أطفالنا ليسوا بأغبياء
    الثلاثاء 18 فبراير / شباط 2020 - 19:18
    أ. د. محمد الربيعي
    بروفيسور في جامعة دبلن
    وصلني هذا المنشور عبر احدى منابر التواصل الاجتماعي أراد به مرسله مثالا لتدني مستوى التعليم في العصر الحالي، ومشابها لما يظهر بين الفينة والأخرى من أجوبة امتحانية مضحكة ومخجلة للدلالة على عقم النظام التعليمي وعلى جهل الطالب بالمعلومات المطلوب منه حفضها وتذكرها واجترارها في الامتحان، وكما يريدها المعلم، وكما يتناسب مع توقعاتنا للأجوبة الصحيحة.
     
    دعني اسألك ان تنتظر قبل ان تبدي رأيك في إجابة الطالب لما بعد قراءة هذه الاسطر. لربما يكون المنشور مفبرك ولربما نشر للاستهزاء ولكني سأناقشه على انه جواب لطفل كما اريد له من غرض.

    لننظر الى الموضوع من جانب اخر غير جانب اجترار المعلومة واتباع المتفق عليه.
    في إجابة الطالب هذه تبدو لي استقلالية التفكير، فبرغم ان الجواب خطأ حسب ما درس الطالب الا انه يدل على نوع من التفكير يسمى بالتفكير الجانبي والتفكير الجانبي هو أسلوب لحل المسائل يقتضي الخروج عن المناهج المنطقية المألوفة والتفكير بطريقة أوسع بكثير من المعتاد. وهذا النوع من التفكير يبدو لي شائعا بيننا نحن العراقيين.

    تظهر الإجابة، من دون الاخذ بالاعتبار صحتها او خطأها أي بصورة مجردة عن محتوى السؤال، ان لدى الطالب معرفة بحروف الجر (كما عليه في جواب الطفل) وبالأوزان. ولهذا أحب طرح السؤال الاتي: الا يجب ان يقيم الطالب على أساس المعرفة، وليس فقط على اساس القواعد المتعارفة، وما نفترضه من تصورات ومفاهيم وحدود معينة؟ قد لا يكون الطالب بطريقة تفكيره قد أدرك معنى الكلمة كما تدرك طبيعيا وانما قام بتفكيك الكلمة ومعالجتها كمقطعين. وهنا يتبين ان العقل البشري السليم يمكن ان يكون مبدعا بالرغم من انه مصمم لمعرفة الاشياء او كيفية التفكير بالأشياء أولا، ومن ثم يحبس الاستجابة التلقائية في عملية غير واعية حتى يتسنى للعقل الواعي من موافقة المألوف، وهذا ما رفضه عقل هذا الطالب عند تجزئته للكلمة المألوفة "وطن".
     
    وهذا يطرح علينا بشدة السؤال: أي تعليم نريد؟

    لا أحد يسأل اليوم عن أي تعليم نريد؟ ولا أحد يتحدث عن الأهداف المرجوة من التعليم، ولا عن طرق تحقيق هذه الأهداف.

    فأي تعليم نريد؟ هل نريد تعليماً يحوِّل المتلقين الى خزائن للمعلومات يتم تفريغها أيام الامتحانات؟ أم نريد تعليماً يحرر الطاقات الكامنة في نفوس الطلبة ويستفز ذكاءهم، ويساعدهم على التفكير الحر الإبداعي، وحل المشاكل، ويجعلهم يركزون على ما يعنوه حقاً باستخدامهم للتعابير. الأمر الذي يحرضهم على استخدام التعبير المناسب وانتقاء الألفاظ المعبرة عن المعنى المقصود، وليس مجرد ترديد حرفي كالببغاء ما ذكره لهم معلمهم أو ما هو مكتوب في الكتاب المقرر.

    أعتقد أن التلقين والحفظ هو السبب الرئيسي وراء ضعف مهارات التفكير لدى الكثير من الطلاب. الكثير منهم يرددون كالببغاء ما قاله الآخرون. لا يمكنهم التفكير من تلقاء أنفسهم لأنهم لا يعرفون ما يكفي لتوليد التفكير الرصين والصارم. ومع ذلك، فإن الكثير من المعلمين يؤكدون أهمية الحفظ، بافتراض أن الأطفال لا يمكنهم التفكير برأس فارغ. ويبدو أن المعتقدات البيداغوجية القديمة في التربية لازالت مهيمنة في النظام التربوي والتعليمي العالي العراقي. 

    برأي انه من الأفضل كثيرا ان يتم شحذ مهارات التفكير الناقد والإبداعي عند الطلاب، وتشجيعهم على ابداء آراء يمكنهم الدفاع عنها بالحقائق والعقل، وبها يمكن أن يقنعوا الآخرين بالتعرف على العيوب في معارفهم وتفكيرهم. لكن المدرسة والجامعة لديهما سياسة مغايرة تتناسب مع العقلية السلطوية القهرية الغارقة في الطرائق التقليدية البالية والتي فيها المتعلم متلقي يقتصر دوره على الاستماع وتدوين المعلومة الجاهزة، وحيث يتم تقييم الشخصية المغايرة والشكوكية بكونها معادية للمجتمع. بينما تعتبر الموافقة والتقليد والتسامح مع الجهل واللاعقلانية من فضائل الانسان. وهذه هي فلسفة القهر التربوي المتبعة في العراق والتي تعتمد على هندسة العقل ليتوافق مع الوضع القائم ودفعه لقبول الآفات الاجتماعية من مظالم اجتماعية وفقر وتسلط كأمر طبيعي جبري. 

    أطفالنا اذكياء لكنهم ينمون في المدارس كآلات غبية لا تفكر ولا تحلم. 

    [[article_title_text]]

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media