سقط القناع
    السبت 10 أغسطس / آب 2019 - 02:29
    راغب الركابي
    في المذكرات التي كتبها لينين عن الثورة وعن الدولة ،  قادني نظري لبعض سطور كتبها  أو كُتبت عنه  ،  في وعن  أسباب سقوط  الدول والحكومات  قال : - حين يتغلب  في المجتمع مجموعة التجار من أهل  المخدرات والدعارة والفساد  ، وحين يتحكم بالناس جوقة من المرتشين والمرابين ، فحتمية سقوط الدولة  والمجتمع  قائما بالفعل   ..-  ،  نكتفي بهذا القدر من كلام ذلك  المناضل التاريخي  الفذ   ، لنسلط الضوء على ما حدث قبل أيام حين أعلن الحشد الشعبي عن إسقاط أحد أوكار التآمر والفساد  على الدولة والمجتمع  .
      كانت تلك  العملية  من الحشد  ما يرفع  لها القبعة والعقال والعمامة   ،  ولهذا باركناها  وأيدناها وأيدنا  الجهد وعنصر المفاجأة  فيها  ، خاصةً وإنها جاءت بعد فضيحة هروب المساجين من سجن القناة  في بغداد   ، وفي كلا الحالين مؤشر على أن التآمر على الدولة والمجتمع يأخذ أبعاداً خطيرة ويدخل في متاهات ، لا سامح الله  إن قر لها قرار  فقد تؤدي إلى إنهيار البلد بأكمله  .
    وكما قلنا  :   إن الخطوة كانت بالنسبة مباركة  ومؤيدة  وفي ذلك  دافعا  لنا  للإيمان  بأن  خطوات  في الطريق  تتبعها إنشاء الله ،   في تدعيم الأمن والحفاظ على ما تبقى من أسس الدولة والمجتمع  ، وأملنا كبير كما هو رجائنا بأن يكون للمخلصين من بني الحشد دورا رئيسيا في إمساك الجانب الأمني والمخابراتي  للمرحلة المقبلة  ، فثمة رهان على تقطيع أواصر الدولة والمجتمع حسب ولاآءات وإنتماءات  ،  وقد خاب سعيهم في الأولى مع داعش وأخواتها وظني الغالب أن يخيب سعيهم هذه المرة كذلك ،  ولكن كما كانت عملية إسقاط المفسدين مهمة وصالحة وباعثة على الفخر   ،  هناك ثمة أسئلة من هذا الطيف الشعبي الكبير قائلين :  وهل  ستتم محاكمة هؤلاء المجرمين وإنزال عليهم ما يستحقون من عقاب  ؟  ، وهل سيتم ملاحقة مجرمين أخرين من نفس الفئة أو من نوعية أخرى ؟ ،  وهل يمكننا مشاهدة جر مفسدين وغير صالحين للمحاكمة بسبب ما فعلوه وأقترفوه  ؟  ،  أعني هل هناك إرادة الشجعان في تبني خيار تنظيف الدولة وتطهيرها  ؟  ،  أم إن الأمر مجرد تبادل أدوار وحسابات وتنافس بين شركاء أختلفوا على النسب والربحية ؟  .
      ومن وحي محبتنا لعراقنا وشعبنا نرجوا أن يتوالى  إدارة الصراع شرفاء غير  مدنسين ولا متخذين أخدان  ،  شرفاء من أبناء الوطن الكادح المجاهد البسيط   ،  وفي  هذه المناسبة سوف أتذكر حكمة الإمام الخميني حين تسلم زمام الأمور  ، فكان أول ما قام به تنظيف الدولة من أدوات العبث الداخلي من تجار مخدرات ودعارة مقنعة وغير مقنعة وإشاعة روح التمرد على الجهل والفساد  ، جاعلا منها ثقافة وعلم وفن هذا لمن يعي إنه يريد السيطرة والدوام والإستمرار ، وليس لمن يفكر بالسرقة والنهب والتآمر ،  ممن يلبسون ثوب الطهر وهم أفسد خلق الله ،  وهم كثير في بلادي مع الأسف الشديد  .
    العملية الأمنية ضد تجار الفساد أحيت في نفسي روح الحياة وشعرت حينها ، إن الفساد بكل ما يمتلك هناك في الطرف المقابل رجال يريدون الحياة لشعبهم حياة حرة كريمة ،  لهذا أيدنا من غير تردد هذه العملية ورجائنا أن تتلاحق لتصفية كل ما من شأنه تدمير الوطن والمجتمع  ، فهذه الآفات أخطر بكثير من الإرهاب والحرب وكل أنواع المعانات ، هذه تتشارك بها كل الموبقات في العالم من أجل تحطيم الروح والمعنويات والأمل بالمستقبل  .
    إن معظم أطياف الشعب أظنها معي في هذا التوجه وهذه الرغبة إذ لا أحد يريد للعراق الهوان والضعة والفشل وتلاحق المحن ، لا أحد من شرفاء الوطن وهم كثير يريد للعراق الإندثار والمحو والتيه في ظل عالم تتحارب فيه الحيل ووسائل الشر المختلفة  .
    لقد سقط القناع عن الكثيرين ممن هم مرتبطين عن قرب وعن بعد مع هذه الشبكات المجرمة ، سقط القناع عن مسؤولين وعن متصدين من غير وجه حق ، سقط القناع عن المتاجرين بالقيم والشرف والدين والوطنية ، سقط القناع عن فئة المسبحين والناكثين والمارقين  ، سقط القناع عن جوقة المزيفين والمرابين وأهل السوابق  ،  ممن دفتعهم  نكبة العراقيين للتقدم في الصفوف الأولى  ، سقط القناع عن أسماء وصفات وألوان ومسميات ودور ومساجد وحسينيات ومآذن  ،  وأنكشفت كل العورات من تلك التي قبحت  وجه التاريخ  إلى يومنا هذا  ..

    راغب الركابي
     

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media