سياسة الوعود بين إنصاف العدالة وتبادل الاعتراف
    الأربعاء 25 مارس / أذار 2020 - 06:32
    د. زهير الخويلدي
    كاتب فلسفي
    استهلال:

    "أنا أكون لأني قادر على الوفاء بالوعد"1[1]

    يبدو من الجهل القول بأن بول ريكور لا يعرف السياسة من جهة التفكير والممارسة ، فهو قد ترأس قرابة عقد كامل الحركة المسيحية الاشتراكية من سنة 1958 إلى سنة 1969 التي انتمى إليها روكار ميشيل، كما أنه تدخل في الحرب التي اندلعت بين المدرسة الجمهورية والمدرسة الكاثولوكية واقترح جملة من الحلول الجريئة والمبتكرة ولكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ ، ثم انه قد ترأس الفدرالية البروتستانتية للتعليم وتم تعيينه من أدغار فور الوزير الأول عميد كلية نانتير وبعد موافقة غير مباشرة من شارل ديغول وهي مسؤولية سياسية تحملها في وزارة التربية ولقد قَبِلَ هذا التعيين ضمن منظور تخيلي للمؤسسة ودورها في حوكمة الادارة واصلاح الجامعة2[2]. إن التردد المنهجي الذي وجد فيه بول ريكور نفسه بين الهرمينوطيقا والفنومينولوجيا وبين فن القصص السردي والمعرفة التاريخية لا يمكن تخطيه وفهمه إلا بالاعتماد على الفنومينولوجيا الهرمينوطيقية التي تجمع بين التأويل والوصف وبين النقد وإعادة التشكيل وبين تفكيك اللاّمعنى وإنتاج المعنى حول العالم. كما أن تناول مسألة الوعد عند السارد الفاعل لا تخلو من مغامرات تخترق الأنساق ورهانات تضرب في الآفاق لما يقتضيه الكلام عن الوعد من استدعاء للمستقبل على حساب الحاضر والاستنجاد بحكم الحارس والتعويل على الضمير تحليا بالمسؤولية وتعبيرا عن الالتزام طلبا لشهادة الآخر الموعود أمام فعل الواعد. والحق أن الكل يرغب في الاعتراف من الكل ولا أحد يقتدر على تحقيق الرغبة من طرف واحد بشكل تام، والمفارقة تكمن عندما تتسبب العدالة نفسها من حيث هي ممارسة قانونية ذات أرضية سياسية في تأخير الاعتراف وتكرس الازدراء والتفاوت والتهميش وتُبقِي الحقوق الديمقراطية مجرد وعود وأقوال. لكن يمكن التمييز بين وعود مكتوبة ووعود شفوية وبين وعود صعبة التحقيق ووعود سهل المنال وبالتالي التشبث بالوعود هو نوع من الحلم اليوتوبي والسخرية من الوعود هو تعبير عن وعي تاريخي وحس ناقد. في الواقع ان الوعود الأكثر صلابة هي المرتبطة بالقناعات الوثوقية مثل وعود الدين والايدولوجيا والعلم والأعراف بينما الوعود الأقل صلابة تبقى مجرد ظنون وتخمينات مثل الوعود الاقتصادية والسياسية والعاطفية ، ولذا يتراوح قطع الوعد بين الاتفاق على موعد والالتزام بالعهد وإبرام العقد والوفاء للحب. بهذا المعنى تكون وظيفة الهرمينوطيقا النقدية هي الحكم والتمييز بين وعود تأسيسية مصيرية يفترض أن يتم الوفاء والالتزام بها ووعود ترقيعية التفافية يجب كشف حيل السلطة في نطاقها وبؤر الرغبة في لغتها.

    يراهن هذا المبحث على فهم الايتوس السياسي المعاصر ضمن المنعطف القانوني  للرد على التوتر القائم بين الديني والمدني عبر تأويل الوعد  لكي يكون ممرا آمنا من العدالة إلى الاعتراف عبر وساطة السرد.

    القسم الإشكالي:

    كيف يحترم المرء الوعد الذي قطعه على نفسه؟ ماهي الشروط التي يجب أن تتوفر لكي ينجز ما وعد ويصبح حرا وينعت بالمصداقية ؟ وإذا امتنع عنه ذلك أليس عدم الوعد أفضل من وعد لا يتحقق؟ هل يعد المرء بالكثير من أجل تحقيق القليل؟ ما وجاهة التباطؤ في قطع الوعود من أجل الحرص على الوفاء بها؟ ألا يمثل الإخلاف بالوعود رذيلة وخروج عن الأخلاق المروءة؟ ماهو العقاب المناسب للإخلاف بالوعد؟ أين يمكن تنزيل الصفح أو الغفران في هذا السياق؟ وأي قيمة للوفاء بالوعود مع الأعداء؟ أليس من البلاهة الإكثار من الوعود دون تجسيم ووفاء؟ وبأي معنى يكون من أعطى وعدا بمثابة من قيد نفسه بالالتزام به؟

    لكن من يعد من؟ بماذا يعد؟ أي ماهو موضوع الوعد؟ ولماذا يقدم وعودا؟ ومن أجل ماذا؟ وماهي الوسائل التي يعتمدها؟ أي بماذا تقطع الوعود؟ وماهي التبعات الحاصلة عن الالتزام بالوعود أو عن الإخلاف بها؟  وهل النقص في الاعتراف ناتج عن التلاعب بالعدالة أم إساءة استخدام الذاكرة والتنكر للوعود المقطوعة؟ وكيف يحوز تسجيل الوعد على الحدود الرابطة بين الهوية السردية والهوية الإيتيقية على مشروعيته؟

    بيد أن التحدي الأول تفرضه الصلة بين الوعد من حيث هو قيمة أخلاقية ومبدأ معياري يستخدم في تنظيم العلاقات بين الأفراد والمجموعات والهرمينوطيقا من حيث هي نظرية في تأويل النصوص المكتوبة والأقوال الشفوية الموروثة والأعمال الرمزية التي تندرج ضمن الفن والتاريخ والدين والحياة وأيضا بوصفها تجربة لغوية تهدف إلى استخلاص المعنى وفهم الحياة البشرية ومعرفة غير المعروف فيها.

    التحدي الثاني يفترضه استدعاء الفلسفة السياسية بغية النظر في قيمة إيتيقية والتأكيد على فكر سياسي مختلف والتركيز على الزوج المفهومي المتكون من الاعتراف والعدالة والأول من أجل علاج الازدراء والتأكيد على الكرامة والمشاركة والثاني من أجل الحد من التفاوت والاقتراب من المساواة والإنصاف.

    التحدي الثالث هو المخاطرة التي تقوم بها الفلسفة عندما تقدم وعودا وتتناول من جهة المبدأ مسألة الوعد وذلك للخطورة التي يكتسبها هذا المفهوم وما يترتب عن الإخلال به من تداعيات سلبية وتبعات مجهولة ، إذ يفترض تسلسل للوعود إلى ما لا نهاية أي وعد قبل الوعد المتعهد به ووعد آخر بعده ضمن علاقة الأنا بالآخر والنحن بالهم، وهناك وعود على مستوى الأقوال تريد أن تتحول إلى أفعال ملموسة ووعود مكتوبة تنتظر التحقق بإخراجها من دائرة الافتراضي الممكن إلى دائرة الواقع المتعين، بالإضافة إلى وعود دينية مبلغة يتم التخلي عنها عبر مسارات للعلمنة والتحديث ويتم استبدالها بوعود سياسية وحقوق مدنية3[3].

    فما الفرق بين الوعد بالمعنى الإيتيقي والعقد بالمعنى السياسي؟ وهل يتم التخلص من الشراكة الاقتصادية والميثاق الديني؟ وكيف يمكن الاستفادة من الانعطاف الإيتيقي في الدراسات الفلسفية في الوفاء بالوعود؟ ما قصة الوعود التي لا نجد لها أثر في الواقع؟  ألا يتنزل الوعد ضمن التلازم التداولي بين القول والفعل بحيث لما يتم التعهد قولا فإن الوفاء يكون فعلا؟ولما لا يلتزم بها من قطعها على نفسه ولا تعرف طريقها؟ ماهي الوعود التأسيسية التي تميط الهرمينوطيقا عنها اللثام باشتغالها على الموروث الديني؟ والى مدى تتعرض الفلسفة للمساءلة عندما تطرق باب الوعد؟ وماهو الخطر الذي يمثله الوعد على الساحة السياسة؟ وهل المطلوب هو سياسة خالية من الوعود أم يفترض أن تلتزم السياسي بالوفاء بالوعود التي تعهد بها؟ وبأي معنى يشيد كل من الاعتراف والعدالة (التعارف العادل) الطريق الملكي نحو مجتمع غير شمولي؟

    يمكن تجاوز هذا التباين الظاهر بين المصطلحين بالانتباه إلى وجود خيط رابط رهيف بين هرمينوطيقا الذات والقدرة على الوعد وبالتفكير في المفارقة الأولى التي تدعو إلى الاحتراس من إطلاق الوعود دون تروي وبينة من القدرة على الوفاء بممارسة تأويل الوضعية ومعرفة فضاء التجربة وفهم أفق الانتظار.

