ألعراق بحاجة لثورة في ألمعرفة وألتحضر
    الثلاثاء 2 يونيو / حزيران 2020 - 04:15
    د. غانم المحبوبي
    تمر علينا في ألثلاثين من هذا ألشهر (حزيران) ألذكرى ألمئوية لإندلاع "إنتفاضة" ألعراق ألكبرى سنة ١٩٢٠ وكما يسميها ألأستاذ ألسيد عبد ألرزاق ألحسني في كتابه "ألثورة آلعراقية ألكبرى" ألصادر عن دار ألرافدين للطباعة وألنشر وألتوزيع في بيروت سنة ٢٠١٣. ليس ألغرض من قراءتي لهذا ألكتاب ألغوص في ملاحم ألبطولة وألإباء لآبائنا وأجدادنا أيام هذا ألحدث ألكبير وألمهم، ولا ألغوص في معاجم أللغة لكي نصنف ان كان هذا ألحدث ألخالد في تأريخ ألعراق ألحديث هو "ثورة" أم "إنتفاضة" شعبية بل إن غرضي ألأساسي هو قراءة جديدة لأهم مفاصل هذا ألحدث علنا نستخلص درساً مهماً ونصيحةً مفيدة تساعد ألعراقيين في ألتفكير ألسليم لمواجهة مشاكلهم ألحالية وألبدىء في ألطريق ألصحيح نحو ألأمان وألإزدهار.

    ان مواجهة ألشعوب ألمضطهَدة لقوى ألإضطهاد إن كانت مستعمِرة أو غازية أو لسلطات محلية مستبدة يعكس إرادة ووعي وطني وإنساني لذلك ألشعب. أغلب هذه ألمواجهات تأخذ شكل "إنتفاضة" وليس بألضرورة "ثورة" شعبية. فألإنتفاضة هي ألشرارة ألقادحة لانطلاق ألثورة، وكل ثورة تبدأ بإنتفاضة شعبية وليس بألضرورة كل إنتفاضة تنتهي بثورة شعبية إلا إذا إكتملت فيها ألميزات ألأساسية للثورة. أن تكون ألثورة جماهرية ألمنطلق مُلَبية للمطالب ألعامة للناس وذات أغراض واضحة ومُبَرَرَة، لتحقيق تغيراً جذرياً وشاملاً في مختلف مجالات ألحياة لذلك ألشعب وألدولة. وألأهم من ذلك هو ميزة ألنضوج ألمعرفي ألعالي للثورة وللثوار في مجالات ألسياسة وألإقتصاد وأدارة ألدولة وغيرها. إن أهمية مثل هذا ألنضوج يجعل ألثورة قادرة أولا على حماية نفسها بعد نجاحها وإستمرارها ألمستقر بيد ألثوار ألشرعيين وألذين يمتلكون ألرؤيا ألمبدئية وألعملية لتحقيق أغراضها ألأساسية ألمشروعة بشكل سليم بعيداً عن تهميشها أو إنحرافها أو لربما ألسطو ألكامل على ألثورة من قبل قوى أخرى بعيدة عن آمال ألشعب.

    للعراقيين ألحق أن يفتخروا بأن وطنهم هو أرض ألأحداث ألكبرى بما في ذلك من منجزات إنسانية عظيمة وإنتفاضات متعددة. ولكن ومع ألأسف ألشديد إن ما ينقص ألعراق وبأشد ألحاجة له خصوصا في ألوقت ألحاضر هو ثورة حقيقية يسعى لها عراقيون لا يكفي أن يكونوا مخلصين بل وذو خبرة مهنية واسعة في مجالات ألحياة وبمنهج علمي، يدركون متطلبات ألعصر ويتحلون بألإرادة وألقدرة لتحقيق أهدافهم في ألتحضر وألبناء وألإزدهار. إن ألتحلي بألكرامة وألعزة وألشجاعة لرفض ألظلم ومواجهة ألمستبدين له ضرورته ألعالية كألشرارة ألتي تقدح شعلة ألثورة ولكن ما هو أهم من ذلك هو ألحفاظ على مبادىء ألثورة وألإستفادة من ثمارها. دعونا نقرأ بعض أحداث ثورة/إنتفاضة ألعراق سنة  ١٩٢٠ ونقارنها بما يحدث ألآن في ألعراق، علنا نتعض منها شيئاً يفيدنا في مواجهة أزمات ألعراق ألحالية:

    بدون أدنى شك إن إنتفاضة ألعشرين كانت جماهيرية ألمنبع ومعبرة عن طموحات ألعراقيين ألأساسية بشكل عام وبمختلف فئاتهم ألثقافية وألطبقية. فمن ألناحية ألثقافية كان ألثوار من كبار علماء ألدين ألحوزويين وكذلك كانوا من بسطاء أفراد ألمجتمع ذو ألأغلبية ألأمية آنذاك مروراً بمثقفي ومتعلمي ألمجتمع من مفكرين وشعراء ومهنيين. كذلك، من شارك ودعم هذه ألإنتفاضة ألجبارة هم من كبار تجار ألمدن ومن ألعمال وألفلاحين في ألقرى وألأرياف مروراً بشيوخ ألعشائر ووجهاء ألمدن. كان هناك غرض واحد أعلن عنه ألشعب ألعراقي وبدون تردد ألا وهو إستقلال ألعراق ألكامل من أي نفوذ خارجي وإنشاء دولة ذات سيادة وهوية إسلامية عربية. جاء هذا ألهدف ألثوري لإنتفاضة ألعشرين تلبية لقراءة صحيحة وسريعة للبلاغ ألبريطاني/ألفرنسي ألصادر في ٧ تشرين ألثاني ١٩١٨ وألمُعلن لتبرير إحتلالهم لجغرافية ألإمبراطورية ألعثمانية ألمهزومة ونصه: "إن ألغاية ألتي ترمي إليها كل من فرنسا وبريطانيا هي تحرير ألشعوب تحريراً تاماً نهائياً وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من رغبة نفس ألسكان ألمحليين ومحض إختيارهم".

