أ. د. عبد علي سفيح
الملخص:
الهدف من هذه الدراسة هو رسم الملامح والسمات الحقيقية لازدواجية الشخصية العراقية ، وضمنيا فان هذا الهدف يظهر غرضا مخفيا يتمثل في تخليص الشخصية العراقية من كل صنوف التشويهات التي التصقت بها عن موضوع نهشته الانطباعات والأحكام غير المدروسة والبعيدة عن الصرامة العلمية.
هذه الدراسة تبحث عن السبيل الذي يفتح جميع أبواب القصر العراقي الجميل ومنه فك كل الرموز والشفرات التي تتعلق بالسلوك الفردي والجمعي للعراقي على مر الزمان والمكان والأفراد. أي ايجاد الرقم السري الذي يفتح الخزانة العراقية.
في سلسلة الحقائق العلمية، تلعب الحلقة الأولى دورا راسخا. الحلقة الأولى وهي مولد الازدواجية من عمق مياه بلاد الرافدين. منذ نشأة المجتمعات الأولية في بلاد الرافدين، كانت المياه الوافرة تهب وتنهب. عندما تكون المياه في المناسيب المعتدلة، تكون طائعة وتهب الحياة والازدهار والخير والاستقرار، اما عند الفيضانات، فتصبح المياه ثائرة تنهب الخير وتسلب الحياة والاستقرار. ازدواجية المياه الى قوتين متعاكستين عكستها على السلوك الفردي والجمعي لسكان العراق على شكل وهاب نهاب، وثائر ومطيع.
ينظم سكان العراق حياتهم الاجتماعية والسياسية منذ النشأة الأولى حتى يومنا المعاصر حول قاعدة فكرية وهي: الإله ( الدين )، القانون ( الدولة )، والتقويم أو الروزنامة ( الأعياد، الطقوس ). التقويم يمثل الآليات الاجتماعية التي تربط القوتين المتعاكستين وهما الدين والدولة. هذه الآليات تأخذ أشكال مختلفة حسب الظرف الزمني. تدخل الأحزاب والتيارات السياسية العراقية المعاصرة ضمن هذه الآليات.
ظاهرة الازدواجية خلقت عند سكان العراق ملكات ومواهب متعددة ومنها، الشرح والتفصيل، والبناء الفكري، والتطبيق. هذه الملكات والمواهب نجدها عند المجتمع الأوربي والياباني وبعض المجتمعات الأخرى المبدعة. ممكن القول، لدى سكان العراق عقلية علمية وعقلية قيمية. الازدواجية تظهر في العقلية القيمية وليست في العقلية العلمية.
المقدمة:
إن الهدف من هذه الدراسة هو رسم الملامح والسمات الحقيقية لازدواجية الشخصية العراقية ، وفي السياق نفسه فإن التصدي لمثله هو لكشف غرض خفي يتمثل في تخليص الشخصية العراقية من كل صنوف التشويهات التي الصقت بها من خلال الانطباعات السطحية والأحكام غير المدروسة والبعيدة عن الامانة العلمية.
من نافلة القول إن الازدواجية خاصية فطرية في الانسان، ولم أقصد بها هنا مفهوم من علم النفس المرضي الذي يخص حالات مرضية نادرة، بل من مفهومها الاجتماعي، وهي حالة شائعة بين البشر ولا ينفرد بها العراقيون أو يمتازون على غيرهم من الشعوب.ننظر للازدواجية بأنها صفة غير مرغوب بها، لأنها تمثل انقسام الشيءإلى جزئين منفصلين مختلفين في الطبيعة والنظام والخصائص، أي قوتين متعاكستين، ومتباينتين. كما حصل للكرة الأرضية متمثلة بالازدواجية المغناطيسية المنفصلة الى قطبين مغناطيسيين مختلفين وهما الشمالي الموجب، والقطب الجنوبي السالب، كذلك في حالة الانسان، بحسب العهد القديم( التوراة )، خلق الله حواء من ضلع آدم( 1 )، وهذا الانفصال أدى الى تكوين انسان ذكر وانسان أنثى لهما خاصيتين مختلفتين.
أدرك القدماء حقيقة الازدواجية بشأن الشخصية البشرية، وبحسب العهد القديم، صاحب انفصال حواء عنآدم خطيئة كبيرة وبسببها نزلا من الجنة. كذلك في الديانات القديمة ومنها الزرادشتية التي تعد واحدة من أقدم الديانات التي ظهرت في بلاد فارس قبل 3500 سنة وبني معتقدها على ازدواجية الصراع بين اله الخير واله الشر، لكن النصر في النهاية يكون إلى اله الخير ( 2 ). كذلك في الاسلام، بقوله تعالى ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها)) ( سورة النساء: 1) .
وقوله تعالى((والنفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها)) (سورة الشمس: 8ـــــ 10).
هذه الآيات توضح بدقة الطبيعة الازدواجية للبشر وهي ناتجة من أصل واحد،والأصل هو النفس إلا أنفيها ازدواجية وقطبين متناقضين هو الصراع بين الخير والشر، أي وجهين لعملة واحدة هي النفس. كل هذه النصوص تؤكد أن الازدواجية ولدت من جسم أو شيء واحد وانفصلت إلى جسمين أو شيئين متناقضين ومختلفين في الخواص والصفات وقد يكونا في صراع.
في دراستنا هذه يجب أن نثبت بأن ازدواجية الشخصية العراقية هي ولدت من جسم واحد ومن ثم انفصلت إلى جزئين متناقضين وقوتين متعاكستين. وهذا كان هدف الدراسة الأول وهو تحديد الجسم الذي ولدت منه الازدواجية ووضحنا بأنه مياه الرافدين.
