ماهية وتكوين العلمانية.. الكهنوت الديني والعلمانية -3-
    الخميس 29 أغسطس / آب 2019 - 19:05
    د. صلاح نيّوف
    أستاذ جامعي
    المفاهيم أو المفردات الدينية تميز مفردة " علماني " laïc ـ الصفة ـ، و التي لا تمتلك أية خاصة نوعية في التقديم الرسمي للدين إو داخل المفاهيم الدينية، و مفردة " رجل الدين" clerc، التي لديها موقع آثر في "الدور المشرف و القائد" في عملية إدارة المعتقد. ذاك التمييز يأخذ ،في البداية، معناه في قلب مجتمع أو طائفة من المؤمنين، مشاركا في تحديد الاختلاف بين الاختيار الديني البسيط و وظائف الكهنوت أو الإكليروس الرسمية الممارسة و"المحترفة"، مقارنة مع الأولى. إذا توسعنا في المفهوم، فإن مصطلح أو صفة "علماني " تتعلق أيضا بالشخص الذي لا يقتسم " معتقدا أو إيمانا " معينا إلا الذي يعتقد به، ولكن ليس لديه أية سلطة من أي نوع تجعله يقرر قواعد الإيمان. مؤمن أو غير مؤمن، فالعلماني يعني بكل بساطة الإنسان، بالمضمون الشامل، الذي يفكر باستقلالية عن كل أنواع الطاعة و الخضوع الخاص.

    لا بد من الملاحظة هنا أن، المصطلح من أصل ديني ترك مكانا لمصطلح مختلف قليلا، حيث عندما تحدثنا عن " علماني" من أجل الإشارة إلى: إما حركة رأي مصمِّمٍ لفصل الفضاء العام عن الوصاية الكهنوتية لرجال الدين، و إما شخص يعمل على تحقيق هذا الانعتاق، و إما أيضا مؤسسات معرَّفة من خلال استقلالها الحاصل بالنسبة لتلك الوصاية : حيث نتحدث عن دولة علمانية، وعن مدرسة علمانية..

    إن الإكليروس يتصف ليس فقط بممارسة الوظائف الدينية في داخل مجتمع أو طائفة من المؤمنين، ولكن أيضا يتصف بالطموح للسلطة الزمنية " الدنيوية" على كافة المجتمع. هل سنقول أن هذا ينتج بشكل طبيعي عن كل دعوة أو تبشير ملازم لكل دين ؟ ربما الجواب بهذه الطريقة سيكون سريعا جدا. إنه سيكون أكثر إنصافا ودقة تمييز نموذجين أو طريقتين في توسع أو امتداد العقيدة أو الإيمان : الأول من خلال الشهادة أو الدليل الأخلاقي و الروحي، الثاني من خلال سلطان و نفوذ الزمني الدنيوي. والفكرة أن الدين هو "اقتناع شخصي للضمير" تعيد للظهور شرعية النموذج الأول، ولا شرعية النموذج الثاني. أما علاقات السلطة الروحية و السلطة الزمنية تضع الدين موضع الشك والارتياب ومعه أيضا الكهنوت أو رجال الدين. بالتأكيد سيحصل خطأ في الفهم إذا لم نقيم بشكل واضح نوعين من التمييز الجوهري، من جهة بين الدين و الروحية، من جهة أخرى بين الدين و الإكليروس.

    فالحياة الروحية لا يمكن اختصارها بالدين، حتى ولو كان يشكل رمزا كبيرا. لأن الروح تعيش في ممارسة متعددة الأشكال للحياة الاجتماعية، في الثقافة الإنسانية بكل غناها. الفن،العلم،الفلسفة،جميعها تشكل على سبيل المثال أشكالا للحياة الروحية على نفس المستوى كما الدين، ولكن بطرائق مختلفة. الروح تبقى في العقيدة و الإيمان من غير شك، ولكن أيضا هي تعيش في التفكير العقلاني، كما الحال مع إبداعات الفنانين مثلا، وأكثر، في مختلف الإبداعات الثقافية.إذا الدين لا يمكن إذا أن يحتكر الحياة الروحية. 

