قراءة في رواية (البئر الملوثة/مذكرات رئيس) للكاتب حسين فاعور
    الأحد 17 مايو / أيار 2020 - 06:00
    جمعة عبد الله
    قبل الدخول في تفاصيل النص الروائي والحدث السردي وتقنياته . بأن الكاتب أعتمد على الاسلوب القديم الكلاسيكي في عالم السرد  , في تعاطي مع السرد في مواصفاته  وطريقة عرض الاحداث وابراز تفاصيلها . وكذلك في تقنيات السارد بضمير المتكلم , الذي ادار المتن الروائي حسب ماجاء في المذكرات الرئيس  , بطريقة العرض الخطابية والتقريرية السردية الحكائية , في كشف ورصد الاحداث . وطريقة تقديم الشخوص المحورية , في الرصد اليومي , وهو يتحدث عن الحياة اليومية ونشاطها في القرية , التي تعتمد في مورودها اليومي ومصدر حياتها وعيشها ومصيرها  هو (البئر). طريقة البناء الفني للنص الروائي تعتمد على صيغة السارد الحاكي في عرض سيرة الحياة  الذاتية للرئيس ,  المرتبطة بموقعه في القرية  (رئيس مجلس  القرية) وتعمد الكاتب في عدم وضع اداة التعريف ( رئيس / الرئيس ) حتى لا يكون التشخيص بشخص معلوم ومحدد بعينه , وانما جعلها كلمة (رئيس) تخص كل رئيس في بلداننا العربية , من رئيس قرية الى رئيس الجمهورية . في ابراز الاحداث وكشفها , سواء كانت للقرية أو رئاسة الجمهورية . في كشف الاحداث الجارية والبارزة في الشأن الاجتماعي أو السياسي في الادارة واسلوب التعامل في الشأن الحياتي . والكاتب برع في مسك خيوط المتن الروائي من خلال شخصية السارد بضمير المتكلم . من عرض  الاحداث الحساسة تتعلق بحياة القرية وتفاعلها مع الاحداث اليومية الجارية في التفاصيل الدقيقة , المتمثلة في قضية (البئر) الذي يشكل عصب  الحياة للقرية , ومصدر عيشها ورزقها اليومي , فهو مصدر ثرواتها في تفاصيلها اليومية . والحدث السردي يطرح مسألة في غاية الاهمية والحيوية في دلالاتها البليغة . وهي ايضاً مسألة الوطن , وكيف يتم التصرف به . وكيف يتم بيعه الى الاجنبي . واستغلال ثرواته وخيراته لصالح الاجنبي ,  ويحرم اهل الوطن والارض من هذه الثروات . وهي تدخل في الصميم في كيفية استغلال المنصب والكرسي , والحفاظ على صولجان السلطة , تجعل المسؤول عن السلطة والادارة , ان ينزع ثيابه ويكشف حتى عن عورته ويدوس على شرفه وضميره ,  من اجل استرضى الاجنبي لضمان بقاءه في  المنصب والكرسي . وان تكون  للاجنبي  اليد الطويلة في مقدرات الوطن ومستقبله ومصيره , والنموذج الصغير هو القرية وبئر الماء . وهي حالة عامة في البلدان العربية في بيع اوطانها بسعر زهيد لكل من يضمن بقاء المنصب والكرسي لهم , ويعتبر الاجنبي المالك الوحيد والشرعي . فمن الطبيعي ان تذهب الثروات البلاد ,  سواء كانت بئر ماء أو بئر بترول , نفس القياس والمعايير . في الاستغلال والاستحواذ . لذلك نجد السيمائية الدالة للبئر في القرية ورمزيته تشمل الواقع الفعلي لكل حاكم عربي . فالبئر هو يمثل رمزية الوطن الدالة . لذلك الكاتب يدخلنا في تفاصيل الاحتدام بين اهالي القرية , بين من  يرفض البيع , وبين من يدعم بيع البئر الى الشركة ألاجنبية . ويعرض حالات الزيف والتحريف والتلاعب بالعقول  بالنفاق والدجل , بأن هؤلاء من يمسكون صولجان السلطة  , هم اولياء الله على الارض والبشر .  