ستالكر STALKER لأندريه تاركوفسكي الدليل نحو عالم لا يوجد إلا في المخيلة
    الأثنين 23 مارس / أذار 2020 - 18:26
    د. جواد بشارة
    رابط فيلم ستالكر
    من البديهي القول ان لتاركوفسكي لغة سينمائية ومفردات إخراجية خاصة ومتميزة جداً لا يجيدها غيره وهو الرائد في ميدان السينما الشعرية، ويحتل فيلم ستالكر موقعاً خاصاً في عالم تاركوفسكي السينمائي فقد صممه كادراً بعد كادر انطلاقاً من سيناريو لأركادي وبوريس ستروغاتسكي عن رواية لهما ومشاركة تاركوفسكي نفسه وإشرافه التام على السيناريو. هذا الفيلم يضع المتلقي، الناقد المحترف والمشاهد العادي، أمام تحدي الإدراك والاستيعاب. فكلما شاهدته مرة تلو الأخرى يبدو لك وكأنك تشاهده للمرة الأولى وتكتشف فيه لمسات ومقاربات لم تألفها عينيك من قبل. الأماكن التي تدور فيها أحداث فيلم ستالكر لا توجد في أي مكان في العالم الواقعي ولا الخيالي، لا من وجهة النظر السينمائية ولا من خلال السياق السيناريوهاتي الذي من المفترض أن يؤطرها. ويتعين علينا الانتظار طويلاً لنكتشف يوما ما ربما شيئاً جديداً وقوياً يتعدى ما نراه على الشاشة خلال مدة العرض.
    لنتحدث أولاً عما نراه أو نعتقد أننا نراه على الشاشة. ما لذي يوجد أمامنا؟ هناك على سطح الأرض يبرز لنا حيز مكاني فجأة صرنا نطلق عليه تسمية " المنطقة La Zone " وهي ترجمة غير دقيقة وليس المقصود بها منطقة كأي منطقة كانت في العالم. فهي رديف لحالة نفسية من الخوف والتردد والامتعاض والكآبة والإحباط وضيق النفس. وهي مفبركة من مكونات ومواد غير ثابتة فالمادة تتغير بنيتها باستمرار لندرة وغموض تجانسها ومظاهرها وسماتها وماهيتها فهي تتعدل برمتها باستمرار، وتغير من طبيعتها وماهيتها الفيزيائية. والسبب أو الذريعة التي تقف وراء ذلك، كما يوحي الفيلم، يمكن اختزاله بجملة هي، ربما بسبب اصطدامها بنيازك فضائي من أعماق الكون، وربما بسبب زوار مجهولين أو بفعل كائنات فضائية متطورة لا نراها جعلتها في حالة تحول دائم لسبب نجهله، والتي تركت هذه " المنطقة" غير قابلة للاختراق والفهم والإدراك والاستيعاب، ومختلفة عما يحيط بها كلياً.  نشعر بذلك من خلال معلومة تقول إن مجموعة من الجنود الذي أرسلوا لتطويق وعزل هذه " المنطقة اختفوا ولم يعودوا ولم يعثر لهم على أثر، وتم هجر المنطقة ومنع أي كان من الاقتراب منها، ووضعت حولها الحراسات. وفي وسطها توجد " غرفة" غريبة ومثيرة للقلق والخوف رغم أن ما يشاع عنها أنها تحقق لمن يدخلها كل ما يرغب به ويريده كأنها عفريت المصباح السحري لعلي بابا. لكن هل هذه هي قصة " ستالكر" حقاً؟ ليس على وجه الدقة. لا توجد هناك قصة، والخيط السردي الوحيد الذي يربط بين الشخصيات الثلاثة ويدفع بها إلى الاقتراب من " المركز" هو شعور أكثر من كونه سرد لحدث حقيقي. الأمر المهم الوحيد هو المكان الكوني الفريد من نوعه وليس له مثيل في أي " مكان" آخر. فالمكان هو البطل وهو الحدث الدرامي، ومنه، ومن الشخصيات الثلاثة تتجلى شعرية وشاعرية المقاربة السينمائية. من الواقع المرئي، ومن محيط العناوين، ومن حواف الفيلم الخام إلى منتصف "المنطقة"، يعمل الفيلم بأكمله كأنه مغامرة، رحلة عبر الحواس، وفهم حساس للذات وللعالم من خلال هذا المكان الخارجي، ومن داخل روح الشخصيات التي تسافر من خلال تلك المنطقة، وعبر أرواحنا نحن المتلقين.
