مَن دمّر العرب؟!!
    السبت 21 نوفمبر / تشرين الثاني 2020 - 07:29
    د. صادق السامرائي
    ما أن يُقرأ العنوان حتى تنهال نمطية الأجوبة التي تعودت عليها الأجيال منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم , وخلاصتها معاهدة سايكس- بيكو , والإستعمار , وبعدها ما جرى في العقد الخامس من القرن العشرين , ويمكن أن يضيف القارئ ما يحلو له من الأسباب التبريرية والتسويغية , التي تريح الضمير وتحرر المواطن من المسؤولية بإلقائها على "هوّ".
    وفي حقيقة الأمر أن الحالات التي نحسبها أسبابا , ما هي إلا تحديات لإستنهاض الطاقات والقدرات وتحفيز الإبداع وتقوية العزيمة والإصرار , فمعاهدة سايكس – بيكو كانت هفوة إستعمارية , كان من المفروض أن يستثمر فيها العرب , ويحققوا أعلى درجات التفاعل والتقدم والرقاء , بتركيزهم على بناء وجودهم الوطني العزيز , وكذلك وجود  حالة متحدية في المنطقة من المفروض أن تحفز على كينونة أقوى وأقدر.
    لكن يبدو أن القوى الطامعة تعرف الطبع العربي , وتدرك بأنك لكي تقضي على العرب إجعلهم في دول , فأن ميلهم للتناحر شديد وعظيم , وهذا سلوك موروث ومتعوّد منذ آلاف السنين , وقد صدقت نبؤاتهم ومعرفتهم , ولهذا حقق العرب نتائج تسرّ الطامعين بهم.
    والجواب الأصدق والأرجح على عنوان المقال , أن الأحزاب هي التي دمرت العرب!!
    نعم إنها الأحزاب!!
    فهل لديكم القدرة على الإتيان بحزب واحد في بلاد العُرب أوطاني قد نفع العرب؟!!
    ربما سيأتي البعض بأمثلة من تونس والجزائر , وأحزابها قد توفرت لها قيادات وطنية -إلى حين- أسهمت في تقدم نسبي وتطور ملحوظ.
    تأملوا أية دولة عربية منذ نشأتها وحتى اليوم , وأتوا بحزب واحد قد خدم البلاد والعباد , فلو أخذنا العراق مثلا لوجدنا فيه أحزابا وطنية بدائية التشكيل والرؤى في الفترة الملكية , وبعدها إلتهمته الأحزاب القومية والعقائدية المضطربة الرؤية ,  المفتقرة للقيادات الوطنية التأريخية الصالحة لبناء حزب ودولة.
    فالحزب الشيوعي لم تتوفر له القيادة التي تستوعب أفكاره , وتقدم مناهج عمل ذات قيمة وطنية وإنجازية , بعكس الأحزاب الشيوعية في دول الدنيا , التي بنت ووضعت الستراتيجيات لمستقبل زاهر , فحتى بعد سقوط الإتحاد السوفياتي تجدها راسخة الكيان والعمران , والبنى التحتية المستوعبة لمعطيات المستقبل.
    وفي المنطقة كانت دولة عربية شيوعية في اليمن وما أنجزت ما هو صالح للحياة , وفشلت في تقديم النموذج العربي الأمثل للشيوعية , فإنتهت إلى ما إنتهت إليه الأحوال في اليمن.
    والعلة تكمن في الفهم المنحرف للنظرية وفقدان مهارات التطبيق , فالعرب يمتلكون معضلة مروعة خلاصتها العجز عن تحويل الأفكار إلى موجودات مادية فاعلة في الحياة , كما تفعل مجتمعات الدنيا الأخرى.
    ولو أخذنا حزب البعث , لتبين لنا بأنه لم يكن يوما وطنيا خالصا بتوجهاته , وإنما غلبت عليه النزعة القومية , التي أودت بحياة الدول التي حكم فيها وتمكن , وغابت عنه القيادة القادرة على ترجمة رؤاه إلى واقع حياتي نافع للحاضر والمستقبل.
    أما الأحزاب الدينية فأنها عقائدية بحتة ولا تؤمن بالوطن , ولا تمتلك أي رؤية وطنية , وإنما هي تسعى بقوة لتأكيد عقائدها وعقائد من تتبعهم , فهي وبلا إستثناء أحزاب تابعة لقوة أخرى تدين بعقيدتها وتحسب السلطة غنيمة.
    ولهذا وجدناها فعلت ما فعلت في العراق منذ ألفين وثلاثة وحتى اليوم , فهي ذات ولاء لغير الوطن , وذلك من صلب عقائدها.
    وجميع الأحزاب قد شكلت حكومات حزبية ولم تشكل حكومات وطنية , لأنها تريد الإنفراد بالسلطة وإلغاء الصوت الآخر , وتحشيد الطاقات والقدرات للنيل منه , وتكون ممارستها للحكم عبارة عن سارق قد سرق غنيمة , ويقف مدافعا عنها أمام الآخرين الذين يطمعون بأخذها منه , فيتحول الحزب إلى ذئب شرس متأهب للمهاجمة دفاعا عن الغنيمة المسروقة من الشعب.
    ولا تختلف جميع الأحزاب بهذا السلوك المأساوي , الذي أخذ العرب إلى منحدرات الويلات والتداعيات المروعة.
    ولو أخذنا مثلا آخر , فالعرب يدّعون أن قضيتهم المركزية هي فلسطين , وانظروا ماذا حصل لها بعد أن توجهت نحو إقامة دولة , لقد تناهبتها الأحزاب , وصارت السلطة مغنما , فما عادت هي قضية مصيرية بالنسبة لأهلها , وإنما قضية سلطة , وإذا بها تنشق إلى نصفين , وربما إلى الأكثر في المستقبل , وكلاهما يسعى للنيل من الآخر , فهل كان يخطر على بال العرب قبل عقود أن تجري مصالحة بين الفلسطيني والفلسطيني؟!!
    فمن دمر القضية الفلسطينة؟!
    أ ليست الأحزاب التي تفاعلت معها؟!!
    قد يرى آخرون أن ما تقدم يقترب من زاوية واحدة , ويحاولون أن يحملوا الموضوع أسبابا لا تُحصى ولا تُعد , وكل ما سيأتون به صحيح لكنه غير صائب ولا جوهري , لأن مسيرة الأحداث والتطورات على مدى القرن العشرين وحتى اليوم , تؤكد عاملا أساسيا ومشتركا فيما يتحقق بديار العرب , يمكن القول بأنه الأحزاب بمسمياتها وعقائدها وتوجهاتها , هي التي أنهكت الوجود العربي وستقضي على العرب , وإن لم يؤسس العرب لحكومات وطنية وليست حزبية فأن مستقبلهم في خطر.
    ومن الواضح أن العرب لديهم عجز في التفريق ما بين الوطني والحزبي , ويخلطون ما بين الحالتين , ويتوهمون بأن أحزابهم وطنية , وهي ليست كذلك كما تدلل على نفسها بسلوكها.
    فهل سيتحرر العرب من الأحزاب والتحزبية , ويمتلكون بصائر وطنية ذات إنجازات حضارية معاصرة؟!!

    د-صادق السامرائي 
    8122014
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media