ابن رشد: المفترَى عليه وعلينا
    الجمعة 17 يناير / كانون الثاني 2020 - 06:52
    عادل نعمان
    كاتب وإعلامي مصري
    ابن رشد زمار أطرب الدنيا ولم يطرب له حى من أحياء العرب، وطالت كراماته سحب السماء في أوروبا، واستفتحت به حضارتها، وأغلق عنه الأعراب كل السبل وكل الأبواب، افتروا عليه قديمًا ووشوا به عند خليفة «دولة الموحدين»، فنفاه إلى مراكش، وأُحرقت كتبه إلا القليل منها التي أنقذها تلاميذه من فم النيران، ومات وحيدًا غريبًا، وافتروا علينا حديثًا حين حبسوا أفكاره وأغفلوا فضله، وتناسوا حكمته وعلمه وعقله، أزاحوه واستبدلوا به ابن تيمية وابن عبدالوهاب، وقدّسوهما وغيرهما، وتمكنت أفكارهم من عقول المسلمين حتى غابوا وتاهوا وضلّوا. د. مراد وهبة يقول: «ابن رشد ميت في الشرق حى في الغرب»، ولهذا أسباب مقصودة ومرتبة، تعالوا معًا من البداية.

    ابن رشد هو القاضى الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، وُلد في قرطبة «الأندلس» 1126 وتُوفى 1198 ميلادية في مراكش، وهو فيلسوف وطبيب وكاتب، وعيّنه خليفة الموحدين «أبويعقوب المنصور» طبيبه الخاص، ثم قاضيًا في قرطبة، حتى استبعده إلى مراكش بعد وشاية تشيُّعه على المذهب الإسماعيلى، واتهامه بالزندقة. يُعتبر ابن رشد أعظم فلاسفة الإسلام بلا منازع، وهو مؤسِّس الفكر الحر، ورائد التنوير في الفكر الإسلامى، وكان لفلسفته الأثر الأكبر في نهضة أوروبا في القرن السادس عشر، وفترة الإصلاح الدينى «المدرسة الرشدية»، إلا أن العرب جميعًا أغلقوا عقولهم عن فلسفته التي كانت سببًا مباشرًا في نهضة أوروبا، وكان لسياسة العناد، التي انتهجها ورَثة النقل، الأثر الأول في حبس أفكاره عن الساحة، فتقدم العالم ووقعنا في سراديبه، وتاهت المعرفة العقلية، وفقد المسلمون النقد والنظر والاستدلال والبحث والبرهان تحت سلطان وسطوة الخرافات والأساطير، ولو كان للمسلمين نصيب في فلسفة ابن رشد ما كان حالنا مع التطرف الدينى الآن، وما كان هذا الصراع المذهبى بين الشيعة والسُّنة، والذى تفاقم وأضحت حروبه تغطى بلاد المسلمين، وما كان الصدام والصراع بينهم وبين الآخر وبين الحضارات حتى أصبحنا في ذيل القائمة، وما كان هذا النزاع بين الدين والعلم حتى بِتْنا ونِمْنا على جهالة، بل كنا قد نجونا من هذا الفكر الوهابى السلفى الداعشى، ولحقنا بركب العلم والحضارة، حين وضع ابن رشد العقل طرفًا أصيلًا ووحيدًا للحكم بين الظنى واليقين، وأوجب النظر بالعقل في كل الموجودات ليس غيره، رافضًا كل رأى دون دليل أو برهان عملى، ومن ثَمَّ كان يميل إلى مذهب المعتزلة، رواد النظر والعقل، والذى يرد كل الأمور إلى العقل، وما يتعارض منه مع النقل يستوجب إعادة تأويله وتفسيره حتى لو كان نصًا مُنزَّلًا. أما عن إجابة السؤال: لماذا حبسوا أفكاره عن المسلمين؟ فنجيب، صراحة، لموقفه من الأشاعرة ونقد أفكارهم، وكذلك أبوحامد الغزالى، أحد أئمتهم، ووصفه بالتدليس والانتهازية وانعدام الضمير، ووصف أفكاره بالسفسطة والجهل، واتهمه بالمتاجرة بالدين لإرضاء الحكام والطغاة، «فقيه السلطان»، ووصف حجته بالضعف، فهى لا تقف ولا تقوى أمام النقد والبحث، فإذا كان ومازال الأزهر الشريف على المذهب الأشعرى عُرف السبب وبطل العجب، وإذا كانت الوهابية بينها وبين العقل ما صنع الحداد، فتكون أفكار ابن رشد في خبر كان، حتى لو فيها خلاصنا من التطرف والفوضى والجهل والفقر والمرض، لتبنِّيهم سياسة العناد كما ذكرنا.

    ماذا قال ابن رشد عن الأشاعرة؟ بداية، مؤسِّس المذهب الأشعرى هو أبوالحسن الأشعرى، ظل أربعين عامًا على مذهب المعتزلة، حتى خلع عباءتها، وأسَّس مذهبه الجديد «الأشاعرة»، ويراه ابن رشد «جداليًا ويفتقر إلى الدليل والبرهان»، ويعتبر تأويل الأشاعرة للنص القرآنى غير منطقى، وليس له علاقة بالواقع العملى الموجود، ويرفض تأويلهم لكثير من القضايا التي لا يعلمها إلا الله، كصفات الله والتجسيم ومرتكب الكبيرة وغيرها من الأمور التي لم يثبتها العلم، وقال: «لقد أوقعوا الناس بتأويلاتهم هذه في تباغض وحروب، وفرّقوا الشرع والناس كل تفريق، وزائدًا إلى كل هذا أن طرقهم لإثبات تأويلهم ليست مع الجمهور أو الخواص، لكونها ناقصة شرط البرهان والدليل». بقى أن نعرف أن ابن رشد يخالف هؤلاء الذين يُكفِّرون غير المسلم، وينادون إما بدخوله الإسلام أو دفع الجزية أو قتاله، فهو ينادى بحرية الفكر والعقيدة، والتسامح مع غير المسلم، وفى هذا يرى أن طبائع الناس مختلفة ومتباينة في التصديق والإيمان، فمنهم مَن يؤمن بالبرهان، ومنهم مَن يؤمن بالأقاويل الجدلية، ومنهم مَن يؤمن بالأقاويل الخطابية، وكلٌّ مُيسَّر لما خُلق له، بل طالب بأخذ العلم من الجميع، سواء كانوا مسلمين أو غيرهم، قدامى أو حداثى، دون النظر إلى ديانتهم أو عقائدهم، إذ لا يقدم ولا يؤخر هذا في صحة علمهم. هذا هو ابن رشد المفترَى عليه، وهذا حالنا بعد الافتراء علينا، وأخيرًا إلى ما قاله ابن رشد: «التجارة بالأديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل»، وقال أيضًا: «إذا أردت أن تتحكم في جاهل فعليك أن تُغلِّف له كل باطل بغلاف دينى»، نعم كل باطل قد غلّفوه بغلاف دينى يا ابن رشد

    "المصري اليوم" القاهرية
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media