يقول ديكارت: في سلسلة الحقائق العلمية،أن الحلقة الأولى تؤدي دوراً راسخاً( 3 ). وهي مولد الازدواجية من مياه وادي الرافدين. ومنذ نشأة المجتمعات الأولى في هذه البلاد الاصيلة، كانت المياه الوافرة تهب وتنهب،فهي تهب الحياة والازدهار والاستقرار والسعادة وفي الوقت نفسه كانت خطراً وتهديداً كبيراً نتيجة الفيضانات، تعطل الخير وتسلب الحياة وتجبرهم على الانتقال وعدم الاستقرار.أي أن المياه وهابة نهابة فانعكست على الشخصية العراقية وأصبح وهّاب نهّاب على حد قول علي الوردي. كذلك، المياه عند الفيضان تثور وتخرج من حدودها وتدمر كل ما تجده أمامها من البشر والشجر والحجر، اما في فصل الصيف عندما تنخفض مناسيب المياه فتكون مطيعة وخاضعة بين يدي الفلاح يدير بها أين ماحلت به حاجاته، وهذه الظاهرة الطبيعية انعكست على سلوك الفرد العراقي فتجده أما طائعاً أو ثائراً.
وردت ظاهرة الازدواجية أيضا في أساطير بلاد الرافدين 2500 ق.م وعبر عنها برموز وهي، الاله والانسان،أي العالم العلوي والعالم السفلي، كذلك تم التعبير عن الازدواجية في الأساطير الإغريقية بالصراع بين آلهة الخير وآلهة الشر، وورد ذلك عند فلاسفة الاغريق أمثال افلاطون وأرسطو عن ازدواجية العالم غير المحسوس وغير المادي والعالم المادي المحسوس، وهناك ازدواجية الروح والمادة، واما الفكر فهو ولادة الروح وليس من ولادة المادة ( 4 ). وفي العصر الحديث، وجدت ظاهرة الازدواجية في أطروحات كارل ماركس التي أساسها ازدواجية الصراع بين طبقة الملاك المتحكمين بالإنتاج وطبقة العمال الذين يعملون لإنتاج السلع ( 5 )، وكذلك في نظرية فرويد المبنية على أساس ازدواجية الصراع بين الوعي واللاوعي ( 6 )، وفي فرضية علي الوردي ازدواجية الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة.
توجد ازدواجية الشخصية كظاهرة عامة في كل انسان حيثما وجد، اما توجد بشكل مخفف كما في المجتمع الهندي والصيني ومنه ولدت الأديان التي تؤمن بالتناسخ، أي تداخل العالم غير المرئي المقدس مع العالم المرئي المدنس، أو بشكل وسط كما هو في أكثرية شعوب العالم، ، أو بشكل متطرف كما هو في الشعوب الأوروبية والعراق، فالفصل بين القوتين المتعاكستين والمتناقضين كبير ويربط بين الضفتين جسر طويل ، وهذا الجسر يرمز لآليات اجتماعية تربط الزوجين المختلفين وتكون متناغمة مع الزوجين المتعاكسين، ولم تكن متناقضة، ومستندة على قاعدة فكرية ثابتة تجعل النقيضين والقوتين المتعاكستين وجهين لعملة الواحدة.
لولا الازدواجية المتطرفة التي يملكها الغرب لما وصل العالم إلى هذا التقدم. علما إن الهند والصين كانا يمثلان نصف سكان العالم ونصف الاقتصاد العالمي من القرن الأول الميلادي حتى القرن السادس عشر ميلادي ولم ينتجا مانتجته أوربا خلال القرون الماضية. كذلك سكان العراق، جعلت منهم الازدواجية في العصور الحضارية قبل آلاف السنين حتى سقوط بغداد فيعام 1258 م أنموذجا يحتذى. وكذلك بنى سكان العراق في حقبة زمنية قياسية بعد تأسيس الدولة العراقية في 1920 دولة مدنية حديثة وانجبت نخب عالية في العلوم والأدب والفكر والفن، كذلك كاد العراق أن يخرج من العالم الثالث في السنوات من 1968 الى 1978 لولا الحروب المدمرة.
قلنا إن الازدواجية ظاهرة بشرية طبيعية وتحدث حسب رأي دوركاهيم من ولادتين، الأولى جسدية والثانية اجتماعية، والصراع بين الفرد والمجتمع هي نتيجة ازدواجية الولادتين (7).
اما في العراق،فقد كتب العديد من الباحثين والأكاديميين في هذا الموضوع وعلى رأسهم، علي الوردي، باقر ياسين، عبد الجليل الطاهر، شاكر مصطفى سليم، وغيرهم. وبصورة عامة توحي هذه الدراسات للقارئ بنواقص الشخصية العراقية وتسلط الضوء على الاعتلال النفسي والسلوكي وإن كانت نواياهم علمية هي النقد الذاتي واصلاح الفرد والمجتمع، ولقد أظهروا الشخصية العراقية شخصية تبحث عن النزاعات الدموية، والعنف، والانشقاق، والهيمنة، والتسلط، والقسوة، وشخصية صعبة الطباع والانصياع، وسهلة التمرد والخيانة، أي بمعنى آخر: يرسمون صورة شبه معتمة لشخصية الفرد العراقي وكأنها شخصية مضطربة نفسياً.
في هذه الدراسة حاولنا ايجاد السبيل الذي يفتح أسرار ظاهرة ازدواجية الشخصية العراقية، ومنها حددنا مكان ولادتها، والمعادلة الفكرية التي تتحكم بها، كذلك الآليات الاجتماعية التي تربط بين القوتين المتعاكستين باستخدام أحدث الطرق والمناهج البحثية في العلوم الاجتماعية والتاريخية والانثروبولوجية.