    الإشكالية المركزية: هل حركة الوعد التي يقطعها الإنسان على نفسه هي شكل من أشكال التمثل الذاتي للذات أم أنها استجابة للذات نفسها في المستقل واستجابة للذوات الأخرى و العلاقات المستقبلية معها؟

    في هذا السياق يتنزل سؤال ما الإنسان؟ الذي طرحه كانط ، في إطار بحثه عن تعريف نقدي للفلسفة الكونية ، في نهاية سلسلة الأسئلة التمهيدية: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا يجب علي أن أفعل؟ وما الذي يجوز لي أن آمل؟ ، هذه الأسئلة الثلاثة ليست وحدها القادرة على التمهيد للسؤال الحاسم ما الإنسان؟ بل يجب ألا تبقى أسئلة ثلاثة متنوعة وأن يظل الجواب مقيد بالضرورة بسلسلة من المراحل التمهيدية (المعرفة والأخلاق والدين) وإنما يمكن التركيز على السمة الحاسمة التي يتضمنها الضمير أنا je في كل واحدة من هذه اللحظات الثلاثة: أنا أعرف، أنا أفعل، أنا آمل. يتحقق كل ذلك عن طريق البناء غير المباشر والتطوري لمعنى أنا الذي تتحرك ضمنه مصادر الفلسفة الأنثربولوجية بقسميها التحليلي اللغوي والفنومينولوجي التأويلي4[4].

    والحق أن "الجواب السالب للسؤال حول من أنا؟ يحيل ليس فقط إلى السلبية بل أيضا إلى عري السؤال في حد ذاته"5[5]،هنا يجب استبدال أنا بالشخصية التي تكون في صورة محايدة من أجل التعبير عن الذاتSoi نفسها التي يمكن وصفها تخيليا. لعل السؤال الفلسفي من أنا؟ (qui suis-je ? ) يفيد السؤال: من يقدر على ماذا؟ Qui peut quoi ? الذي تم طرحه في اللاحق لتعديل الأسئلة التالية: من يريد ماذا؟ (qui veut quoi ?) من يقدر على الكلام؟ من يقدر على الفعل ؟ من هي الذات التي تقدر على تحمل تبعة أفعالها بالمعنى الأخلاقي؟ ومن يقدر على الوعد؟  (qui peut promettre ?) هل من الممكن توضيح القدرة على الوعد من خلال دراسة الأسئلة التالية من حيث هي تمثل خيطا ناظما: أي نوع من الفعل يتضمنه الكلام عن فعل الوعد؟ ومن يطرح أسئلة مليئة بالوعد؟ وأي رابط يمكن أن تشييده بين الوعد وفعل قطع الوعد؟ وماذا يعني التصريح بالمسؤولية تجاه الوعود؟ والى أي مدى تتحقق المسؤولية فرديا وجمعيا؟

    في هذا الإطار ينطلق الجواب الذي يضعه ريكور قيد للاختبار من فكرة الإنسان بلا صفات:l’homme sans qualités ،القول بأني لا شيء ينبغي أن تحافظ على شكلها المفارق: لاشيء يعني أنه لاشيء بالفعل يمكن إضافته إلى الأنا ، فمن هو الأنا عندما يقال عنه أنه لا شيء؟ انه بالتحديد ذات محرومة من نجدة الهوية mêmeté  6.[6] لقد تم المرور من أنا مَن يريد Je suis celui qui veut إلى أنا مَن يقدر Je suis celui qui peut، فالوعد إذن هو حركة أو فعل يتم استكماله بواسطة فاعلين من الناس هم الواعد والموعود والشاهد عليهما.

    القسم المفهومي:

    1-الوعد promesse هو الإخبار عن عمل أمر معين في المستقبل وهو من الأمور التي لا يفعلها سوى الأوفياء من الناس الذين يخلصون النية ويتخلصون من النفاق ويتحلون بالالتزام. بذلك يسمح الوعد بأن يقوم الأنا بإخبار شخص ما بأنه سيقوم بعمل ما في المستقبل من أجله، ويعتبر الوفاء بالوعد من الأخلاق الحميدة التي يجب التحلي بها. لكن الخطورة أن يكون عناد الإرادة عند تصلب الأنا هو المرض الخفي للوعد. لقد اقترن الوفاء بالوعد باحترام المواعيد واستيفاء العهود وأداء الأمانات إلى أهلها وتقدير كرامة الإنسان. من الناحية الاصطلاحية  الوعد الصادق هو كلام الشرف والتواصي بالحق والتناصح بالصبر والالتزام بالتطبيق وتحمل المسؤولية. فالإنسان يتميز عن غيره من الكائنات بتقديم الوعود والإصرار على تحقيقها وبالتالي هو قادر على تقديم الوعود والاتجاه نحو الوفاء بها ولكن عندما تذهب وعوده سدى ويفشل في الالتزام نظرا لكثرة العراقيل وتزايد الرغبات والموانع فإنه يعزف عن التصريح بالوعود لتفادي الإخلاف والوقوع في الكذب والنفاق.

    2- الاعتراف reconnaissance : المحنة التي لا يمكن التعرف عليها من طرف الكل وما لا يمكن الاعتراف به épreuve de méconnaissable  ،غير أن الذات القادرة على الاعتراف soi capable de reconnaissance، قد تحقق المعجزة الصغيرة في الاعتراف إذا ما كان تعيين الهويةreconnaissance-identification  يغادر المعروف من الذات وقد يبلغ مستوى عال بالاعتراف بغير الذات عينا   Reconnaitre soi-même comme un autre.

    3-العدالة justice : التركيز على فاعل العدالة: العادل، وعلى واجب العدالة، والإنصاف هو العدالة التوزيعية7[7]، والاقتراب من فكرة دوائر العدالة عند مايكل والزر بالقول بوجود حالات متعددة تطبق فيها العدالة وفق وضعيات مخصوصة والتقليل من أهمية القواعد العامة والقوانين الكلية ومراعاة الروابط الاجتماعية والنظام الرمزية التي تتقاسمه المجموعات والمنطق الداخلي الذي تدرك به كل مجموعة انتمائها للكل8[8]. لقد كشف ريكور عن وجود علاقة قرابة بين المبدأ الثاني للعدالة عند رولز حول التوازن المعقول والقناعات الأكثر أهمية ووصية الحب والتي ساعدته بأن يجازف بإظهار الشكل المتخفي لتقديرها النفعي9[9]. كما يسعى ريكور إلى تأكيد الفعل التعاضدي للحب والعدالة وذلك بتوجيه مسار الأخلاق لا إلغائها من أجل تصحيح مسار السياسة بإعادة قاعدة العدالة ضد ميلها النفعى باستخلاص المضمون المعياري للحب واعتبار التعريفات التراثية الدينية الثلاثة : النظرة المتساوية والتضحية بالنفس والمعاملة بالمثل صورا للحب تسبق العدالة. هكذا يحاول ريكور إيجاد توازن في الحياة اليومية على الصعيد الفردي والقانوني والاجتماعي والسياسي قابل للممارسة يصل إلى حد الإدماج الثابت بين الرأفة والسخاء في القانون الجنائي وقانون العدالة الاجتماعية ولقد تحفظ على وجود نظرية تداولية للعدالة10[10]، ورأى أن تكون العدالة الوسيط الضروري للحب بينما لا يستطيع الجب أن يدخل دائرة الممارسة والأخلاق إلا تحت مظلة العدالة11[11].

    4-الهرمينوطيقا Herméneutique :l’art de comprendre

    تكمن الهرمينوطيقا في نظرية أو فن الترجمة، والتأويل: لرسالة، أو حلم، أو أعراض لأمراض، أو قانون، أو علامة، أو نص. تتطلب هذه الملكة التأويلية للنصوص نظرة ثاقبة مثل تلك التي يتم بها تأويل خريطة. دعونا نسمي هذه الملكة  معنى الاستفهام في النص والتفريق بين أسئلته ، أي الملكة التي تمكن الذات من تخيل وجهات نظر مغايرة لوجهة نظرها الأصلية وتتصور أسئلة أخرى مختلفة عن السؤال الخاص بها. فكر الرمز، علم التأويل، التأويلية، منهج التفسير، الفلسفة التفهمية، فن الفهم. يجمع من خلال فلسفة التأويل بين نظرية المعرفة ونظرية الوجود وبين الارتياب والإقرار وبين العوالم الرمزية وعالم النصوص وبين فهم الذات والمنعرج اللغوي وبين الإبداع الدلالي والتحبيك السردي وبين حكمة التعقل ونظرية الفعل. في الواقع البحثي والمعرفي ليست الهرمينوطيقا عند ريكور هي التفسير الديني exégèses bibliques وإنما تتناول مسألة التأويل بشكل دائري بين التفسير والفهم وتهتم بالأسس والغايات التي تتضمنها النصوص والعلامات النفسية. بهذا المعنى الهرمينوطيقا في البداية اهتمت بتحليل للرموز ثم تناولت بالدرس مختلف الاستعارات وبعد ذلك عرجت على تحليل القصص التاريخي والادبي وتأويل السرديات وعلى إثر ذلك انتقلت إلى نقد الأحداث التاريخية وتعقل الأفعال البشرية والظواهر الذاكرية والتجارب السياسية.