    كل فن وبراعة وتقنية وحرفية تراكوفسكي تكمن برمتها عبر هذا الاهتزاز غير الملموس والذي هو، وفي نفس الوقت، شعور غامض ومحبط يغزو الحواس، وينتشر في الجوانب المرئية وغير المرئية والدقيقة في الإحساس الحسي والجسدي الذي يحصل عليه المتلقي. 
    نادرة هي الأفلام التي تعرف كيف تستغل بقدرة واتقان البنية اللحظية والآنية والامتداد والعمق الذي تتمتع به السينما، أي الجغرافية الخلاقة بالذات، التي تسمح، من مجرد لصق لقطتين وربطهما، بخلق فضاء ومكان فريد من نوعه، وأن تؤسس بنية متسقة ومتجانسة ، وهذا بالضبط هو ما نجح فيه تاركوفسكي في فيلم ستالكر، في كل لقطة من لقطاته، وكل مشهد من مشاهده، على نحو دائم ومستمر وبلا أية ثغرة. يأخذنا تاركوفسكي بأسلوبه ويضيعنا داخل هذا " الديكور" البالغ الجمال والافتتان، من خلال معمارية الفيلم وهوية بنيته وهيكيلية الحلم ورؤيته الشعرية والحميمية لسينماه الذاتية ما يضع فيلمه هذا في مصاف تحف سينمائية وآثار فيلمية خالدة لعمالقة من مقام المخرج الياباني ميزوغوشي والمخرج الفرنسي آلان رينيه والأمريكي أرسون ويلز، والإيطالي فيلليني، والبريطاني، ستانلي كوبريك، على سبيل المثال لا الحصر.
      كل شيء جاذب ويؤخذ بعلته في فيلم ستالكر، فهو أكثر من فيلم، إنه شيء ما عن المادة والذاكرة والمخيلة ومادة الذاكرة. اقترب تاركوفسكي بقدر ما يسمح به الظرف والتقنية، إلى أقرب ما يمكن من هذه النقطة الهشة حيث تغدو الصورة موضوع تمثلها وتجليها كما لو أن سطح العدسة يعمل على لمس سطح الأحلام والأشياء. الجلد المميز البشرة المتميزة، الوجوه الجريحة، السحنات المتعبة، العشب، الأرض الرطبة، المعادن الصدئة المعلقة في جمود أشكالها، الأحجار المتكسرة، الزجاج، و"خاصة الماء الذي دائماً هو أدنى مني، هناك دائمًا، مياه" ، بمختلف حالاتها ، وفي جميع أساطيرها الباردة والصامتة ، والتي  يغفو ستالكر في مستواها وعلى مستوى سطح الأرض حين يستلقي تحت ضوء النهار  في ذروة المشهد المصور بلقطة متابعة ترافلنغ من أعلى مكتشفة على بعد بضعة سنتمترات ما يركد في الأعماق ، قطع البورسلين والخزف المصقول  لكنها مهشمة، والأوراق المستعملة والمطبوعة المتفككة والمنهارة ، والأحجار  والحصى، والأخشاب المنقوعة. كأنه مكب قمامة مدهش وساحر تراكمت فيه كل الصور والذكريات. وفي نهاية لقطة بالأبيض والأسود تبدو يد ستالكر مطوية الأصابع بالكاد طافية فوق سطح الماء حيث تبدو الشخصية في وضع جسدي كمن يختلق الأحلام، تعكس هذا الغياب في الواقع وعن الواقع، في ظل ظروفه، هو بمثابة نوع من انعدام الوزن أو فقدان التوازن، متناسيًا حالات طوارئ ومركبات المادة. 