طريقة البحث:في الدراسات الاجتماعية عند دراسة ظاهرة أجتماعية مثل ازدواجية الشخصية العراقية، يجب اعتماد بنية بحثية تعتمد على تحديد الحلقة الأولى المؤسسة لظاهرة الازدواجية ومكان ولادتها(وهي مياه الرافدين)، ثم تحديد الآلية الاجتماعية التي تعمل الوساطة أو الربط بين النقيضين للازدواجية (وهي الطقوس والشعائر)، وأخيراً دراسة القواعد الفكرية التي تتوافق مع نقيضي الازدواجية (وهي الآلة والقانون والتقويم)، لو قارنا الظاهرة الاجتماعية بالظاهرة الجنائية لوجدنا هناك تشابهاً كبيراً لاعتمادها على نظرية السببية العلمية. اذا اعتبرنا الازدواجية في الشخصية سلوك مذموم ومنحرف ومقيت وله آثار سلبية على الفرد والمجتمع ، ظاهره كالجريمة، وللوصول الى الحقيقة، يجب:
أولاً: تحديد مسرح الجريمة وهو مستودع سر الجريمة،أي المكان الذي تمكن فيه الفاعل، أو الفاعلون مدة من الوقت لارتكاب الجريمة، وهذا ما فعلناه في الجزء الأول من الدراسة عن ازدواجية الشخصية العراقية وهو تحديد المكان الذي ولدت فيه هذه الظاهرة ووصلنا الى نتائج علميةبأن منابع تكونها هي مياه العراق، وفيها امتدت جذورها ثم تبلورت وتطورت لتشكل ظاهرة مجتمع.
ثانياً: الكشف عن عناصر مسرح الجريمة من خلال الكشف عن هوية الجناة والفاعلين الأصليين، وعن كيفية حدوثها بالتفصيل ودور كل عامل في هذه الجريمة، كذلك في ظاهرة ازدواجية الشخصية العراقية، نحاول في الجزء الثاني من هذه الدراسة وانطلاقا من مكان حصول هذه الظاهرة الذي يحمل كماً كبيراً من المعلومات التي تحمل في طياتها خيوط تساعدعلى الكشفعن اسرار هذه التركيبة المعقدة،ومعرفة تفاصيل العوامل التي ساهمت وساعدت على ولادة الازدواجية الشخصية و كذلك الكشف عن مكان كل عامل في ولادة هذه الظاهرة الاجتماعية والأشكال المختلفة التي تتلون بها ازدواجية الشخصية العراقية.
مناهج البحث:لتفسير الحاضر، وعندما يكون من الصعب فك رموز كثيرة مرتبطة بالسلوك الفردي والجمعي للمجتمع، حينها نضطر اللجوء الى الماضي والتاريخ لتوضيح الحاضر. وليست دراسة الماضي للماضي بل هو لأجل حل رموز الحاضر،ومن أجل معرفة رموز سلوكية الفرد العراقي اضطررنا اللجوء للماضي الى الارث التاريخي والثقافي لوادي الرافدين. لكن اللجوء للماضي فيه محاذير، فهناك قراءات مختلفة للماضي، وهذه القراءات بنيت على مناهج قديمة وليست حديثة، مناهج تسلط الضوء على حقيقة التاريخ وليس تاريخ الحقيقة.أي تقرأ حقيقة الدين وليس دين الحقيقة، تقرا تأريخ الدين وليس دين التاريخ، فالمناهج الحديثة تفك هيمنة التاريخ على العقل البشري.
كما في الظواهر الجنائية، هناك وسائل مبتكرة تساعد المحققين في كشف خيوط الجرائم الغامضة، كذلك في الظواهر الاجتماعية ابتكرت مناهج بحثية حديثة تساعد في تفسير الظواهر الاجتماعية المعقدة ومنها الازدواجية في الشخصية.
استخدمنا في هذه الدراسة أحدث المناهج العلمية الاوربية للدراسات الانسانية التي استخدمها كل من،شارلز تايلر لاهتمامه بالصراع بين الأنا والقيم (8)، وهابرماس الذي بنى نظريته على الحوار(9)، أما بيرجر ولوكمان اللذان يعدان من مؤسسي منهج البنيوية (10)،وميشيل فوكو صاحب منهج التفكيك الذي بنى نظريته على علاقة المعرفة بالهيمنة (11)، وبيار بورديو الذي بنى نظريته على العلاقة بين الهيمنة وعدم المساواة (12) وليفي ستراوس صاحب منهج البنيويــــــــــة وهو من أشهر علماء الانثروبولوجيا (13).
تعريف الازدواجية: قبل الشروع في البحث، أود أن أبين للقارئ والباحث عن مفهوم الازدواجية الذي بنيت عليه هذه الدراسة لأن للازدواجية عدة مفاهيم وتعاريف.
1.من الناحية اللغوية:جاء في لسان العرب لابن منظور ً الزوج ٌ خلاف الفرد، قوله تعالى ٌ ومن كل شيء خلقنا زوجين ً، وازدوجا أي اقترنا أي تزوج بعضهم مع بعض. اما اصطلاحا، هي استعمال مستويين لغويين ومن مصدر واحد مثل اللغة الفصحى واللغة الدارجة، بينما الثنائية، هي استعمال لغتين مختلفتين ومن مصدرين مختلفين مثل اللغة العربية واللغة الانكليزية(14).
2.من الناحية الفلسفية: الازدواجية نظام مبني على المعارضة بين فكرتين، بين مبدأين لا يمكن اختزالهما.
3.من الناحية السياسية: الازدواجية نظام سياسي يقوم بالتناوب بين حزبين رئيسيين.
4.من الناحية الاجتماعية: الازدواجية يعرفها علماء التربية والاجتماع ، والمعنيون بالسلوك الفردي والجمعي للناس لا صلة لها بالتعريف اللغوي، ولا بمعناها المعجمي، بل يقصد بها دراسة المفارقات والتناقضات السلوكية في أقوال وأعمال الناس الذين يقولون القول، أو يعملون العمل، ثم يقولون، ويعملون نقيضه دون أن يكون لديهم وازع ديني، ولا وازع اجتماعي يردعهم عن ذلك التلون. أي يكون السلوك الشخصي أو الجمعي تحت معيارين مختلفين في التعامل الفردي أو الجمعي(15).
