شِعارُ العام
    السبت 31 أغسطس / آب 2019 - 04:50
    أبو تراب كرار العاملي
    حياة ممتلئة بالتوجهات، مسارات مختلفة ومسلكيات متشعبة، منها الصالح والأُخَر دون ذلك. إلا أن العامل المشترك بين الصنفَيْن ـ الخَيِّر والشّرّير ـ هو احتواء كلٍّ منهما على أدبيات وقيم يُهتَدى بها وتُجعَل نُصب الأعين على طول الدرب المراد اجتيازه في سياق الوصول إلى الهدف المرجو وتحقيق الغايات المبتغاة.

    لكن، مع الوضوح بمكان، أن الشّقّ المشترك دونه تباينات عميقة واختلافات جسيمة يتقاسمها كِلا النوعين المشار إليهما، الصالح والطالح. فصاحب حرف "الصّاد" ـ أي "الصالح" ـ تشع مضامينه إشراقات نَيِّرة لتملأ أفئدة مُريديه مُنيرةً أبصارهم ـ تالياً دروبهم ـ فيشقّوا السبل بعنفوان شامخ وخطى واثقة تمضي بهم ارتقاءً في سلالم المجد ليكتبوا على صفحات التاريخ أعبق التجارب الخالدة والملهمة لجميع أحرار العالم على اختلاف مشاربهم، حتى إذا اختلفوا مع ذوي هذه التجارب من الناحية العقائدية الدينية، فهذا لن يمنعهم ـ إطلاقاً ـ مِنْ أن يستلهموا منهم أرقى أنواع القيم المجيدة والصفات الحميدة.

    أما متضمّن حرف "الطاء" ـ أي "الطالح" ـ فهو مُنغمس من رأسه إلى أخمص قدميه بما هبّ ودبّ من أشكال الأذيّة وإضرار الآخرين حماية لمصالحه. فالهدف المَقيت عنده واضح وبَيِّن: مصالحي الذّاتيّة ومطامعي السلطوية فوق كل اعتبار... فلن نطيل التوقف عنده، بل نكتفي بتوجيه إليه بعضاً من الذكر الحكيم: [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ].

    نترك هذا الأخير الفاسد وراء ظهورنا ونعود أدراجنا إلى مَنْ عرِّجنا عليه آنفاً ـ المسار الصالح ـ ونحط رِحالنا على مائدته الشّهيّة لنظفر بما يتيسّر لنا من تأملات لا تخلو من إفادة قد يستفيد منها بعض العابرين مُزَوِّدين بها مخزونهم الفكري بين العلم الأولي، الالتفات البَيْني والتذكير النافع.

    نقتصر على ميزتَيْن في البَيْن:

    إحداهما، تكشف مفرداتها أن لهذا النوع المسيري رونقاً خاصّاً يتمثل بارتباطه بالله "عز وجل" عند مَنْ يُجيدون هذا الوَصْل المبارك، ألا وهم المؤمنون الصادقون الأوفياء المخلصون المتقون الزاهدون... فهؤلاء الأبرار يمشون على بصيرة من أمرهم مُدْرِكين أهدافهم أشد الإدراك، مُتَطَلِّعين إلى النتائج الباهرة التي تنتظرهم والتي يتصدرها رضا الله "جلّ وعلا"، وكفى بها نتيجة شمخاء تشفي الغليل، ولا تنتهي سلسلة الحصاد عند منعطف مادّي فانٍ وآخر سرعان ما يضمحلّ، بل تشقّ طريقها في حضرة الكرم الإلهي الذي لا نهاية له ولا نفاد [مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ].

    الأخرى، يُلاحَظ في طيّاتها تواجد لمحطات متفرقة تجمعها جميعاً الميزة الأولى المُشار إليها أعلاه، وحيث توافد الزُّمَر الصالحة لإحياء المناسبات المباركة التي تستمدّ خيراتها من ارتباطها الوثيق بخالق الأنفس وموجدِها، فيتكلّل هذا المسار الخَيِّر بنشاطات نَيِّرة تزيد هذا الدّرب ضياءً وهدى للعابرين فتحثّهم على متابعة المسير مُبْعِدَةً عنهم الكلل والملل.

    وهنا، تبرز خصلة جميلة تتجسّد بإطلاق عناوين بارزة على بعض المناسبات المفصلية فاتحةً آفاق تفكير العقلاء ليتبحّروا في تأملات تعيد تأكيد المؤكد، أو الإضاءة على جزئيات خافية أو لم تكن ظاهرة بالمستوى المطلوب، أو لربما إعادة تظهير ما هو متعارف عند أصحاب هذا النهج العزيز فتختلف التظهيرات الخارجية مع الإشتراك بباطن مُوَحَّد يجمعها تحت ظلاله... ودائماً تحت ظل الميزة الأولى وفي كنف بركاتها.

    المثال التطبيقي؟ إن كنتَ خارج "بلاد الأرز" فعليك بشد الرحال إليها. وإن كنتَ داخلها فعليك بفتح عيون البصيرة والمعاينة بوضوح. وفي الحالتَيْن، أهلاً بك في أرض الوطن الحبيب والعزيز والشريف "لبنان" الرائع.

    وعلى وجه الدقة: أهلاً بك في الساحة الحزبية الإلهية... ميدان "حزب الله"... وفخامة الاسم تكفي... وشعارنا العاشورائي الحالي: "أَنَبقى بعدك؟".

    [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ].

    أبو تراب كرار العاملي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media