    فيما يتعلق بمفهوم السلطة الروحية، لقد تم تمييزها بشكل تقليدي عن السلطة الزمنية أو الدنيوية، أي توجد داخل العصر، و من أجل الإحساس بطريقة وجودها الخاصة : فهي سلطة معنوية أخلاقية، لا تُطوِّر تأثيرها إلا ضمن احترام حرية المعتقد و الذي هي في الأساس تتوجه له. يبقى التمييز المتعلق بالدور المحتمل للدين في الحياة الاجتماعية، أو داخل فعّالية روحية لا يمكن اختصارها بهذا الدين وهذا أمر قاطع ونهائي. Auguste Comte أشار إلى هذا الاختلاف فيما يخص الكاثوليكية : "الدين طالما بقي مسألة روحية أو أخلاقية معنوية، لديه وفق مؤسسي الفلسفة الوضعية فائدة و مزايا، كما هو حال الأشكال الأخرى من الحياة الروحية، الفكر العقلاني أو المعرفة العلمية،على سبيل المثال : السلطة الروحية تلعب الدور عن بعد فيما يتعلق بالمصالح الفورية التي يمكن أن تفصل أو تعارض الناس، و تحرر المعالم الأخلاقية، بل وحتى السياسية، من كل إكراه إيديولوجي. المشكلة أن هذا الشكل من الروحانية الحرة و البعيدة عن الطموحات السياسية و السيطرة كانت في مراحل قصيرة من تاريخ الإنسانية».

    في الواقع،التمييز الجوهري بين الدين و الإكليروس هو ضروري جدا. الدين، كاعتقادٍ موحدٍ بحرية للمؤمنين، لا يستطيع ولا يجب أن يكون مختلطا مع الإكليروس، هذا الأخير الذي لديه مطامع دنيوية بالسيطرة والهيمنة ويتجسد بشكل واضح في أهواء ورغبات القوة العامة. أيضا الإكليروس يذهب أبعد من ذلك، أي من سلطته الشرعية ككهنوت له حدود ضمن مجتمع أو طائفة، ويدعي القدرة على تقديم وصياغة القوانين للآخرين.إن أي دين ،حتى من غير بنية كهنوتية داخلية، يمكن أيضا أن يمارس نفوذا تقريبا يشابه ممارسة الإكليروس، و ذلك عندنا يبدأ بتطوير وصاية على الفضاء العام. أيضا " جماعات الضغط " التي تحاول علمنة الرؤية الدينية للمجتمع المدني تكون بذلك أصبحت قريبة من الإكليروس الديني ولكن بصفة الإكليروس العلماني. وينطبق هذا على رجال الدين الذين يتحدثون للطائفة أو المجتمع ويعتبرون أنفسهم كدليل أو مرشد لا يمكن تفاديه أو الاستغناء عنه في الحياة وهذا ما نلاحظه في المجتمعات الإسلامية. لكن لابد من القول هنا أن الفضاء العام لا يمكن اختصاره فقط لسلطة الدولة، ولكنه يتضمن حقوقا وقوانين أخرى تنظم العلاقات بين البشر. 

    المثل الأعلى العلماني إذا لا يدخل في أي حال من الأحوال في تناقض مع الأديان كما هي،و لكن مع إرادة النفوذ و السلطان التي تصف العديد من تحركاتها، التي تريد أن تتحول لقوة سياسية أو اجتماعية. ولا يقصد هنا أن نضع في المساءلة السلطة الروحية أو الدنيوية لرجل الدين داخل طائفته أو " تجمعه" الديني الخاص التي يمارس ضمنها هذه السلطة، حيث يحترم الحدود في هذه الحالة. لكن تلك السلطة تصبح غير شرعية عندما تبدأ بإعطاء نفسها أو تعطى نفوذا على العديد من المبادئ تتعلق بالمجتمع الإنساني بكليته. إذا كان لطائفة معينة صفة الأغلبية العددية في المجتمع، فهذا لا يعطيها إي حق سياسي أو امتياز دنيوي زمني، على حرية المعتقد بالنسبة للأقلية ( كما هو حاصل في الدول ذات الأغلبية الشيعية أو السنية) في بعض الدول العربية، والمساواة بين الجميع يجب أن تكون محترمة.