إنالعراق مثل القصر الجميل الذي يبهر الناظر له، ولكن لا نعرف ما بداخله من العجائب والنفائس. ونحتاج مفتاحا لفتح باب هذا القصر. هذه الدراسة تبحث عن هذا المفتاح الذي يفتح جميع ابواب القصر ومنه نفك جميع الرموز والشفرات التي تتعلق بالسلوك الفردي والجمعي للعراقيين مهما كان الزمان والمكان والاشخاصأي الرقم السري الذي يفتح الخزانة العراقية.
بماذا يتميز العراقي عن الآخرين؟
يتميز بامتلاكه تاريخ خاص به، العراق يملك نموذج خاص للحضارة نابع من عمقه الثقافي والتاريخي.هذا التاريخ يخفي رموز ومفاتيح خاصة به. للحصول عليها وفك رموزها يجب أن نبدأ من الأساطير القديمة. تعد ملحمة كلكامش أقدم نصأ دبي كتبته الانسانية قبل الميلاد بأكثر من 2100 عام في سومر جنوبي وادي الرافدين. وهي تظهر أول انفصال في البشرية، وهو الفصل بين العالم العلوي والعالم السفلي. هنا لم نسرد الملحمة بل السرد بقدر مايتعلق بدراستنا، حيث كانت هذه الملحمة أجمل مدخل للسؤال عن الطبيعة البشرية والنفسية ، وعن الطبيعة الالهية المقدسة. ويعد نص أدبي وشعري وكأنه مكتوب في القرن السابع عشر ميلادي.لا يحوي على وعد ديني يوعد الانسان بشيء، بل يحتوي روحانية غير دينية.وهو أول خطاب عالمي كتبه السومريون وقاعدته الفكرية والفلسفية هي الازدواجية. تكلموا عن مولد ازدواجية الاله والانسان، وازدواجية الخلود والممات، وازدواجية الانسان والحيوان، وازدواجية الايمان والعقل.كذلك تكلمت الملحمة عن دور الجنس في تحويل الانسان الوحشي أنكيدو الى متحضر يحب الناس ويدافع عنهم عن طريق شامات البنت الجميلة، وربما أخذ فرويد هذه الفكرة في بناء نظريته من ملحمة كلكامش. ورفض كلكامش الزواج بآلهة الحب عشتار وفضل تعلقه وحبها لأنكيدو على المرأة عشتار.وتعد أول علاقة رجل لرجل في التاريخ البشري. كذلك تنص الملحمة على عدم طاعة كلكامش للآلهة بل اخذ يبحث عن الخلود وترك الدنيا وزخارفها ولكنه رجع خائباً إلا أنهوصل الى الحكمة وتغير إلى انسان أكثر عدالة. وربما أخذ بوذا هذه الفكرة من الملحمة بعد أن ترك الملوكية ووصل الى الحكمة.
لنأخذ كل جزء من الازدواجيات ونطبق عليها الطريقة البحثية التي ذكرناها مبنية على القاعدة الفكرية وهي: اله ( الدين )، وقانون ( الدولة)، والتقويم( الأعياد والطقوس).
ازدواجية الاله والانسان:الاله يمثل العالم العلوي المقدس غير المحسوس وهو حافظ للدولة. اما الانسان، فهو يمثل العالم السفلي وهو المجتمع وعلى رأسه حاكم أو ملك يحمي الناس ويتبعون القانون لحفظ حكومة الاله. الآلة الاجتماعية التي تربط العالم السفلي بالعالم العلوي هي الطقوس . أي تربط القانون أو المجتمع بالإله أي بالدين.
ثنائية انسان وحشي وانسان أليف مدني متحضر: الانسان الوحشي يعيش مفردا وتحكمه الغرائز، اما الانسان المتحضر، يعيش مع الجماعة ويحكمه العقل. إن الآلة الاجتماعية التي تربط بين النقيضين هو الجنس، أي البنت الجميلة شامات التي حولت انكيدو من الحالة الحيوانية الى الحالة الانسانية.
ازدواجية الايمان والعقل:العقل يؤمن بالمحسوس، والايمان يؤمن بالغيب غير المحسوس.عندما بحث كلكامش عن الخلود، رفض الايمان بفكرة الحكيم اوتنابشتم واراد بعقله أن يجد الخلود، وبعدها عرف بأنه انسان ميت. أي رفض الرواية وصدق ودراية. اما الآلة الاجتماعية التي ربطت بين ازدواجية الايمان غير المحسوس والعقل المحسوس هي المعرفة. فعرف كلكامش أخيرا بأنه انسان ميت. الخلاف أو التعارض بين المزدوجين يولد وتظهر القيم والمثل ومنها قيمة العلم والمعرفة. هذا التفصيل والشرح يخص التشكيلات الأولية لمجتمع وادي الرافدين وقواعده الفكرية وآلياته الاجتماعية التي تعمل الوساطة بين طرفي النقيض. هل ممكن أن نطبقها على ازدواجية الشخصية العراقية المعاصرة؟.
لم تشوه شخصية معاصرة في العالم مثلما شوهت الشخصية العراقية من قبل نخبها. أدينت ونعتت بأقسى النعوت، اعتبروها شخصية مريضة تعاني من الصراع القيمي والانقسام والازدواجية، وهي شخصية تسلطية قامعة وخاضعة في الوقت نفسه ، وشخصية مريضة لا تستطيع البناء، وأقصى كلمة أطلقها علي الوردي على الشخصية العراقية بقوله: الفرد العراقي مبتلي بداء دفين هو داء الشخصية المزدوجة (16) . واقترح علي الوردي علاجا لهذا الداء.