    القسم التحليلي:

      الخطوط الكبرى للتحليل الهرمينوطيقي للوعد:

    لم يبلور بول ريكور تحليلا فلسفيا مرموقا (على شاكلة الوصف الفنومينولوجي أو التجربة التأويلية) عن مبحث الوعد إلا في المؤلفات التي كتبها بعد عام 1990 زمن"عين الذات غيرا" باعث هرمينوطيقا الذات وحينما دون سيرته الفلسفية ورحلته الوجودية بأسلوب شيق ضمن كتاب "مسار اعتراف"عام 2004.  صحيح أن الكتابين تناول نفس المبحث: الوعد promesse وضمن نفس ورشة الهوية الشخصية، ولكن الاختلاف كان بينا في طريقة المعالجة والسياقات والرهانات حيث جعل ريكور في الكتاب الأول مفهوم الوعد  في تعارض مع الطابعcaractère  وفي الكتاب الثاني وضعه وجها لوجه مع الذاكرةmémoire  .

    -         التحليل الأول: الوعد والطبع:

    الوفاء بالوعد هي النظرية الخارقة التي أبدعها ريكور في كتاب "عين الذات غيرا" وذلك عندما حرص على ربط إثبات الإنية وتحقيق كينونة الموجود بامتلاك القدرة على الوفاء بالوعد والالتزام بتنفيذ الأقوال. وإذا كان المرء يشهد الكثير من التغيرات منذ طفولته إلى كهولته مرورا بزمن الشباب فإنه يقوم بتطوير عدد من طباعه وعاداته وأذواقه في مأكله وملبسه ويذهب إلى حدود استبدال مواقفه السياسية والأخلاقية. وقد يتاح له تغيير ملامح وجهه من خلال عمليات التجميل ويمكنه أن يغير كل شيء من ذاته إلا كيانه، إذ كيف يشتغل في هذه الظروف من اجل المحافظة على شيء معين فيه يمكنه من التمييز بين الحق والباطل؟ ومن أنا في هذا التنوع بحيث يمكن الاعتماد عليّ  ؟ وكيف أكون أصون ذاتي وسط التغيرات التي أحياها؟

    ما يحافظ على هوية الذات متماسكة وسليمة بالرغم من تغيرات الزمن هو إعطاء وعود عن طريق الكلام، لأن عملية التصريح بالوعد من خلال القول هو التعهد بالالتزام به في فترة لاحقة والوفاء بصورة ملموسة في المستقبل من جل الغير الذي قلت له ذلك12[12]، فالغير لا يمكنه التصرف إلا عبر الوعد الذي تعد به الذات13[13].

    على الرغم من التغيرات ، فإن الذات تظل قادرة على الوفاء بوعده لعدة أيام وأعوام وعلى طول حياتها وحتى في ظل غياب الغير الذي كانت قد قدمت له وعدا بالكلام من أجل الالتزام بالمبدأ وإرضاء الضمير. فالهوية لا يمكن تصورها دون أن تحرز على دوام زمني مقبول. لهذا انصبت كل مجهودات ريكور حول تحيين نموذجين من الدوام في الزمان يختص بهما شكلان من الهوية الشخصية يشار إليهما بالعينه والذاته. بطبيعة الحل الهوية العينية هي هوية تطابقية عددية تتحرك وفق نموذج الطبع بينما الهوية الذاتية هي هوية مركبة من العديد من الأبعاد وتغير جملة من المتغيرات وتجد في الوعد رمزها الإبداعي والمحرك الذي تفجر به قدراتها على الخلق والتطور والتجديد وإعادة تشكيل الذات والتوجيه نحو المستقبل وفق اختيارات سديدة.

    اللافت للنظر أن مصطلح الطابع سجل حضوره منذ الكتابات الأولى بول ريكور وخاصة أطروحة فلسفة الإرادة من خلال قسميها: الإرادي واللاإرادي والإنسان الخطاء، ولقد تم تصويره في صورة معارضة لقطب آخر، إذ كان قد شكل البعد المتناهي من الشخصية وطبيعته غير المختارة وبالتالي كان قد رسم حدودا لشكل من الهوية هو تحديدا الهوية العينية وكان قد تسبب في بقاء الذات هي عينها. في هذا المقام نجده قد صرح: " هذه الجوانب المختلفة للتناهي –منظور، حب الذات المنبثق من الذات ، الإدمان والقصور- تجتمع كلها في الطبع...إن الطبع هو الانفتاح المتناهي لوجودي ، مأخوذا ككل."14[14] أما في كتابه "عين الذات غيرا"  فإن ريكور يعيد تأويل مفهوم الطبع بما يسمح له بربطه بالاستعدادات المكتسبة والرموز الثقافية وذلك لكي يقوم بإزالة خاصية الثبات التي يتصف بها وينزع عنه الاستقرار وينسب ما يسمه من بعد كلي.

    -التحليل الثاني: الوعد والذاكرة:

    في القطب المقابل يوجد الوعد، ومعه أصبح بالإمكان اقتران الفعل بالقول تصديق لعبارة أوستين : أن أقول هو أن أفعل"، وبأكثر دقة: أن أعد هو أن ألتزم في الغد بانجاز ما قلت اليوم بأني سأفعله. بيد أن إمكانية الوفاء بالعهد المقطوع عند الكلام المعطى تشير إلى استمرارية في الزمان لنوع آخر من صيانة الذات حيث تظل في تجردها تصارح نفسها بالتغير والتبدل عوض أن تطابق مع الهوية العينية للأشياء. على هذا النحو يقوم ريكور بحجز مصطلح الإنية ليمنحه للهوية الذاتية التي لا تقبل أن يتم اختزالها في الهوية العينية. لكن لا يمكن اختزال مشكل الوعد في قضية صيانة الذات من خلال حفظ كيانها من التغير وإنما يتم منح هذا القول إلى آخر ، أي كل قول معطى هو مقيل إلى آخر وبالتالي يحقق منفعة الآخر. إن هذه البنية الحوارية هي التي تحفظ الوعد من المخاطر التي تستهدف والتي نبه منها كل من نيتشه ودريدا.

    إن الوعد بماهو التزام بالمستقبل يصلح غير المتوقع ويتفادي الطارئ والمفاجئ والمداهم ويمكن أن يصير حسابا أو برنامجا يكشف من خلالهما عن إرادة صلبة وعنيدة والوسيلة الوحيدة التي تجنبنا هذا الخطر هي قلب نظام الأولوية بين الذات الواعدة ومنفعتها. إن الالتزام تجاه الغير يسبق ويؤسس الالتزام بإتمام الفعل. من هذا المنطلق يتحرك الوعد ضمن مطلبين أساسيين: الأول هو ضمان استمرارية الإنية عبر محافظة الذات نفسها على هويتها بالاستجابة لمطالب الآخر، والثاني يشهد على انجاز الإنية عبر وساطة الغيرية. في "مسار الاعتراف" يعمل ريكور على جعل الذاكرة تساهم في بقاء الهوية العينية دون أن تتناقض مع الدور المسند في السابق إلى الطبع ولكن يشير إلى أهمية البعد الزمني للطبع والزمانية الخاصة بالوعد. إذا كان الطبع هو الموضع الذي يترسب فيه الماضي الشخصي وتحرص الذاكرة على صيانته من التلاشي فإن الوعد يهتم بمعاصرة كل مبادرة تجعل من المستقبل أمرا ممكنا وتتيح إمكانية ولادة ثانية للذات عينها.

    من المعلوم أن الوعد عند ريكور يعد إلى جانب الذاكرة وبدرجة أقل الصفح أحد الأقطاب التي تعول عليها الذات من أجل أن تصل الهوية الشخصية إلى مرتبة الاعتراف بذاتها وبالتالي يمثل الوعد هنا البعد الزمني للاعتراف بالذات ويتأسس في ذات الوقت على تاريخ الحياة للذات والتزاماتها تجاه المستقبل لمدة طويلة. لكن إذا ظهر تعارض واضح للعيان بين الهوية العينية  la mêmetéوالهوية الذاتية l’ipséité كيف يتم إيجاد واسطة بينهما؟ وكيف يتسنى للهوية الشخصية التي تتميز بالدوام في الزمان أن تعيد تشكيل نفسها بالاستقطاب لغيرها وبالانفتاح على العالم والتطور تحت تأثير التجارب والاستفادة من تغيرات التاريخ؟

    يعهد بول ريكور إلى مفهوم الهوية السردية القيام بهذه المهمة ولكن هذا النمط من الهوية من حيث هو نمط سردي يجد في صورة الشخصية البارزة personnage الأسلوب المناسب لانجاز الذات على أحسن وجه. على خلاف مفهوم الطبع الذي تعود الأدب الكلاسيكي على تعريفه بكونه تصور الذات لنفسها وفق نموذج المماثل يقوم ريكور بتوظيف مفهوم الشخصية التي لا تتحدد بماهو كائن فيها بل بما تقوم بفعله في الحال. عندما تشترك الشخصية في الحبكة بطريقة نوعية من جهة وتنخرط في سلسة من الأسباب والنتائج بطريقة مغمورة وحاملة معها ماضي موروث وطبع معين تتفرد به فإن السرد يحوز على القدرة التي تمكنه من منحها مبادرة من أجل الشروع في القيام بسلسلة من الأحداث وانجاز أفعال من جهة أخرى. إذا كانت الذات هي التي تقوم بالفعل فإنها تغوص في نسيج يفيض عليها ويسبقها ولكن يسمح لها بأن تمزق هذا النسيج وتخرج لكي تشيد شيئا آخر، فيمثل "السرد تاريخ هذا المرور من الواحد إلى الآخر"، ويكون ليس فقط تاريخ هذا الانتقال بل الموضع الوحيد الذي جرى فيه والشرط الوحيد الذي يجعله ممكنا. إذ كيف يمكن تجميع الحياة التي تتكون من فترات متقطعة وعناصر المتعددة وتجارب مشتتة في أمر واحد سوى السرد؟ ألا يمكن للشخصية التوسط بين قطبي الدوام في الزمن لجلب حل سردي للهوية الشخصية؟ وهل يمكن التعويل على الوعد في عملية ثبت الهوية الذاتية والالتزام بالعدالة؟

