذلك التبجيل!

    وآخرون ساعدهم الحظ  في الحياة والممات، مع علم وافر، وفضل واضح، ما أسعدهم لو نالوا الحظوة في الأخرى، لم يطالبوا بظلامة واغتصاب، ولم يحاسبوا على غش وتدليس، ولم يعاقبوا على جريمة!

    وها أمامك قبور في الفلاة، بني بعضها على شكل هندسي رائع، وزخرف بالفسيفساء، وخلا من كل ساكن، كأنما غفل بانيه أن من بني عليه هذا البناء، إن ظهر قبره على القبور رفعة، فقد تلاشى جسمه كسائر الأجسام. وأمحى أثره كباقي الآثار.

    واُخر. أكوام من التراب، أخذت من الأرض على الأرض. فوارت جسما صار تراباً كالأرض، وهو لم يغر ممن شيد عليه البناء الجميل، ولم يتأثر من واطئ رمسه؟

    أنظري نفسي هذه القبور، ولا يكن قياسك أن من نبتت عليه الزهور اريحي جميل. أنظري وتذكري: كم عين ودَّت أن تكون للدود مأكلاً، وقلب رضي أن يكون لها مطعماً، على أن لا تدمع العين من فراق، ولا يتحطم القلب من عذاب، فصار الآن إلى ما أراد! وذي العاقبة أهون عليهم من حياتهم الاولى!

    أنظري واتعظي، وما معنى العظة أن تزهدي وتتقشفي، لا بل اغتنمي الفرصة في لذاتك وأفراحك، ولا تدعي للسأم سبيلا، ولا للضجر واليأس مجالا. ولتكن عظاتك نبذ الغرور، وطرد الحسد، وسحق الأنانية والكبرياء، ومحو الفروق والأباطيل، وأعملي الجميل للجميل، ولا تتخذيه منة وفخراً. تعلنين به للشهرة، وتشهرين به للتعاظم.

    هذه الجماجم بين يديك. فأقرئي ما كان مخبوءاً في داخلها من أفكار، حال الموت دون تنفيذها. وذي الأكف أنظريها، صِفراً لا تملك حتى لَّمَّ أطراف الكفن، لا بل دفع دودة واحدة، أو حَك موضع من جسد!

    لا تزهدي إن كنت في بلية من العيش، فذا الزهد ضرب من البخل، ولا تسرفي إن لم تملكي شيئاً! وثقي أن (ثورة الدنيا رغيف ورداء)[1]

    المربي الراحل
    علي محمد الشبيبي
    1913 -1997



    *- نشرت في مجلة الاعتدال النجفية عدد 7 صفحة 454 عام 1938

    1- بيت من قصيدة (ماذا تقول الساقية ...) لجبران خليل جبران، والراحل لا يخفي إعجابه في شبابه بجبران خليل جبران/ الناشر محمد علي الشبيبي.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media