في هذه الدراسة سوف نوضح ان ظاهرة الازدواجية هي ظاهرة ايجابية جدا ويملكها شعوب قليلة ومنها الشعوب الأوروبية وبفضلها بنيت المعارف الحديثة والنظريات. ازدواجية الصراع الطبقي بين طبقة المنتجين وطبقة الملاكين لكارل ماركس ، وازدواجية الصراع بين الوعي واللاوعي لفرويد، اما في العراق، بسبب هذه الظاهرة تميز العراقيون بالنباهة والمعرفة والعلم ولا نجد في العالم ان بيوت سميت بأسماء الكتب الثمينة ومنها بيت بحر العلوم، وبيت الجواهري، وبيت كاشف الغطاء، كذلك نادر ماتجد سوقاً للكتب مثل سوق السراي واليوم يسمى شارع المتنبي. هذا الشعب اكتشف الكتابة، وعلوم الرياضيات والفلك وبنى أول دولة مدنية في العالم واستمرت حركة الفكر فيهمن 4000 سنة قبل الميلاد حتى القرن الخامس عشر ميلادي. والقاعدة الفكرية لهذا التطور الفكري سببه الازدواجية.
والازدواجية، لديها ثلاث طبقات. الطبقة الأولى، الشرح والتفصيل. الطبقة الثانية، البناء الفكري أو الهندسي( النموذج). والطبقة الثالثة هي التطبيق.
الفرد العراقي في كل مسيرته كانت هذه الطبقات الثلاث هي تبني سلوكه الشخصي. نتيجة التهديد من الفيضانات وما رافقها من الغزو الخارجي ، جعل سكان العراق يشرحوا ويفسروا الظواهر الطبيعية، ومنها يبنوا الفكرة الملائمة لصد هذا التهديد ومن بعدها ينفذوا الفكرة بنظام دقيق. هندسة التفكير الناتجة من الازدواجية لازمت سكان العراق الى يومنا هذا والدليل ان العراقيينعندما يتوفر لديهم استقرار معين يبدأوا في البناء. ففي عام 1921 بعد تأسيس الدولة العراقية وشهد العراق استقرارا معينا وضع سكان العراق الطبقة الثالثة من الازدواجية وهي التطبيق. طبقوا افكارهم وانجبوانخب كبيرة خلال حقبة زمنية قصيرة. كذلك من 1968 الى 1978 عندما شهد العراق استقرار ، طبق سكان العراق افكارهم بمدة قصيرة كادت ان تخرج العراق من دول العالم الثالث. اليوم لايسمح لسكان العراق بتطبيق الطبقة الثالثة من الازدواجية وهي التطبيق. الفرد العراقي يملك قابلية الشرح والتفصيل وكذلك البنية الهندسية للفكرة الا انه لا يسمح له بالتطبيق فشغلوه بحروب جانبية.
لإثبات وشرح هذه الأفكار نحتاج الى تطبيقات وأمثلة تاريخية وعصرية أكثر لدعم هذه الفرضية.
لا نستطيع القول بأن الازدواجية هي نظامين منفصلين متناقضين ومتعاكسين لا تداخل بينهما. أي من الصعوبة أن نرى فكرا مستقلا اما دينيا أو علمانيا، بل سوف نجد العلمانية ليست خالية من الآثار الدينية والأساطير، كذلك بالنسبة للفكر الديني لا يمكن أن يكون خاليا من الآثار العلمانية والنقدية، ومثال على ذلك كارل ماركس وعلي الوردي.
أراد كارل ماركس أيجاد مفتاح لفهم مجمل التاريخ. قال للتاريخ ثلاث مراحل، الأولى المشاعية وهي الملكية المشتركة، والثانية المجتمع الطبقي من ملاك وغير ملاك، والثالثة هي الرجوع الى الشيوعية لكن بعد صراع طبقي. وعلى الرغم من ادعاء كارل ماركس بأنه علماني وملحد الا انه لم يخلص من آثار التوراة التي بينت أن البشر ومنه آدم كان يعيش في الجنة وهي مشاعية للبشر، بعدها نزل الى الأرض وعانى من الحروب نتيجة الملكية وبعدها يرجع الى السماء الى الجنة لكن بعد معاناة كبيرة.
اما علي الوردي، بدل أن يعبر ازدواجية الصراع بين الفكر العقلاني مع الفكر الديني أو السياسي المثالي، فعبر عنها بنظرية اشتهر بها وهي ازدواجية الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة. وجهت نظر علي الوردي في ازدواجية الشخصية العراقية أصبحت محورا مهما يتناوله من عاصروه من المثقفين وغير المثقفين استقبلوا الفكرة وقبلوها واستقرت فيعقولهم (17).
تحول الازدواجية الى الثنائية : الازدواجية اعتبرها الناس صفة غير سليمة لأنها تقسم الشيء وتفصله الى جزئين مختلفين متناقضين. لكي يصبح هذا الانقسام مثمرا كما ولدت البشرية من عملية فصل حواء من ضلع آدم ، كذلك الازدواجية يجب أن تتحول الى ثنائية عن طريق قاعدة فكرية مثل الزواج كقاعدة اجتماعية تجمع الزوجين. وهذه القاعدة الفكرية لا تكفي لضمان الثنائية بل يجب حضور آليات اجتماعية تربط المتناقضين ولا تتعارض معهما، كما في الزواج ، الأطفال هم الآلية التي تربط الزوجين. وكلما كان هناك تهديد وخوف من المستقبل كلما أزداد عدد هذه الآليات كما في العائلة ازدياد الأطفال يزيد من الربط بين الزوجين.
نعود الى القاعدة الفكرية التي ولدت في بلاد الرافدين ولا زالت حتى يومنا هذا تتحكم في تحديد نوع الآليات الاجتماعية الوسيطة وغير المتناقضة بين القوتين المتعاكستين. القاعدة الفكرية الثابتة منذ 6000 سنة هي: المجتمعات البدائية لوادي الرافدين استمدت وجودها من الفكر الأسطوري. والأسطورة هي مستودع كبير للرموز، مثل الاله والانسان، الموت والخلود، الفيضان وسفينة نوح. هذه الرموز تحولت الى فكر أي قيم دينية( المقدس)، ومنه تحولت الى قيم علمية أي فكر علمي.هذا التطور الفكري من اسطوري الى ديني ومن ثم الى فكر علمي نقدي أنتج قاعدة فكرية لا زالت تسيطر على السلوك الفردي العراقي وهي، اله( عالم الغيب) ويمثل الدين، والقانون( أي عالم الشهادة المحسوس ويمثل الدولة)، والتقويم( وهي الطقوس والأعياد).مسلة حمورابي شاهد على ذلك، الإله مردوخ أو شمش يسلم حمورابي الشريعة التي تتكون من 282 قانون لتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية لسكان المملكة، وهي أول وثيقة قانونية عرفها الانسان(18).