    تحتل ظاهرة الوعد مكانة أساسية في المشروع الفلسفي عن ريكور الساعي إلى بناء هرمينوطيقا للذات، ولقد وضعه في كتابه "الذاكرة ، التاريخ ، النسيان" في قرابة مع مفهوم الشهادةTémoignage  أين نجده يقول:" إن الوعد قبل أن يكون وعدا هو وعد المحافظة على الكلمة وبالتالي يتفادى الوعد الذي يعد نفسه. فما الفرق بين la promesse de tenir parole و la promesse elle même promise؟

    هذه هي الخطوط الكبرى للتحليل الهرمينوطيقي للوعد كما قدمها بول ريكور في قسم كبير من مؤلفاته ، فكيف يمكن قراءة عمل فني يصف ما يحدث عندما يضع عدد من الممثلين تخيليا وسط حبكة شخصية تقطع على نفسها وعد ويكون ذلك هو فعلها الأول؟

    الرهانات العملية: تقاطع الاعتراف والعدالة: في التعارف العادل بين الإنية والغيرية عن طريق الوعد.  لقد بحث مؤلف الإنسان الخطاء من خلال فلسفته السياسية والقانونية عن منزلة العادل في المدينة وانتبه إلى أن أزمة المشروعية التي تعاني منها الديمقراطيات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم تجد طريقها إلى الحل والانفراج وأن المطلوب هو إعادة تثمين السياسي عن طريق الاهتمام بمسألة الحق ومحاولة التأليف بين قدرات الذوات على استهداف الخير المشترك والأخذ بعين الاعتبار الوضع الهش الذي يكون عليه الأشخاص وتعرض المؤسسات إلى إمكانية التعطيل وإيجاد تقاطعات بين التوجهين من أجل ممارسة الحكم واتخاذ القرار الذي يؤول العادل في الوضعيات الخاصة ويقوم بتوزيع ما يستحقه كل واحد حسب حكم القاضي ومطلب المواطن بما يسمح بإعادة بناء رابط اجتماعي متين في مدينة مابعد صناعية ملتهبة15[15].

    لقد صاغ ماكس فيبر مجموعة وعود العالِم عبر إتقان التركيب بين التفسير والفهم في دراسة الظواهر الإنسانية بغية توخي الفردانية المنهجية التي تلازم الحياد الأكسيولوجي على الصعيد الإيتيقي وترد الكيانات الجماعية إلى إنشاءات متفرعة عن تفاعلات بشرية وتقف على تلاشي سحرية العالم وطالبة الخلاص والإنقاذ من المعقولية التاريخية التي لا تزال تمثل أداة تحرر وفعلا مقاوما للإغراء العدمي الذي تمثلته النظريات النقدية 16[16]. بيد أن حارس الوعود حسب أنطوان غربون الذي قدم له ريكور يظل متمسكا بالمؤسسات القانونية للدولة الديمقراطية من أجل مواجهة التناقض الصارخ بين أزمة الشرعية التي تقلص نفوذها على الحياة العامة وظلم العدالة التي قوننت الحياة العامة والخاصة قصوويا وارتكبت الكثير من التعسف والقسوة17[17].  لكن ما طبيعة المؤسسات العادلة؟ وكيف انتقل ريكور من مفهوم العدالة إلى معنى العدالة؟

    تدبير المؤسسات العادلة:

    "لا يقلل معنى العدالة  أي شيء من الاهتمام. انه يفترضه الى درجة أنه يتمسك بالأشخاص الذين لا يمكن الاستغناء عنهم. من ناحية أخرى، تضيف العدالة الى الاهتمام بقدر ما يكون حقل تطبيق المساواة هو الإنسانية جمعاء"18[18]

    لقد تحدث فلاسفة السياسة عن الدولة المدنية وعن عقل الدولة الكلي في مقابل عقول الأفراد الجزئية وعن العدالة ولكنهم لم يولوا عناية كبيرة ما عدى قلة منهم بمسألة المجتمع المدني وعن مؤسساته وبالخصوص الأسرة والشغل والشرطة ونظام الحاجات ودورها التوسطي الضروري للمرور من جزئية الفردي الى كلية الدولة من زاوية تحقيق المنفعة الاجتماعية والاقتصادية19[19].  بهذا المعنى يعتبر بول ريكور فيلسوف الإيتيقا التي تقدم وعدا للمواطنين بأن يعيشوا في حياة جيدة ومستكملة مع الغير أو الآخر في المؤسسات العادلة وأن تتوزع العدالة السياسية على مجموعة من الدوائر ولكنه أضاف جملة من الملاحظات النقدية حول صفات العادل والعلاقة بين الرئيس والفيلسوف وقام بالتمييز الإجرائي بين خصائص المؤسسات العادلة والمبادئ المعتمدة والتطبيقات الممكنة20[20].

    لقد ركز ريكور على دور المؤسسات في استهداف العدالة وبحث عن استمراريتها في أداء دورها ومحافظتها على اشتغالها الناجع وآدائها لوظيفيتها وفرق بين الجيد والعادل ووضع بين الحياة الجيدة والمؤسسات العادلة وسيطا ضروريا هو الحياة المشتركة للذات مع الآخرين ومن أجلهم.

    لكن ماهي العلاقة بين النظرية والممارسة أثناء تطبيق القوانين المنظمة من طرف المؤسسات لكي تكون عادلة بالمعنى الحقيقي للكلمة؟ وألا يجب أن تخضع الممؤسسات للحوكمة الجيدة؟

    يقوم ريكور بوضع الحدود التي تتوقف عندها التصورات الإجرائية21[21] لدولة الحق أين يتم تثبيت المعضلات التي تعاني منها الديمقراطية ويحاول تنظيم المواجهات بين التصورات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضن المؤسسات دون أن يبلغ حلا نهائيا حولها. من المعلوم أن البديل المقترح من طرف بول ريكور عن التصور الإجرائي هو التجاوز النوعي من خلال اليوتوبيا ضمن الاطار الديمقراطي للعادل المفهوم كمساواة دون التخلي عن الكفاح من أجلها. ماذا ينبغي أن يفعل الكائن البشري لكي يعيش حياة جيدة؟ وماذا يجب أن يستهدف لكي يحيا جيدا؟

    في الواقع من يريد من السياسي العادل أن يبلور له حياة جيدة ينبغي أن يعيش في مؤسسات عادلة وأجهزة ناجعة وأن يكون إنسانا قادرا على الكلام والفعل والوعد والاختيار والمبادرة وعلى العزوية ويجب أن يحرص على تقدير الذات واحترام المؤسسات وأن يعمل على دوام هذه المؤسسات. كما تتمحور السياسة العادلة عند ريكور حول دائرة الاهتمام بالغير والعناية به ومواساته والاشتياق إليه والتعاطف معه والتأثر به والتواصل معه ومؤازرته عند الضرورة وتقديم العون له عند الحاجة والارتباط به ومع غيره في علاقات شائكة ومعقدة في الحياة الاجتماعية من الولادة إلى الوفاة والتحول إلى رهينة الآخر ومتقبل سلبي أمام حضور الغير دون امتلاك أي قدرة ايجابية. بطبيعة الحال لا يقدر الإنسان أن يعيش حياة جيدة وهو في حالة عزلة ومنطوي على ذاته ولا تجمعه علاقات مع غيره ولا ينتمي إلى جماعة تاريخية ولا يشكل جزاء من البنيات الاجتماعي للعيش المشترك. من هذا المنطلق تساعد الإيتيقا من خلال مجموعة من القواعد الذهبية الكائن الإنساني على التمتع بالحياة الجيدة والمستكملة وذلك باستهداف معنى العدالة وعدم الاكتفاء بمفهومها النظري وشكلها القانوني وبمحبة الخير للغير على نفس منوال محبة الخير للذات والتضامن معه ومساندته عند الشدائد. على هذا الأساس تقف المؤسسة السياسية على نفس المسافة الفاصلة بين الأنا والآخر وتتميز بالحياد والموقف المتوازن من القوى المتصارعة وتتعامل بالتعاطف والمحبة والشفقة والتآزر. إذا كانت فكرة العدالة تفور الإطار القانوني لاحترام الغير من حيث هو مواطن فإن معنى العدالة يمنح الأرضية الإيتيقية للرأفة بالغير من حيث هو شريك والإحسان إليه من حيث هو صديق. بعد ذلك ينتقل ريكور بحذر شديد من سياسة المواجهة والتناظر بين الأنا والآخر في الفضاء المدني إلى سياسة التكامل والتآزر بين المتجاورين في نفس المجال المدني والمتقاسمين لنفس الفضاء العمومي22[22].