    وكما إعتاد عليه ألعراقيون عبر ألتأريخ، وما أشبه أليوم بألأمس عندما إدعى ألأمريكيون وألحلفاء عن هدفهم في تحرير ألعراق في ٢٠٠٣ وأنتهوا بألإحتلال، جائت في ١٩١٨ فتوى ألمرجع ألديني ألأعلى آنذاك ألشيخ محمد تقي ألحائري من كربلاء لتنسف أطماع ألمستعمرين بشكل قوي ونصها: "ليس لاحد من ألمسلمين أن ينتخب ويختار غير ألمسلم للإمارة وألسلطنة على ألمسلمين". وكتلبية متوقعة وسريعة لهذه ألفتوى أعلن أهل كربلاء عن موقفهم ألشعبي نيابة عن ألعراقيين بما عُرفَ يومها "مضبطة كربلاء" في كانون ألأول ١٩١٩ وفيها: "تقرر رأينا على أن نستظل بظل راية عربية إسلامية، فأنتخبنا أحد أنجال سيدنا ألشريف (حسين) ليكون أميراً علينا، مقيداً بمجلس منتخب من أهالي ألعراق، لتسنين ألقواعد ألموافقة لروحيات هذه ألأمة وما تقتضيه شؤونها". وفي كانون ألثاني  ١٩١٩ إجتمع أعيان مدينة ألكاظمية في بيت أغا حسن ألنواب ليعلنوا نفس ألموقف وبنفس ألنص ألمشار إليه في مضبطة كربلاء. 

    لم يكن هدف إقامة دولة مستقلة وذات سيادة كاملة صعب ألتحقيق من ألناحية ألمبدئية وألقانونية، آخذين بنظر ألإعتبار حجم ألإنتفاضة ألكبرى وأثرها ألسلبي على ألمستعمر، بل ومع ألأسف ألشديد كان ذلك ألهدف عاليَ ألسقف جداً من ألناحية ألعملية وذلك لعدم تحلي ألثوار أو ألمنتفضون بميزة ألنضوج ألفكري وألمعرفي وألتي تمكنهم في تحقيق هذا ألهدف بألشكل ألصحيح. نعم، كان ذلك موقفا ثوريا بطولي في مواجهة أقوى قوتيين دوليتين في ذلك ألوقت ولكن في ألقراءة ألمعاصرة كان خطأ إستراتيجا كبيراً وقع فيه ألثوار نتيجة لعدم فهمهم ألسياسي ألصحيح، فجاء خيارهم ألمطلبي "بإستيراد" ملكاً من خارج ألوطن، قراراً مبنيا على نزعات عرقية ودينية عشائرية بحتة بعيدة عن متطلبات ألتحضر وألإزدهار ألمعاصر. وبغض ألنظر عن مؤهلات ذلك ألملك رحمه ألله وعائلته ألمغفور لها، لا أفهم كيف شرعنَ ألعراقيون آنذاك لعائلة حجازية لم تتذوق طعم ألمواطنة ألعراقية ولم تحلم يوماً بتطلعات أهل ألعراق وتتفاعل مع روح أهزوجة ألثوار ألخالدة "ألطوب أحسن لو مكواري"، أن تُمنحَ مجاناً عرش ألوطن وبمباركة ألمستعمرين؟ كذلك كيف إطمئن ألعراقيون لهذا ألملك وليس لملك بريطانيا ألعظمى، على سبيل ألمثال، أن يكون حريصا على سيادة ألعراق ومصالحه ألوطنية بمجرد أنه ينتسب إلى بني هاشم؟ أهكذا توردُ ألإبلُ أيها ألعراقيين؟ أم هكذا تُبنى ألأوطان وتزدهر ألحضارات في عصرنا ألحاضر؟! إن دولة جلس على عرشها رجل ليس من أهلها هي دولة تنقصها أو على ألأقل مثلومة ألسيادة، كذلك ألآن إن دولة يتصدر قيادتها مَن هم غير مؤهلين لذلك سوى أنهم مِن سياسي ألصدفة هي دولة فاشلة. يقول ألسيد ناجي ألسويدي (رئيس وزراء ألعراق ألسابق) في ١٩٣٥ بعد ثورة ألعشرين وإستقلال ألعراق "... نعم قد إستفاد ألعراق سياسيا، ولو قدر له يُنظِمَ شؤونه ألإدارية وألإجتماعية وألمالية بأيادي أكثر مقدرة وأعلى ثقافة وأشد إخلاصا وأوسع تجربة وإطلاعا لكانت إستفادته أتمُ وأكمل ...". ثم يليه ألسيد ناجي شوكت (رئيس وزراء ألعراق ألسابق) في ١٩٥٢ "... ألذي يؤسفني كثيراً هو أن ألعراق إكتفى بثورته ألسياسية وتأخر عن ثورته ألإجتماعية ...".
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media