إنالاله يحمي الوطن أي الدولة، والقانون يحمي المجتمع وهو الحاكم، والتقويم أو الروزنامة هي التي تربط المجتمع بالإله مثل الزقورة والمعابد، واليوم المساجد والكنائس وهي آليات تربط عالم الشهادة بعالم الغيب. كل هذه الازدواجيات انتجت قيم خاصة بها. القيم الدينية وهي قيم جمعية تذيب الفرد بالأمة، وهي ناتجة من صورة الاله وهي شمولية لا تؤمن بالتنوع. وهي قيم تمثل الطاعة والسيادة، والهرمية والارستقراطية والمقدس. اما القيم الفردية أو العالم السفلي فهي قيمتعزز الحرية، والمشاركة الجماعية والتملك، وتمثل قيم المدنس. الفرد يحتاج للمجتمع. والمجتمع يحتاج للفرد ( الدين يحتاج للدولة، والدولة تحتاج الى الدين). طبيعة الفرد غير متجانسة، فالمثالية حاولت أن تجعل الناس متجانسين، وهذه المثالية والتجانس تكون مدمرة لازدواجية الفرد العراقي، لأن ازدواجيته متنافرة لا يفصلها برزخ غير مرئي بل يتوسطها جسر طويل يربط ضفتيه.
إن ازدواجية الشخصية العراقية هي وليدة مياه بلاد الرافدين لأن هذه المياه تهب الحياة عندما لا يوجد فيضان، وتسلب الحياة عندما يحدث الفيضان. عكست هذه المياه آثاراًعلى سلوك الفرد العراقي وجعلته في ازدواجية متناقضة ومتنافرة. وهذه الآثار لا زالت موروثة عند العراقيين منذ أكثر من 6000 سنة. احتفظ العراقيون بهذه الخاصية لأنها سر ابداعهم وخلقت لديهم روح التهديد والمخاطرة. هذه الازدواجية تأخذ صورا متعددة حسب الزمان، ولكنها كلها هي مرآة للصورة الأصلية الناتجة عن ازدواجية مياه الرافدين.سوف يتم توضيح هذه الفكرة بأمثلة عديدة :
1.ازدواجية الدين والدولة: هذه الازدواجية تحكم بلاد الرافدين منذ آلاف السنين ولحد يومنا هذا. لا الدين ألغى الدولة، ولا الدولة ألغت الدين. استطاع سكان العراق أن يحولوها الى ثنائية الدين والدولة، وادامتها وتوازنها يتم عن طريق آليات اجتماعية لا تتناقض مع المزدوجين أو القوتين المتعاكستين ضمن قاعدة فكرية منذ ألاف السنين وهي الاله( الدين)،والدولة( القوانين ) والروزنامة( الطقوس والشعائر والأعياد). مسلة حمورابي هي خير دليل على ذلك. الإله مردوخ أو شمش يسلم الملك حمورابي القوانين. عندما جاء الإسلام للعراق بعد ولادته في جزيرة العرب، تبنوه سكان العراق وغيروا لغتهم من السريانية والآرامية الى العربية، وغيروا دينهم من المسيحية الى الاسلام وزوجوا الدين (الأيمان) مع الفلسفة الفارسية( العقل)، وأنتجوا أجمل حضارة انسانية عرفتها الانسانية في بغداد. ازدواجية الأيمان والعقل أي الدين والدولة نظمت عن طريق آلية اجتماعية وهي المعرفة. في حينها كانت بغداد تتكلم سبع لغات وتجمع المقدس والمدنس واصبحت مدينة الحلم البشري. مر سكان العراق في عصور مظلمة بعد أن حصل الطلاق بين الأيمان والعقل وبعد سقوط بغداد في 1258 ، ونشوء الدولة القومية في القرن العشرين أدى الى اختلال التوازن بين الدين والدولة، فالدولة أكلت الدين ولم يبق مسوغ للآليات الاجتماعية وهي الطقوس والشعائر، بل منعت من الممارسة لبعض الشعائر. هذه الدول التي تطرفت بالعلمانية القومية مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن دمرت وهدمت، بينما الدول التي حافظت على نوع من التوازن بين ثنائية الدين والدولة مثل الخليج والأردن والمغرب حققت استقرارا نسبيا.
2.ازدواجية العقل والأيمان: الأيمان يمثل القيم الدينية أي يمثل العالم العلوي، أي المقدس. أما العقل، يمثل القيم المحسوسة للعالم السفلي، أي المدنس. الصراع بين ازدواجية العقل والأيمان هي صورة من الازدواجية التي ولدتها مياه بلاد الرافدين التي تخضع لمعادلة فكرية هي الدين، الدولة، والطقوس. هذه الازدواجية ظهرت لأول مرة في ملحمة كلكامش التي كتبت في 2500 سنة ق.م. عندما رفض كلكامش نصيحة الحكيم المقرب للآلهة أوتنابشتم بعدم البحث عن الخلود لأن الآلهة غير راضية عليه، الا أن كلكامش أراد أن يدرك ذلك بعقله، وبعد جهد طويل أدرك كلكامش بأنه انسان غير خالد.