    في هذه المواد المتداعية المنهارة والمتهالكة الشائخة الغارقة في الماء أو الضائعة في الهواء، تتلاطم فيها كل الحكايات والسرديات الممكنة، وربما كل الأفلام. تلك المفردات الصورية هي نوع من المادية المسحورة. فالــ"منطقة" هي مكان لغزي غامض محفوف بكل أنواع الرغبات والحنين، حيث لايمكن لأحد أن يعود أدراجه، فهي مكان متحجر، خارج الموت، والضباب، والطيور والحشرات ذوات الأجنحة الرطبة التي تتسلق الوجوه كأنها علامات هادئة ومهدئة ومريحة لخلود الروح، هل هي الجنة الخاصة بتاركوفسكي رمزياً؟  إنها على أية حال مكان مهجور، ساحة مليئة بحضور الأشباح غير المرئية حيث يمكن البقاء فيها إلى الأبد فالزمن فيها لانهاية له. 
    ستالكر مع ذلك فيلم ملموس، والصور فيه معمولة لكي تحس وتلمس بقدر نظراتنا، فبشرة الوجه كله مستغلة. يصطدم الفيلم بجدار الواقع خاصة في مشهد العبور. فالمكان محظور وممنوع ولا يمكن الولوج إلى داخل " المنطقة" إلا عبر أو من خلال متاهة حظائر مهجورة يتحرك دخلها ستالكر الدليل، والكاتب والباحث العلمي الفيزيائي، على متن عربة جيب ذات سرعة متنامية حيث ترافقهم لقطات متابعة ترافلنغ أفقية سريعة كأنهم عرضة للمطاردة، تجول سيارتهم الحواف والأطراف في محاولة للولوج عنوة والعبور بعد تلقيهم طلقات نارية أطلقها عليهم جنود الحراسة وفي أعقاب ذلك وجد الدليل ستالكر نفسه ومعه زبونيه الباحث والكاتب على بعد بضعة أمتار من " المنطقة". تواجد الثلاثة في صالة كبيرة جرداء تعكس جدرانها الاسمنتية صدى أصواتهم وآثار الرصاص. وبموازاة قاعدة الكادر تخرج قضبان سكة حديد متجهة نحو اليسار، هناك عربة قطار بانتظارهم يملؤونها بالوقود ويعتلون العربة ويغادرون ثم لقطات متابعة ولقطات كبيرة للوجوه لكل شخص من الشخصيات الثلاثة، صامتين غارقين في تأمل أهمية الرحلة وغرابتها وخطورتها حيث يبدو الطريق طويلاً وفجأة يتحول الفيلم من الأبيض والأسود إلى الألوان وينطلق في إيقاع آخر ومدة زمنية مختلفة. المعطف مبلل والرأس منحنى ومنكس، واليدين في الجيوب، يسير الكاتب ـــ الذي أدى دوره الممثل الذي مثل دور أندريه روبليف لتاركوفسكي ـــ ، وكذلك ستالكر الدليل  وعالم الفيزياء والباحث العلمي ، يواصلون تسكعهم وتأملهم كأنهم ضائعين لكنهم غير مستعجلين وهادئين تماماً أو رائقين ورابطي الجأش تقريباً . فهم غير مدهوشين بهيئة المكان وتضاريسه ما يثير حيرة المتفرج الذي من المفترض أن تدهشه غرابة وفرادة المكان، فكأنهم لايعثرون هنا إلا على الاستمرارية المنطقية الخارجية لروحهم وتفكيرهم. فستالكر هو الكائن السائر والدليل العارف لكنه بدون موقف حاسم، وجولة هؤلاء الثلاثة تبدو صامتة تقريباً عدا بعض النقاشات المقتضبة حيث يتم مناقشة ثيمات ومواضيع تاركوفسكي المركزية واهتماماته الوجودية على لسان أبطاله. البحث عن السعادة، ضرورة الخلق والإبداع، وما تثيره من تساؤلات، ما يكدر صفو الشخصيات حيث يعيش كلاً منهم في أعماق منافيهم الداخلية ويقودهم ستالكر الدليل خطوة بعد خطوة في رحلة استهلالية تأملية بدئية. 