    يوجد، بالنظر إلى ذلك، نظامين من السلطة يمكن تمييزهما، وهما يرتكزان على قواعد و أسس مختلفة. يمكن تمييزهما : لأنهما يلعبان أو يقومان بوظائف لا يمكن الخلط بينها.حيث أولا، علينا تعريف مبادئ و قواعد الحياة المشتركة للناس الذين هم أسياد لحياتهم و فضائهم الخاص، وثانيا، هو ممارسة "الأستاذية" في عملية التفسير لمعتقد ما، أو مذاهب مرتبطة به. فيما يتعلق بالقواعد الخاصة بهذه الوظائف، فهي بكل تأكيد ليست أو لا تتمتع بنفس الحدود. و يعني هذا في حالة مؤمنين بمعتقد معين في مجتمع ديني خاص، أو في حالة جميع السكان في بلد ما، مؤمنين أو غير مؤمنين. الكهنوت الديني أو " رجال الدين " يخلطون، يربطون، ويخضعون الحالات و الأوضاع، أي بين نظامين للسلطة، و النتيجة : احتلال و استعمار الفضاء العام، وهذا احتمال كبير لحدوث عنف كامن أو صريح، فيما يتعلق بكل شخص غريب عن المعتقد " المرجع " أو الإيمان القائم ( و الأمثلة كثيرة في المجتمعات المسيحية القديمة في الغرب، والمجتمعات الإسلامية الحالية، وهي مستمرة أيضا في المجتمعات اليهودية و المسيحية الشرقية و خاصة العربية منها ).

    بشكل واقعي كبير، هناك عدة أسئلة بسيطة توضح هذه النقطة. فهل لدي الحق بأن أكون ملحدا، مسلما، مسيحيا، عندما يكون الكهنوت القائم الذي يستثمر الفضاء العام هو يهودي ؟ وهل يحق لي الإلحاد و تغيير إسلامي إلى دين آخر في مجتمع واقع تحت الاستثمار الإسلامي للفضاء العام ؟ وهل يحق لمسيحي مصري أن يؤمن بالمعتقد الإسلامي في مجتمع في طائفة خاضعة لكهنوتي مسيحي؟ وهل مواطن عربي ملحد في بلد عربي يعلن في المادة الأولى للدستور أن الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع يستطيع أن يقسم القسم الرئاسي في الدولة من غير العودة لنص ديني؟ وهل إذا كان الإسلام هو الدين الرسمي للدولة و قوانين الأحوال الشخصية مستمدة منه لا من قوانين التطور الإنساني، يستطيع الفرد (امرأة أو رجلا ) أن يطالب بالمساواة و العدالة في القناعات،الإيمان والقوانين؟ امرأة في السعودية أو إيران تريد الخروج في الشارع من غير حجاب أو نقاب هل هي حرة في ذلك من غير أن تكون خطرا على الأمن القومي أو مفاعل " بوشهر" النووي؟ في الواقع، نستطيع أن نلاحظ ما يشبه نزعة تتردد دائما: هنا و حيث يكون الدين مسيطر " روحيا " يصبح مسيطرا أيضا من الناحية الرسمية، الأديان الأخرى، أو بشكل أعم كل التعبيرات و الأشكال الأخرى الروحية أصبحت مبعدة بأشكال و بدرجات مختلفة.