عبرت النصوص القديمة عن ثقافة مجتمع وادي الرافدين الذي حصل فيه تطورا فكريا كبيرا وكاد العقل أن يأكل الأيمان أي الدولة تأكل الدين، ولإعادة التوازن بين العقل والأيمان حتى لا تختل المعادلة الفكرية، جاء الدين ليعيد للعقل حدوده، والحوار الذي تم بين النبي نوح وابنه هو خير مثال لذلك. أبن نوح استخدم عقله وقال ٌ قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله الا من رحم وحال بينهما الموج ٌ.( سورة هود: 43). الأيمان يخاطب العقل بأنه يجب أن يحترم حدوده ولا يخرج منها وإلا الهلاك. هذه النصوص سواء الدينية أو من الأساطير هي مرآة ثقافة بلاد الرافدين المحكومة بازدواجية السلوك الفردي. حافظ سكان العراق على هذه الازدواجيات الثنائية لحد يومنا هذا، ولذلك سمي أهل العراق بأهل الرأي أي العقل ، بينما سمي أهل الجزيرة بأهل الحديث أي النقل. وخير شاهد على ذلك هو قول الجاحظ ٌ أهل العراق أهل نظر وذو فكر ثاقب. ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث. ومع التنقيب والبحث تكون الطعنة والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء واظهار عيوب الأمراء. وأهل الشام ذوو بلادة وتقليد وجمود على رأي واحد لا يرون النظر ولا يسألون عن مغيب الأحوال( 19).
إن هذا النص للجاحظ يبين ماذكرناه سابقا عن الطبقات التي تتكون منها الازدواجية وهي: الشرح والتفصيل والفكر والتطبيق. قول الجاحظ: البحث والتنقيب يقابله الشرح والتفصيل. والتحزب الواعي يقابله الفكر والنموذج، والنقد العميق يقابله السلوك أي التطبيق. وخير مثال على ذلك هو: قبل دخول الاسلام للعراق كانت لغة العراقيين هي السريانية والآرامية، وديانتهم هي المسيحية. وعند دخول الاسلام للعراق، نظر العراقيون للإسلام وشرحوه وفصلوه ثم بنوا الفكر والنموذج للدين الجديد وهو زواج الأيمان بالفلسفة الفارسية، فغيروا لغتهم الى العربية وديانتهم الى الاسلام وكانت هي مرحلة التطبيق للدين. الاسلام ولد في جزيرة العرب الا أنه نما وترعرع في العراق. امتلاك العراقيين لهذه الخاصية التي ولدتها الازدواجية وهي الشرح والتفصيل والفكر أو النموذج ثم التطبيق هي التي سمحت لهم ببناء أجمل حضارة انسانية في بغداد.
3.ازدواجية الأرستقراطية والعامية: الأرستقراطية طبقة لها مميزات خاصة موروثة تجعل أفرادها أصحاب قرار في الدولة والمجتمع. وهذه الطبقة تنقل امتيازاتها ومناصبها بالوراثة. اما الطبقة العادية وتشمل المنتجين والعمال تأسست على رأس المال، واما هي مالكة لرؤوس الأموال ووسائل الانتاج، أو عاملة منتجة مثل العمال والفلاحين. نظمت مجتمعات وادي الرافدين المائية حياتها الاجتماعية حول اول دولة مدنية تكونت في وادي الرافدين. تكونت عدة مدن مزدهرة مثل جمهوريات المدن في ايطاليا. كان هناك تزاوج بين الارستقراطية الحاكمة للملوك ورجال الدين مع الطبقة المنتجة من التجار والمزارعين. عندما تكون هناك ازمة اقتصادية واجتماعية نتيجة الفيضانات ، تحصل ثورة عارمة ضد الطبقة الحاكمة ورجال الدين لانهم مستهلكين غير منتجين كما حصلت في 2400 ق.م. في سومر التي جردت الارستقراطيين من امتيازاتهم. الثورة نفسها نشبت في بابل ولمدة خمس سنوات في 1750 ق. م. إلا أن الملك البابلي قضى عليها. السلوك الفردي للعراقيين حافظ على التوازن بين ازدواجية الطبقة الارستقراطية وهم الملوك والسلالات وهم أصحاب قرار في الدولة والمجتمع، والطبقة والعادية وهم المنتجين، المحكومين الطائعين لهذا الهرم الاجتماعي.ونتيجة التطور الفكري في بلاد الرافدين، تذكر النصوص بأن كلكامش أراد أن يكسر هذه القاعدة والعرف الاجتماعي المعروف آنذاك وهو زواج الملك من الالهة لتكون له الشرعية بالحكم ولأبنائه، إلا أن كلكامش رفض الزواج من الالهة عشتار وفضل البقاء مع الانسان أنكيدو. جاء الدين ليعيد التوازن لثنائية الازدواجية الارستقراطية والعامية ونجدها واضحة في التوراة والقرآن قصة قابيل وهابيل أبناء آدم، وتعدمن القصص المعبرة والمثيرة التي ذكرها التوراة ووردت في القرآن وهي قصة ابني آدم التي جرت وقائعها بداية الوجود الانساني على هذه الأرض وأفضت إلى قتل هابيل راعي الغنم لأن الله تقبل صدقة قربة الى الله ولم يتقبل صدقة قابيل المزارع المنتج. الدين انتصر لهابيل على قابيل، أي انتصر لغير المنتج على المنتج. ولا زال سكان العراق يحافظوا غلى هذه الازدواجية الثنائية لأنها تؤدي دورا مهما في النظام الاجتماعي العراقي. نجد في العراق للمرجعية الدينية والقبلية الارستقراطية دورا مهما واحترام كبير من قبل سكان العراق.