    بعد ذلك يعود الى نقد هيجل لكانط في فكرة لااجتماعية الاجتماعي ويعتبر الفعل الأخلاقي بين الأشخاص دون عالم وبلا مجتمع فارغا وغير ناجع ويقوم بتثمين فكرة الأخلاق الاجتماعية23[23] وما تتوفر عليه من شيم ومكارم وأعراف وتقاليد تنظم العلاقات بين الأفراد في الجماعة التاريخية ويعتبر عالم الأنفس الطيبة هو عالم الإرادة الحسنة التي تريد فعل الخير المجرد ولكن ذلك الخير  الفاقد للطابع الكلي وبالتالي يقوم الإنسان بفعل الخير دون أن يتمكن البتة من بلوغه بشكل متعين. لقد أرجع هيجل الأخلاق الى المجتمع ضمن علاقة الفرد مع غيره من الأفراد ومن أجل الآخرين في مجتمع مليء بالرغبات والممارسات والشيم العينية وفي عالم تنظمه جملة مؤسسات سياسية اجتماعية أين تتجسد الأفعال وتتخطى عتبة الجزئي والخاص والعيني لكل تعانق الكلي والكوني. لقد راهن ريكور على دور دولة الحق في بناء مؤسسات عادلة وشركات خاصة تشتغل في الإدارة والخدمات وتنظم الجوانب العمومية على غرار مؤسسات التعليم والصحة والقضاء. لقد ساند ريكور هيجل في تعويضه المبدأ الأخلاقي بالأخلاق الاجتماعية ولكنه تساءل عن عدم قدرتها على منع صعود النازية وكشف عن قوة الأخلاقية في المقاومة وتكنها من تأسيس فكرة معينة عن الإنسان العادل خارج إطار النسق السياسي الشمولي الذي اقترن مع الكارثة النازية. إذا كان هيجل يحيل العدالة إلى المجتمع فإن ريكور يفضل إحالتها إلى المؤسسات الشرعية من حيث هي شبكة تنبض بالحياة والفعل ومجال نشاط الفرد الإنساني من حيث هو ذات قادرة على بناء علاقات مع الأشخاص لا على قاعدة المحبة والصداقة حيث يغيب التبادل وتحضر الهدية وانما على قاعدة التوزيع المتوازن والتكامل الحقيقي حيث تتشكل صورة كل واحد ليس بوصفه أي كان وانما من حيث هو الشريك في النسق التوزيعي والذي يكون المستلم للقسمة العادلة24[24]. هل يمكن تأسيس مؤسسات عادلة بالمعنى الحقيقي للكلمة في دولة انطلقت في البناء الديمقراطي؟

    تزايدت الشكوك حول علاقة المؤسسات الدستورية والسياسية بالعدالة وظهرت نزعة ريبية إزاء صوابية المؤسسات وفقدت الثقة في بلوغ دولة ديمقراطية قد تبتعد عن القانون وتقع في العنف. في هذا الصدد يفسر بول ريكور الهشاشة الكبيرة التي تتصف بها العلاقة البيذاتية وصعوبة تشييد حياة جيدة مع الآخرين ومن أجلهم بالتنبيه إلى عوامل كثيرة وأسباب عديدة على غرار طغيان النزعة الفردية وفقدان النزعة الاجتماعية وتزايد أشكال الانقسام والتنازع وتراجع التعاونية والقدرة على التفاهم. لقد أثر التعقيد الذي يتصف به المجتمع المعاصر على شروط التواصل وفرص الحوار وإمكانية إيجاد نقاط ارتكاز مشتركة وابرام تسويات بين المواطنين ودفع المستقبل إلى طرح أسئلة شائكة على المهمشين وتحميلهم مهام عويصة ليست من مشمولاتها وبالرغم من إقصائهم قواعد اللعبة. لقد أيد ريكور فكرة المجتمع الذي يتكون من ثقافات متعددة التي نادى بها تايلور ونقد النزعة الكونية المجردة عند هابرماس ورولز التي لا تعرف سوى بالمواطن الذي يقدم الحجج وليس الناس الذين يعيشون حياة طبيعية ووينتمون الى جماعات تاريخية ولهم عادات وتراث رمزي25[25]. غني عن البيان أنه يتعذر بناء مؤسسات عادلة لا تراعي الثراء الذي تتصف به الهوية الثقافية للأفراد على مستوى المضمون والقناعات الدينية والممارسات الاجتماعية التي يقوم بها المواطنين بصورة عادية. كما يقر ريكور بوجود مشكلة فيما يخص الكلي المجرد الذي يزعم إمكانية إلغاء جميع الفوارق بين الهويات وكل الاختلافات القائمة بين الجماعات ويتفطن الى كون التمفصل الفعلي ليس بين الكلي والجزئي بل بين الكلي المجرد والتاريخي ويبرز بصورة لافتة في التعارضات السياسية والاثنية. لقد جعل من قضية الهوية ومبدأ الاختلاف في مواجهة النزعة الكونية ودفع بالنقاش المواطني والجدل العمومي والانخراط في أفعال تواصلية في اتجاه بلورة رؤى متعددة حول المعايير والقيم التي تحدد دوائر الانتماء إلى الجماعة التاريخية26[26].

    يطرح بعد ذلك معضلة الأولوية بين العادل27[27] والجيد28[28] وينتصر للعادل على حساب الجيد لأن الكائن البشري يمكنه معرفة العادل وتعريفه بسهولة أكثر من الجيد لأنه لا يتوقف على المساواة. على هذا الأساس يفرق بين توجهين حول مفهوم العادل:

    -         التوجه الآدابي الذي فتحه كانط من خلال قاعدة الأمر القطعي التالي: افعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر ليس كوسيلة وإنما دائما أيضا كغاية في ذاتها.

    -         التوجه الغائي الذي دشنه أرسطو من خلال توجيه الفعل البشري نحو الاكتمال والإتمام والذي اقترن في التفكير الأخلاقي المشترك بتحصيل السعادة من حيث هي فكرة قريبة.

    إن قوة التوجه الآدابي تكمن في كليته وطابع المجرد وتنزهه عن المنفعة والراهنية التاريخية أما قوة التوجه الغائي فهي ترتكز على فكرة المعنى التي تتعلق بالوعد بالسعادة الذي يسبق السلوك29[29].

    إذا كانت العدالة من حيث المبدأ هي إعطاء كل ذي حق حقه فإن غياب التوافق حول دلالة صفة الجيد بالنسبة للسلوك يؤدي إلى رفض التكافؤ بين مبدأ العدالة من حيث هي مساواة وتجربة الجيد مثلما وقع الابتعاد عن المماثلة بين مثال الخير عند أفلاطون والخير الإنساني كماهو عند أرسطو. على هذا الأساس يشير ريكور إلى القوة الدائمة والمقنعة التي تتصف بها علاقة العدالة والمساواة ويعتبر المساواة قيمة توجيهية في حياة المؤسسات بينما تعتبر الصداقة قيمة تضبط العلاقات بين الأشخاص الى جانب الشفقة والرأفة وحسن المجاورة والكرم وحسن الضيافة والجود والتآزر. لكنه يتساءل عن الأسباب التي جعلت المساواة تتحول إلى معيار رئيسي في كل المؤسسات في المجتمعات الديمقراطية ويقوم باستعادة أرسطو الذي عدها قابلة للقياس الكمي وليست سديمية. فإذا كانت الحياة الجيدة هي غاية العدالة وإذا كان مبدأ العادل الذي يطمح إليه الإنسان متماهي مع المساواة فإن هذه القيمة لا تضمن من جهة صعوبة التطبيق للناس بلوغ حياة جيدة بنفس الكيفية. إن المشكلة لا تكمن في السعادة من حيث هي هدف من الحياة وإنما تتعلق بالتبعات الضرورية التي تنتج عن هذه الحياة وبالمعيار الذي يحدد السعادة والذي يتراوح بين الإفراط في الذهاب إلى حد أبعد من تساوي الظروف دون توفر ضمانات ودون العمل على إزالة الفوارق وأشكال التمييز ودون التفكير في طريقة جيدة يمكن اعتمادها بغية التوزيع المرضي والمقبول للخيرات والفوائد. بناء على ذلك لا تفضي العدالة من حيث هي مساواة إلى الحياة الجيدة ولا إلى السعادة كخير وإنما قد يتعرض المرء عند مقابلته للآخر لألام التفاوت والظلم والمس من الكرامة والحط من القيمة وحتى عندما يتم الحكم لفائدة الضحايا وتنصفهم العدالة فإن آلامهم ومعاناتهم لم تمحى تماما30[30].

    بطبيعة الحال يعتقد ريكور أن بناء دولة الحق يجعل التعايش ممكنا بين أفراد وجماعات تبدو جملة رغباتهم ومصالحهم متعارضة ولكنه يعترف ببقاء شرائح عديدة وكثيرة من المجتمع مهمشة ومقصية. لهذا يرفض الحديث عن رغبة الحياة المشتركة بين المواطنين في ظل غياب التوافق حول الخير في مجتمع تعددي وإجماع حول الحقوق المتساوية بين الأفراد المتزاحمة والمجموعات المتنوعة التي يمكن أن تخوض حروبا من أجل نيل حقوقها وتحول التنافس والتزاحم إلى تنازع وتصادم31[31].