    اضطهاد صريح أو إبعاد: و العنصرية يمكن أن تستكمل وفق نماذج متعددة. العودة إلى العلمانية، و استئصال كل مرجعية طائفية للفضاء العام، تضمن للأديان حرية و مساواة أكثر حقيقيةً أكثر من عندما تكون هي مسيطرة أو في العلاقة فيما بينها. هذا الاستئصال لا يعني بالتأكيد، أن القناعات أو الاعتقاد لا يستطيع ممارسة أي تأثير على مفاهيم القوانين المشتركة. ولكن في القانون، لا تستطيع بهذه الحالة التأثير من الآن فصاعدا، إلا من خلال وسيط وهو التعبير الحر ضمن مشاركة في حوار عام، وفي حالة جذب للقناعات الفردية ضمن احترام الحريات، و الاستقلالية في الحكم و التقييم. بشكل آخر للقول، السلطات الطائفية، في بلد علماني، ليست هي " فاعلة أو ممارسة" للأوضاع و الحالات القانونية أو منتجة لها، ولكنها أقطاب روحية حيث كل مواطن لديه الحرية بالاعتراف بها أو لا كسلطة.

    إن مبدأ السيادة الديمقراطية لا يستطيع من جهة أخرى قبول نوعين من " الممارسين أو المنتجين للقانون"، فردي يحمل صفة المواطن، و جماعي مثل جماعات الضغط التي لديها نظام الخضوع و الطاعة الدينية. هنا وضمن هذا المعنى أن العلمانية، على النقيض من الكهنوتية الدينية، تعطي بشكل متزامن معنىً للديمقراطية و استقلالية الحكم و القضاء: سيادة شعبية وسيادة فردية كأنهما متقابلين أو متناظرين في اللحظة التي لا يستطيعان فيها الاعتراض أو التدخل بين الإرادة العامة و المواطن السيد على أفكاره. وحدة العلمانية laos، و الشعب، تقرن أو توحد حرية المعتقد للأفراد و مساواتهم في الحقوق ضمن الشيء العام. كل امتياز إيديولوجي أو طائفي، أو كل نفوذ للمصالح الشخصية، ستشكل صعوبة أمام هذه الحرية.أنا إنسان قبل أن أكون مسلم،ملحد، مسيحي أو يهودي. الاختلاف الثقافي أو الديني المفترض أنه غير قابل للحل يعطي في معظم الأحيان اسمه و رداءه للمشاعر المظلمة للاستبعاد الذي يخلق العنف الذي نراه في الإعلام و تجذر في مجتمع تحول إلى بضاعة و دمرت كل معالمه.

    التحزب و التجمعات الدينية و الطائفية، العرقية و الثقافية، تزداد و تتمدد لتعيد تسخين الذي " تم تبريده" بالقرب من القطب العلماني، ولتدمر بشكل منهجي أفكار التنوير و التسامح : الحريات السياسية، قيم الديمقراطية و المواطنة. نستطيع العودة هنا للحديث عن " السمو العلماني " transcendance laïque،حيث كل الناس يتشابهون و يتحدون من خلال حريتهم، و أن يكونوا على مسافة واحدة من كل شيء يتعلق بالفضاء العام. تضامن كل إيجابي بين الاعتراف بالحرية الفردية و كل ما هو راق مشترك بين البشر. الحرية و المساواة : العلمانية هي تأكيد أصيل لمفهومٍ من الارتباط الاجتماعي الذي لا يوحد سوى الناس الذين يخلصون معتقدهم وقناعتهم من الخضوع الكهنوتي الديني الخاص، فالخير المشترك يتضمن و في الدرجة الأولى حرية الجميع، ورفض جميع أشكال التمييز الطائفي أو الديني.

    إننا نستطيع نقد دين ما، أو أشكال الإلحاد الإنسانية، ولكن علينا احترام الحق في الاعتقاد.إذا، مسيحي، مسلم، يهودي، ملحد أو غنوصي جميعهم يستطيعون العيش معا في سلام، في اللحظة التي فيها الاختيار الروحي لكل منهم يبقى شأنا خاصا، بمعنى أنه لا يستطيع الإدعاء أنه يحكم الفضاء العام. وعكس ذلك يعني التحول إلى العنف بكل تأكيد. 

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media