    الفيلم غارق في الرمزية والتنويهات السياسية غير المباشرة فيمكننا قراءة المعاني السياسية المرمزة على نحو بديهي. فالمنطقة مطوقة، ومن خلال طبيعتها وحالتها الذاتية، تنتفي فيها الحرية والاختلاف في داخلها. وهي تبدو كمأوى مثالي لكل المنشقين والمعارضين والمناوئين للحكم. فهي منطقة حرة بمعنىً ما لذلك انتبهت الرقابة إلى الإشارة الخفية التي أرسلها المخرج عبر فيلمه وأوصت بعدم عرضه على نطاق واسع في الاتحاد السوفيتي سنة 1979. 
    حركات الترافلنغ للكاميرا المتابعة للتقدم البطيء للشخصيات الثلاثة والقريبة منهم على مستوى الرقبة والرأس أحياناً مقصودة ومدروسة بعناية مع التركيز على ملابسهم المبللة بالطين وعلى الوجوه والملامح سواقي ودروب من التجاعيد  والتقعرات تشبه  التعرجات للطريق الذي يسلكونه. يجبرهم ستالكر الدليل على أخذ الحيطة والحذر رغم حنكته وخبرته في التهريب عبر طريق " المنطقة" الوعرة والخطرة ويحذرهم " أن كل شيء هنا يتغير ويتحول في كل لحظة" ويقودهم عبر ممرات ومعابر غريبة تتخللها اختبارات عسيرة وخطيرة كذلك النفق المغلق من جانبيه وطرفيه أو منفذيه بنوع من الأسلاك المعدنية. يتقدم الكاتب أولاً ، وفي نهاية النفق غرفة مليئة بالمياه عليه أن يغطس فيها لنصفه لكي يصعد للجهة الأخرى بملابسه المبللة كلياً وبعد قليل نراه جالساً على حافة بئر في صالة أرضها مغطاة بنوع غريب من الحصى والرمل الناعم. يداعب حجراً. يطغي صمت غريب على المكان قبل ضوضاء سيلان الماء الجارف. الفيلم كله غارق بهذا الصمت كموسيقى ذات ترنيمة واحدة. وعند بلوغهم عتبة غرفة الرغبات لا يدخلون إليها بعد كل هذا العناء وركوب المخاطر، حيث اتضح في نهاية المطاف أنها ليست غايتهم القصوى من هذه الرحلة رغم مغريات المقاربة. وبفعل تعبهم وإرهاقهم من رحلتهم المنهكة يكتفون بالجلوس والنظر. أما الهدف الخفي وغير المعلن لعالم الفيزياء فهو تدمير " غرفة الرغبات" لكنه يتخلى عن هدفه ويرمي القنبلة التي في حوزته بعد تفكيكها مثلما تخلص الكاتب من مسدس كان يحمله خفية، وأصابع الدليل تغطس منغمسة في مجرى مائي وفي الغرفة هناك مطر ومن ثم يتوقف المطر فجأة وضجيج صوت قطار يوحي بالعودة إلى نقطة الانطلاق وفيما عدى لقطتين على طفل الدليل ستالكر يعود الفيلم للأبيض والأسود. فالطفلة، مثل طفل فيلم "المرآة" والمراهق في فيلم "أندريه روبليف"، هي الجواب السحري ليأس البالغين حيث نسمع جملة ستالكر " لا أحد بحاجة للمنطقة". ومع ذلك فهي مستمرة في الوجود تبدأ باهتزاز وارتجاج كأس عند مرور القطار الذي نسمع صوته ولا نراه. ينتهي الفيلم أمام ثلاث كؤوس تحركها نظرة الطفل عن بعد، ويبقى ستالكر يثير الدوار فهو فيلم بعيد عن باقي الأفلام فإنارته الخاصة تبهر كل من يقترب منه. 

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media