    الحل الأنثربولوجي الذي يقترحه للحد من هذه الغيرة الاجتماعية بين القوى المتصارعة هي المصاهرة ضمن علاقات القرابة من حيث هي تبادل رمزي تحكمه منظومة تقوم على المساواة وتسعى لكي تردم هذه القطيعة الأنثربوجية وتقلل من الخسائر والأضرار وتجعل من كل حرية مكتسبة طريقا نحو التقدم.

    لكن هل يمكن اعتبار التباين حول العادل والجيد هو تباين عرضي وعابر أم عميق وأساسي؟

    يحاول بول ريكور الخروج من هذه الورطة من خلال تفكيره في عبور التباين وتخطي الثنائية وذلك بالرجوع إلى مسألة الإنسان القادر على تجاوز الإقصاء والازدراء وتفادي التمييز والكف عن الانطواء والبحث عن المشترك وصنع التوافق وتدار النقص في المناصرة والمآزرة وتكثيف التعاون وذلك بالتعويل على المؤسسات التي تسعى باستمرار نحو معنى العدالة وتطوير المساواة غير الكافية32[32].

    لكن ماذا يجدر فعله تأويليا في المؤسسات العادلة مع مساواة تكون ضرورية وغير كافية؟

    يستنجد ريكور بالإيتيقا ويضع المحبة في المكان الذي كانت تحتله المساواة عند محاولته تأسيس العدالة ويؤكد على أن المحبة يمكن أن تستعيد المساواة حيث لا تكون موجودة ولا معطاة بل إنها تعمل على إذابة التوتر الذي كان قائما بين العادل والجيد من جهة المبدأ وتعتمد على منطق الوفرة المفرطة والزيادة عن الحاجة والجود والعطاء المبنى على الإيثار ونكران وتفضيل الغير وحب العدو بدل منطق التكافؤ الشكلي والتساوي الذي يفترض تبادل شيئين لهما نفس القيمة. فإذا كانت المحبة متفوقة على العدالة من جميع الجوانب فلأن العادل يحدث تعارضا بين المشروع والجيد من ناحية ويظل في حالة تعارض مع الجيد لما يفضل المحبة اللامتناهية من ناحية أخرى. لقد رجح ريكور خيار القاعدة الذهبية التي تربط بين المحبة والعدالة على الأوامر التي تدعو إلى تجنب الذات الفعل بالغير كل ما ترفض أن تفعله بنفسها على غرار الكذب والظلم والسرقة والقتل وعَوَّلَ على صياغة المقصد الإيتيقي وذلك بمنح الحصة الضامنة معه الحياة الجيدة ومن أجله33[33]. فإذا كانت المؤسسات العادلة تشهد توترا غير قابل للحل بين العادل والجيد فإن الاستنجاد بوجهة نظر المقصد الإيتيقي ومقارنة العدالة بالمحبة قد يساعد العادل على التخلص من البعد الماهي والاقتراب من الجيد ليس بالمعنى المطلق وإنما في مستواه التاريخي وضمن الوجود الإنساني.

    البرنامج الذي يمكن أن تبلوره المؤسسات العلمانية الجمهورية التي تستهدف الوجود العادل هي الجمع بين العدالة والمحبة لكي تحصل على الجيد بحق وتستعيد المساواة حيث كانت غير معطاة. لكن ماهي الوسائل التي تمكن من زيادة قدرة المؤسسات العادلة على جعل الحياة الإنسانية جيدة؟

    يصرح ريكور:" إن الدمج بثبات ، خطوة بخطوة وبدرجة إضافية الشفقة والكرم في قواعدنا - القاعدة الجنائية وقاعدة العدالة الاجتماعية - مهمة معقولة للغاية ، وإن كانت صعبة ولا تنتهي"34[34]. من هذا المنطلق ليست التيولوجيا بل الفلسفة هي التي يجب أن تميز الخلاف السري بين منطق الإفراط في الوفرة الذي تتحرك ضمنه المحبة ومنطق التكافؤ والتعادل التي تحتكم إليه العدالة المنصفة. يؤكد الشارح أوليفي آبل هذا الاقتران بين المحبة والعدالة ضمن كتابه الوعد والقاعدة الذي اشتغل فيه على إشكالية التعارض بين الشرعي والجيد وطالب فيه بالاستنجاد بالمحبة اللامتناهية بغية إصلاح المساوئ التي تقع فيها قاعدة العدالة عند حرصها على تطبيق المساواة أمام القانون35[35]. إن الفلسفة التي تدور حول الحق هي القادرة على المجاهرة بقولها من أجل الإنسان القادر ورفض أن تكون المشاركة مقتصرة على الحياة الفردية الجيدة التي يرغب فيها معظم الأنانيين أصحاب المآرب الضيقة وإنما واجب التواجد مع كامل الحقوق في المؤسسات العادلة مهما كان نوعها36[36]. لكن إلى أي مدى يتوقف بناء المؤسسات العادلة على اتخاذ قرارات صائبة من طرف المواطنين؟

    القرار السياسي الصائب:

    " قابلت بول ريكور، الذي أعاد تربيتي في الحقل الفلسفي"37[37]

    لقيت الأفكار السياسية لبول ريكور الترحيب والقبول من جهة الخطاب الرسمي ومن جهة النضال الاجتماعي والحقوقي وخاصة بحثه المتواصل على الحياة الجيدة والديمقراطية التشاركية ودفاعه على التعددية واعتماده على الوساطات بغية إبرام المصالحات وإرادة العيش المشترك. لقد عثر عمونيال ماكرون لدى أستاذه ريكور على ثلاثة أفكار أساسية يمكن اعتمادها في الحقل السياسي: الفكرة الأولى هي جميع أشكال التمثيل والتمثيلية في السياسي، الفكرة الثانية تتعلق بموضوع العنف والشر في السياسي وشروط التقليل منهما، أما الفكرة الثالثة فهي التي تجعل منه واحدا من أهم الفلاسفة في أوروبا الذين دعوا إلى التعقلية من خلال التروي والمداولة والتدبير وضرورة الاحتكام إلى التعقل قبل الشروع في بناء فعل سياسي غير سديد وغير موزون38[38].  في هذا السياق يبحث ريكور في خصائص الحكم السياسي العادل ويقارنه بالحكم المعرفي والحكم الأخلاقي والحكم الجمالي ولكنه يزيد عن ذلك بتوقفه عند امتلاك السياسي القدرة على اتخاذ التدبير المناسب والقرار السديد بالتعقل والحيطة والحذر واضطلاعه بمسؤولية تدبير القرار السياسي الصائب وتحمل تبعاته. والحق أن أول شروط امتلاك القرار هو احترام إنسانية الإنسان الآخر ومنحه التقدير التام وربط العدالة بتقبل آخرية الآخر والذهاب إلى ابعد من علاقة التناظر معه ومواجهته والدخول في علاقة تعاون وتضمان تنبني على المحبة والصداقة والشعور بالمسؤولية الاجتماعية تجاهه ومؤازرته. فهل ينظر بول ريكور للسياسة الطبية وينادي بأن يكون القرار السياسي على غرار القرار الطبي؟

    من المعلوم أن السياسة العادلة عند ريكور هي تلك التي تصدر قرارات صائبة وتحرص على الاهتمام بالمؤسسات العمومية وتحسن حوكمتها وتخلص المواطنين من المعاناة والآلام وتعالجهم من الأمراض وتقيهم من الأوبئة والآفات الاجتماعية كالعوز والحاجة والفقر والحرمان والكبت. كما تعمل على ردم الهوة الفاصلة بين المطالبة بالحريات الفردية اللامحدودة وتحقيق المنفعة الفردية والسلامة الشخصية والمحصول الربحي المقبول من جهة والمحافظة على المساواة في التوزيع العمومي للعلاج وإرساء قاعدة التضامن في منظومة الصحة العمومية من جهة ثانية39[39]. مثلما يكون الطبيب على ذمة المرضى ويضع جميع معارفه وخبراته تحت تصرف المؤسسات الصحية العمومية ويتحمل ميسؤولية الكاملة في تشخيص الأمراض والقيام بعلاجهم وإيقاف الآلام والتوجيه نحو الأدوية الضرورية للتخلص من المعاناة والعذاب يعمد السياسي الحاذق أيضا الى التعقل الحذر والروية الكافية إلى اختيار وسائل ناجعة وقرارات صائبة للخروج بالمجتمع من الأزمة ويعالج الملفات العالقة بالحكمة الضرورية والإصلاحات الجذرية ويقوم بفض النزاعات بالطرق السلمية ويخلق حوله مناخا من التأييد الشعبي والقبول الطوعي بغية بلورة تنمية ناجعة. والحق أن الكفاءة الفردية لوحدها قد لا تكون كافية لكي يتم إصدار قرار سياسي مناسب وموفق وإنما يجب أن يصدر القرار عن المؤسسة السياسية العادلة بعد أن يتم عرضه ومناقشته بشكل ديمقراطي حر داخل هيئات دستورية وأن يكون نابعا من تفاهم المتفاوضين والتزامهم المبدئي به. ربما الأشياء التي تحدث داخل المؤسسات السياسية وتمنعها من إصدار قرارات جيدة وحكيمة هو التنازع بين المحبة ازاء الواحد والعدالة إزاء الكل، أي التوتر بين المصالح الشخصية والفئوية والالتزام ببلوغ المصالح المشتركة والجماعية والذي يفضي إلى قرارات جائرة وحوكمة فاسدة أو سوء حوكمة40[40]. على ماذا تقوم السياسات العمومية؟ هل على خدمة قلة من الأفراد أم على مصلحة الجميع؟