في قلب المعايير الى صيغ جديدة تخدمهم في البقاء في سدة الحكم , حتى في استخدام اتعس المعايير الهابطة والرديئة , بشكل داعري  فضاض في قيمه الهابطة  والساقطة , وبالاعتماد على الاقلام المأجورة التي تقيم صلاة المجد لكل من يدفع لها مالاً (صار الكذاب هو الصادق , والخائن هو الامين . والقاتل هو البريء , صار الكذاب يدعو الناس الكف عن الكذب , والقاتل ينادي بوقف القتل , والسمسار يقود الامة , والسارق يعين أميناً على الاموال العامة) ص25 . بهذا الشكل يرسم مواصفات الحاكم والمسؤول , بأعطائهم صفات اولياء الله على الارض وامراء البلاد هم رجال صالحين . حتى لو مارسوا الدعارة والقوادة من اجل المنصب والنفوذ  , مثلما كشف رئيس القرية في مذكراته  , بأنه اصبح قواداً للبغي والدعارة  في تقديم خدماته لكل من يساهم في تدعيم الكرسي . وما على الناس سوى الاطاعة وهي من امور الدين وشريعة الله . وهم شراذم وحثالات عفنة , وكل واحد منهم يمثل الشيطان بحد ذاته , في استخدام النفاق الديني لضحك على الاغبياء والجهلة . هذه سخرية واقعنا العربي الفعلي . فهؤلاء الحكام هم مصاصي الدماء لشعوبهم , ولكن المضحك / المبكي يتسترون بجبة الدين , لترويج بضاعتهم الفاسدة . مثل التريج بأن ماء البئر ملوثة تجلب الامراض والاوبئة  . وبيعها الى الشركة الاجنبية , هو  يصب لصالح ومنفعة اهالي القرية , وسوف يجلب لهم منافع كثيرة , حيث تزدهر الزراعة ويكثر الحصاد والحقول , وتكثر البساتين العامرة بالفواكه والخضروات . وتشرب القرية الماء النقي الصالح للشرب , وتعيش القرية في بحبوحة العيش والازدهار , في بيع البئر للشركة الضامنة  , مثل بيع آبار النفط الى الشركات الاجنبية . ويأخذنا المتن  السردي الروائي في درامية البيع  للبئر , بين فريقين معارضين ولكل منهما مبرراته وحججه وذرائعه التي يستند عليها في المحاججة . ويعرج الى مسألة الانتخابات وكيف تدور في الاروقة السرية في شراء الاصوات والذمم ,  والتلاعب والاحتيال والزيف , بمعنى تتحول الى انتخابات شكلية وصورية   . طريقة الترويج الانتخابي . والاعتماد  على الدين والقبيلة والعشيرة والملة في انتخاب أبنهم البار , لكي يكون في خدمتهم , وبالشعارات المزورة والمخادعة . لكي يكون حال  الناخبين مثل حال  قطيع الخرفان يسيرون خلفهم بالطاعة العمياء  (أما انتم فيخدعونكم ببعض الشعارات التي تدغدع غرائزكم , فتسيرون خلفهم كالقطيع , يلهونكم ويخدعونكم بانهم يخوضون معارك بطولية من اجلكم , بينما هم في الحقيقة يخدمون السلطة ويسترون عورتها) ص105 . وبالتالي حسمت مسألة بيع البئر لصالح الشركة الاجنبية . واصبحت المالك الشرعي . فأنقطعت مجانية الماء , وانما اصبح الماء لمن يدفع . وكانت النتيجة المأساوية في التنازل عن البئر والتفريط به (بعد خسارتنا للبئر جفت البساتين والحقول التي كانت  تزود القرية بكل ما تحتاجه من الفواكه والخضراوات  ........ الماء والتراب هما اصل الحياة , وعندما فقدنا البئر , فقدنا الكثير من مقومات وخصائص حياتنا التي تحولت الى جحيم) ص126. فأهملت البساتين والحقول وتوقفت الزراعة , وانتشرت البطالة . واصبحت الحياة اكثر معاناة وارهاقاً .
    هذه المنصات التي كشفها الحدث السردي من خلال ماجاء في (مذكرات رئيس) . وهي تكشف كيف يلعب الابناء المحليين في بيع الوطن  لصالح الاجنبي
     × الرواية : البئر الملوثة / مذكرات رئيس
    × المؤلف : حسين فاعور
    × عدد الصفحات : 134 صفحة
    × تاريخ الاصدار : عام 2018

     جمعة عبدالله
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media