    يُعَوِّل ريكور بالأساس على وساطة المؤسسات العادلة التي تقدر على مساعدة المواطنين على بلوغ الحياة الجيدة في بيئة اجتماعية تجمع بين المحبة والعدالة وبين التساكن والتعاون والتكامل. بيد أنه يشترط الابتعاد عن منطق الإكراه والضغط والإقصاء والتمييز والاحتكار الفردي والفئوي في تشييد المؤسسات وعمله وذلك للتبعات الوخيمة والمخلفات السلبية التي تترب عنه وخاصة التنازع والافتراق والتعطيل وفي مقابل ذلك يدعو إلى الالتزام بالحكمة العملية والحوار العقلاني والحوكمة السديدة وتوجيه القرار نحو رؤية إيتيقية منفتحة وربطه بالموقف النزيه واللاّمتحيز. غاية المراد حسب ريكور هو توفير ثلاثة شروط بغية  ميلاد حوكمة حسنة وخالية من الفساد والأخطاء ولكي ترى قرارات سياسية صائبة النور وتلامس أرض الواقع ومرحلة التنفيذ:

     الشرط الأول هو توفر مؤسسات عادلة ، الشرط الثاني هو توفر مقررين  أكفاء وعادلين، الشرط الثالث هو أن تسمح المؤسسات للمقررين المكلفين بأن يقوموا بمهامهم على أحسن وجه وأن توفر لهم الإمكانيات والدعم اللازم والإحاطة الممكنة ليتجاوزوا مرحلة التنظير نحو مرحلة التطبيق41[41]. بهذا المعنى يكون القرار صائبا حسب ريكور إذا ما كان التأسيس صلبا ومستندا على قواعد متينة وركائز وجيهة في مستوى المؤسسات والأشخاص وإذا ما جرت علاقة انسيابية وتفهمية بينهما.

    يعود ريكور الى مفهوم عناصر التميز42[42] عند ماكنتاير التي تساعد الفاعل السياسي في التغلب على الفشل والتعثر وتمنحه القدرة على الفعل والإضافة والنجاح ولكنه يصفها بأنها خاصيات محايثة للممارسة43[43] ويقترح حيازته على مبادئ عامة في القانون وإتباعه لتوصيات في الممارسة الحسنة وذلك بالحرص على تشجيع الاستثمارات الاقتصادية المسؤولة وتقوية برامج التنمية المنصفة بما يضمن التقسيم العادل للثروة والسلطة والمعرفة والصحة وما يبقي على استمرارية الخير العام. كما يرتبط القرار السياسي الصائب بحسن التصرف في الموارد والأوقات والثروات والمواقف الصعبة ويشترط التوفيق في اختيار الأولويات باعتماد سياسة التروي وأسلوب المداولة ورصد الاعتمادات المالية للاستجابة لمجموعة المطالب الاستعجالية ولجملة الاحتياجات الضاغطة44[44]. هكذا يتحول السياسي الى حكم محايد في لعبة الطلبات المتنافسة في وضعيات اجتماعية معقدة ضمن ظروف سياسية صعبة ويعمل على تحديد سلم الأولويات في نسق الحاجات الضاغطة بالنسبة إلى المجتمع ويضبط الزمن المناسب للرد على مختلف الطلبات وفق جدول زمني واضح. بهذا المعنى تتحرك نظرية القرار الصائب ضمن سياسات الاعتراف بالغير ولعبة الممكنات في المسارات التقريرية المتبعة في مداولات الفاعلين وتترك فرص للمراجعة والتعديل وفق نظام الأوليات. كما يمكن للقرار السياسي أن يستأنس بالحكم الأخلاقي شريطة أن لا يتعدى الخطوط التي تقسم بين المسموح به والمدافع عنه في المناطق المعتدلة التي تقاوم كل نزعات التطرف والغلو والتفويت. والحق أن القرار الصائب حول تحديد الحق في الوضعيات المعقدة التي تشهد جملة من الاحراجات الحادة والمضيقات هو عدم تجاوز الحدود الفاصلة بين المسموح به والمحظور بعد ضبطها بدقة بالغة وتفادي المخاطرة وكل أشكال المقامرة والمساومة والمغامرة التي لا يمكن تقدير نتائجها بالعقل. لعل الرهان الذي يجب الحرص عليه يتكون من قسمين: الأول هو وضع قواعد مضبوطة بدقة ويكون الغرض منها توجيه الفاعل أثناء الاختيار نحو الأحسن، أما القسم الثاني فيتمثل في وضع قواعد إجرائية جيدة تحرص على التركيز والحوكمة وتستهدف إصدار قرارات سياسية عادلة وصائبة45[45].  هكذا ينبني القانون الذي يتم التوصل اليه بخصوص الهدف من الحياة أساسا على القواعد العميقة والقواعد الإجرائية في ذات الوقت ويقتضي وجود أصحاب قرار صائب وتوفر أكفاء عادلين في التقرير يقدروا على تحمل مسؤولية الحكم واحترام الأشخاص وحراسة الوعود والوفاء بالمواثيق.فكيف يمثل فن القيام بالتسويات وصناعة التفاهم المستعصي هو العملية الإجرائية الممكنة للحوكمة الجيدة؟

    خاتمة:

    " يبدو لي الخطر، في هذه الأيام ، أكبر بكثير من تجاهل تقاطع الأخلاق والسياسة على الخلط بينهما"46[46]

    يعد ريكور فيلسوف المؤسسات العادلة وحكيم القرار الصائب ولكنه يضطر الى الاشتغال على الزوج المفهومي للمحبة والعدالة بين أن اصطدم بالاحراجات والصعوبات التي يثيرها الزوج المفهومي للعدالة والصداقة وتعذر منح كل واحد الحصة المستحقة واستحالة العدالة كمساواة47[47]. في المجمل لا يكمن الإشكال في استهداف حياة جيدة ولا في الوجود مع الآخرين ضمن الإطار القانوني والاجتماعي ولا في الإحساس بمشاكلهم ومعايشة قضاياهم والتآزر معهم والتضحية في سبيلهم بل في تشييد مؤسسات عادلة تفعل قيمة المواطنة وتؤسس لتشاركية حقيقية معهم وتمنحهم حقوقهم بالتساوي وتشركهم في الحياة العمومية وإصدار القوانين المناسبة للمصلحة المشتركة. كما يمكن حسب ريكور بلورة جملة من القدرات الأساسية من تلاقي الفطري والمكتسب وتكون القاعدة الصلبة للإنسانية وتؤشر الهوية الشخصية بواسطة زمانية تكوينية على أن الشخص يصنع تاريخه الذي يعيشه. فالإنسان قادر على الكلام وعلى الفعل وعلى السرد وعلى الانتساب لأفعالهimputabilité  وعلى الوعد.  وبهذا تقر الذات بقدرتها على الشهادة بأنها ذات مسؤولية وليست محايدة على الصعيد الأخلاقي والسياسي. إذا كانت العزوية هي قدرة أخلاقية صريحة تتيح للفاعل البشري التمسك بكونه الفاعل الحقيقي لأفعاله مهما كانت القوى العضوية والفيزيائية التي تعارضه أو تساعده وبذلك تسمح له بتحمل تبعات هذه الأفعال فإن الوعد هو ممكن على هذه القاعدة الأساسية التي تجعل الذات ملتزمة على صعيد القول على القيام بالفعل الذي تعهدت به في المستقبل ويحرص الوعد بذلك على الحد من الطابع المباغت الذي يصطبغ به المستقبل وخطر الخيانة والإخلال ويمكن أن تستمر الذات في وعدها بأن تقدم وعودا حول الوفاء بالوعود. في هذا السياق يجب التذكير بأن كل قدرة على الكلام وعلى الفعل وعلى السرد تناظرها أنماط من الهشاشة والعجز واللاقدرة incapacité هي العطوبية ولذلك يميز ريكور بين العزو والعزوية . العزوimputation  هو حكم يحمل على شخص من حيث هو القائم بفعل قابل بأن يكون معيرا أخلاقيا على أنه حسن أو قبيح .أما فكرة العزوية  imputabilitéفهي أكثر جذرية لأنه تعبر عن قدرة الفاعل على الخضوع إلى حكم العزو وتحميله بالتالي تبعة أفعاله وذلك لكونه المسؤول الفعلي عن إتمام هذه الأفعال. بعد ذلك يبحث ريكور عن القدرة في جعل الذات تنتمي إلى نظام رمزي عال أي القدرة على الاعتراف بالحاجة إلى التعاون مع المجموعة التي تتقاسم معه وتتشارك نفس النظام الرمزي واعترافهم به وكذلك القدرة على تنزيل أفعاله وفق قاعدة العدالة وما يترتب عن ذلك من القدرة على الاعتراف المتبادل. إن هذه القدرات الأساسية التي يسعى الكائن البشري إلى التعبير عليها وحيازتها وتجسيمها في الواقع والتي تتعلق بالكلام والفعل والسرد والعزو لا تتضمن طلبا من الغير بالاعتراف به أو العكس، غير أن القدرة على الوعد تستدعي شاهدا يكون مقررا ويقوم باستقبال هذا الوعد وتوثيقه وتسجيله ومتابعة تنفيذه وإتمامه. لكن بالرغم من أن الوعد يسعى إلى فعل الخير للغير من حيث هو غائية إلا أن ذلك لا يتم إلا بالابتعاد عن الانتقام وتجنب الإيذاء وإحداث الضرر واقتراف الشر تجاه الغير من جهة الوعيد والتهديد والتحرش. كما إن وجود الغير ضروري للحديث عن المضمون الإيتيقي للوعد وعن الاعتراف بالمعنى القوي للكلمة في ظل اشتراط التشارك والتكامل عبر تخليص الرابط الاجتماعي من الاحتقار والازدراء وهضم الحقوق. بيد أن طلب الاعتراف ليس مجرد رغبة قابلة التحقيق من خلال الوجود الاجتماعي والقانوني والسياسي وإنما يقترن بالصراع ومواجهة العنف المسلط من المؤسسات والكفاح ضد أشكال اللاّعدالة والظلم والتمييز والسعي إلى تقدير القيمة الشخصية ضمن مجتمع عادل يحقق حياة جيدة ويتم فيه تبادل للإعتراف بين الذوات وبين الشخصيات وبين الثقافات وتقل مظاهر الفوارق وأشكال التفاوت وتتدعم في جسور التجاور وتجارب التقارب48[48]. في خاتمة المطاف يتحرك الوعد في السياسة العادلة ضمن دائر خير السلم المدني ويبتعد عن شر الحرب المدمرة ويجعل من التعاقد بين المتنافسين سدا يحول دون الوقوع في مستنقع العنف وشراك اللاتسامح ويستند على قواعد الحجاج من أجل الحصول على القناعات الأكثر وزنا ودقة في فن التسويغ. فإذا كانت المؤسسات السياسية ظالمة فإنها تسعى إلى قطع العلاقات بين الأشخاص وزرع الخوف والكذب والحزن والشر بشكل منهجي ووفق برمجة وتخطيط ويفقد الناس ثقتهم في قول أصدقائهم واذا صارت المؤسسات السياسية عادلة فإنها تزرع الرأفة والمحبة والمودة والبر بين الأشخاص وتقوى درجة الثقة وحسن المجاورة وتراهن على النزاهة والصراحة والشفافية وتبادل الاحترام لتشكيل فضاء مواطني تعددي ومفتوح يقوم على تحمل المسؤولية والمشاركة والمصلحة العامة.  مجمل القول أن مطلب معرفة الإنساني في الإنسان يتوقف على الاعتراف من الإنسان بالإنسان، ولكنه لا يتم الاعتراف به بصورة كونية وبالانتماء إلى العائلة البشرية إلا عندما ينتفي الصراع ويتوطد السلم بشكل دائم ويعم الأمان والحماية لكل فرد ضمن كل مجموعة ويتشكل الرابط الاجتماعي وفق قاعدة الحلم وتتغلب الصداقة السياسية49[49] على مجتمع المواطنين. بأي معنى يمكن تنزيل الفعل السياسي عند عمونيل ماكرون في الفلسفة السياسية لبول ريكور وخاصة علاقة السياسي بالفيلسوف احراجات الذاكرة وطلب الصفح ومفارقات السياسي وجدلية الإيديولوجيا واليوتوبيا؟50[50] وهل تتماشي السرعة في اتخاذ القرار مع الزمن الطويل الذي تستغرقه النقاشات العمومية بين القوى السياسية المتنافسة؟وماهو المنوال التنموي الناجع للخروج من الأزمة؟ فهل يحقق اعتماد الصداقة والمحبة الاعتراف الذي وعد به الإنسان غيره في ظل استعصاء العدالة المنصفة والتعارف العادل؟

    الاحالات والهوامش:

    [1] Voir Ricœur (Paul), Soi Même Comme un Autre,  édition du Seuil, Paris, 1990. réédition Points essais, Paris, 2015 ,

    [2] Voir Abel Olivier, le politique et le philosophe, Paul Ricœur et Emmanuel Macron, revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre  2017, pp47-48.

     

    [3] Philosophie au risque de la promesse, sous la direction de Marc Crépon et Marc de Launay, édition Bayard, Paris, 2004, 208p.

    [4] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013. p306.

    [5] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, op.cit.p375.

    [6]  Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, op.cit.p374.

    [7] Paul Ricœur, le cercle de démonstration, revue esprit, Fevrier, 1988.

    Le juste entre le légal et le bon, , revue esprit, septembre 1991.

    L’acte de juger, juillet 1992.(les malaises de la justice).

    [8] Paul Ricœur, le juste1, éditions Esprit, Paris, 1995, la pluralité des instances de justice, p121-142.

    [9] Paul Ricœur, Amour et justice, édition Points, Paris, 2008,  p41-

    [10] Ricœur Paul, Le juste1, éditions Esprit, Paris,1995, après Théorie de la justice de John Rawls, pp99-120.

    [11] Paul Ricœur, Amour et justice, op.cit.p42.

    [12] Ricœur Paul,  Soi-même-comme-un autre, op.cit .p57.

    [13] Ricœur Paul,  Soi-même-comme-un autre, op.cit .p195,.

    [14]  ريكور (بول)، فلسفة الارادة، الانسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز العربي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، طبعة أولى،2003. ص100

    [15] Voir Abel (Olivier), Paul Ricœur, la promesse et la règle, éditions Michalon, Paris, 1996.

    [16] Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001, les promesses du monde de Pierre Bourtez ,pp173-180.

    [17] Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001, le gardien des promesses d’Antoine Garapon,pp181-192

    [18] Ricœur (Paul),  Soi-même-comme un autre, édition ,op.cit.p236.

    [19] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 017, N°439, p43.

    [20] Ricœur (Paul), Philosophie, éthique et politique. Entretiens et dialogue, éditions du seuil, Paris, 2017.

    [21] Procédurale

    [22] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p45.

    [23] Sittlichkeit

    [24] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p46.

    [25] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p47.

    [26] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p47.

    [27] Le juste

    [28] Le bon

    [29] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p48.

     

    [30] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p49.

    [31] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p49.

    [32] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p50.

     

    [33] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p50.

    [34] Ricœur (Paul),  Amour et justice, op.cit.p42.

    [35] Abel Olivier, Paul Ricœur, la promesse et la règle, Edition Michalon, coll. le bien commun, Paris, 1997, p118.

    [36] Schlegel Jean-Louis, les institutions entre le juste et le bon, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p51.

    [37] Macron Emmanuel, Entretien dans le premier hebdo, juillet 2015.

    [38] Macron Emmanuel, Entretien dans le premier hebdo, juillet 2015.

    [39] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p52.

    [40] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p53.

    [41] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p53.

    [42] Etalons d’excellence chez MacIntyre.

    [43] Biens immanents à la pratique.

    [44] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p54.

    [45] Alain Cordier, la décision juste, in Revue Esprit, Novembre 2017, N°439, p55.

    [46] Paul Ricœur, Du texte à l’action, éditions du seuil, Paris, 1986, pp405-406.

    [47] Paul Ricœur, penseur des institutions justes, in revue Esprit , Novembre 2017, N°439,pp40-72.

    [48] Ricœur (Paul), anthropologie philosophique, capacités personnelles et reconnaissance mutuelle, op.cit pp445-451.

    [49] Fiasse Gaelle, l’autre et l’amitié chez Aristote et Paul Ricœur, éditions peeters , louvain-Paris, 2006,p225.

    [50] Voir Abel Olivier, le politique et le philosophe, Paul Ricœur et Emmanuel Macron, revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre  2017, pp47-57.

     

    المصادر والمراجع:

    باللسان الفرنسي:

    Ricœur (Paul), l’anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition seuil, Paris, 2014. Introduction

    Paul Ricœur, Soi même comme un autre,, éditions du Seuil, Paris, 1990,.

    Paul Ricœur, Amour et justice, édition Points, Paris, 2008,  p41-

    Ricœur Paul, Le juste1, éditions Esprit, Paris,1995.

    Ricœur Paul, le juste 2, éditions Esprit, Paris, 2001.

    Ricœur Paul, Parcours de la reconnaissance, éditions du seuil, 2OO4.

    Ricœur (Paul), Philosophie, éthique et politique. Entretiens et dialogue, éditions du seuil, Paris, 2017.

    Fiasse Gaelle, l’autre et l’amitié chez Aristote et Paul Ricœur, éditions peeters , louvain-Paris, 2006,p225.

    Philosophie au risque de la promesse, sous la direction de Marc Crépon et Marc de Launay, édition Bayard, Paris, 2004, 208p.

    Abel (Olivier), Paul Ricœur, la promesse et la règle, éditions Michalon, Paris, 1996.

    Paul Ricœur, le cercle de démonstration, revue esprit, Février, 1988.

    Le juste entre le légal et le bon, , revue esprit, septembre 1991.

    L’acte de juger, juillet 1992.(les malaises de la justice).

    Revue de culture contemporaine, ETVDES, septembre  2017,

    Revue Esprit, Novembre 2017, N°439.
     

    ريكور (بول)، فلسفة الإرادة، الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز العربي للكتاب، الدار البيضاء – بيروت، طبعة أولى،2003. ص100.

    -مداخلة قدمت في مدرسة الدكتورا، بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية ، 09 أفريل، تونس، يوم 14 فيفري، 2018.
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media