4. ازدواجية الفرد والمجتمع:ازدواجية الفرد العراقي ليست ثابتة بل هي ديناميكية تأخذ بنظر الاعتبار التغيرات في العلاقة بين عنصري ثنائية الدين والدولة، الفرد والمجتمع. للفرد العراقي قيم ولدت معه منذ الولادة الجسدية الأولى، وهي قيم الأنانية، والحرية، والتملك، وللمجتمع قيم، ولدت مع الفرد العراقي خلال الولادة الاجتماعية الثانية وهي التي تشكل هويته الفردية. القيم الاجتماعية متجانسة، هرمية، ارستقراطية، قيم الطاعة، وهي قيم شبه مقدسة ومنها قيم الدين والقبيلة. هناك تداخل بين القيم الفردية والقيم الاجتماعية ويحصل التوازن بين الواجبات والحقوق الفردية. لتحقيق التوازن بين القيمتين، وعدم كسر قاعدة الفكر والآليات الاجتماعية التي تربط بين المتناقضين، ممكن للفرد العراقي المرور في مساحة المقدس أي المجتمع دون التقليل من قداسته أو هيبة المقدس أو التقاليد الاجتماعية. وهذه الديناميكية للازدواجية تفسر قول علي الوردي حين يقول: ٌ وان العراقي سامحه الله أكثر من غيره هياما بالمثل العليا ودعوة اليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته ٌ. كذلك قوله: ٌ وانه من أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسا في النزاع بين المذاهب الدينية فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى ٌ(20).
يطلق علي الوردي على ازدواجية السلوك الفردي العراقي بالتناشز أو التنافر. قد يراها البعض بأنها ظاهرة غير مرغوبة بها، إلا أن الحقيقة تبين بأنها ازدواجية متطورة أي الوعي الفردي يمر من خلال الوعي الجمعي والعكس صحيح. الفرد العراقي يمر في مساحة المتنافرين أو المتناقضين دون أن يمس أو يقلل من قيمتهما لحفظ التوازن في المعادلة الفكرية وهي اله، قانون، وروزنامة ( دين، دولة، طقوس وشعائر) . ترى الفرد العراقي( طبعا بعضهم) يصوم رمضان ويفطر على ربع عرق زحلاوي أو امسيح. هذا الفرد مر على المقدس دون التقليل من قيمه المثالية، ومن ثم مر على المدنس وهي رغباته دون التقليل من قيمتها. كذلك، نفس الحالة في احياء عاشوراء مناسبة استشهاد الامام الحسين ابن علي ابن ابي طالب. تراه أبعد الناس عن القيم الدينية لكنه يحي اربعينية الامام الحسين ولا يبخس بالغالي والرخيص لأحيائها. يستخدم الفرد العراقي طقوس عاشوراء كآلية اجتماعية تضمن الربط بين المتناقضين الديني والدنيوي دون المساس بأي منهما أو التقليل من شأنهما. منع احياء الشعائر والطقوس الدينية من قبل سلطات العراق كانت تعد أكبر اهانة وعقوبة للعراقيين وخاصة الشيعة منهم. لأن منع الشعائر تؤدي الى الاخلال بالقاعدة الفكرية التي تتحكم بسلوك الفرد العراقي منذ آلاف السنين.
كذلك تبنى العراقيون الأحزاب السياسية كآليات اجتماعية، مثلها مثل الطقوس والشعائر الدينية. تراه ينادي بالوحدة العربية وجاره شيوعي يرميه ويعذبه في السجن. كذلك الشيوعي، ينادي بوحدة الطبقة العاملة في العالم وتراه يجر القومي في اسواق الموصل وكركوك بالحبال.حال الشيوعي والقومي، حال الذي تراه ملحدا وطائفيا في الوقت نفسه. في الحقيقة، الفرد العراقي استخدم هذه التيارات والأحزاب السياسية بالضبط كالآليات الاجتماعية لضمان التوازن في معادلة الفكر العراقي. الغرض من تبني هذه الأحزاب كالشيوعي، القومي، البعثي، والاسلامي هو تحرير القيم الفردية من هيمنة القيم الاجتماعية عليه، وهذه الآليات الاجتماعية تذهب الى مساحات أبعد من حدود مجتمعها، وهذا يفسر سبب فشل الأحزاب العراقية القطرية. هذه الآليات أي الأحزاب لا تتعارض مع المقدس لأن المقدس هو هرمي شمولي يذيب الفرد في المجتمع، وفي الوقت نفسه تحرر الفكر للفرد العراقي من هيمنة التاريخ والتراث عليه. بينما أن في الشام واماكن أخرى سلوك الفرد غير محكوم بالازدواجية، نرى الأحزاب تتعايش مع بعضها دون اراقة دماء، على عكس العراق هناك حمامات من الدماء بين هذه الأحزاب.هذه الأحزاب مثلت دين الدولة، أي عقيدة الدولة، وبما أن الدين متجانس اما مؤمن أو كافر، فهذه الأحزاب اتخذت صورة الدين وأصبح الحاكم الإله يحيي ويميت،واجبه ليس حماية الناس بل حماية حدود مستعمرته لضمان التوازن بين الدين والدولة، تبنى المجتمع العراقي بكافة مرجعياته صفة العلمانية( أقصد بها التعايش السلمي مع الآخر المختلف) أي قبول التنوع ورفض التجانس.
إن العراق تقريبا البلد العربي والمسلم، الوحيد الذي فيه التزاوج بين السني والشيعي بأعداد جدا كبيرة وبين العربي والكردي والتركماني كذلك. هذه الظاهرة لا نجدها في المجتمعات الاسلامية مثل أفغانستان، باكستان، وايران، أو في المجتمعات العربية مثل الجزيرة العربية وامارات الخليج، او في سوريا ولبنان. كذلك التعايش بين المرجعيات القبلية الشيعية والسنية والكردية، بين المرجعيات الدينية والطائفية ولم ترق دماء بينهم مثلما حصل بين الأحزاب العلمانية الشمولية. تحول العراق بعد منتصف القرن العشرين من ثنائية الدين والدولة، تحول الى دين دولة، وألغى الازدواجية وألغيت الآليات الاجتماعية التي تضمن ارتباط ضفتي المتباين، أي ألغيت الطقوس والشعائر والمساجد، واصبح الحاكم هو اله مردوخ في المسلة بدون حمورابي.
Sumary:
The aim of this study is to draw the true feature of the dual Iraqi character, and implicitly, this goal is hidden purpose is to rid the Iraqi personality of all kinds of distortions that it adhered to on the subject of its flawed surface impression far from provisions of scientific rigor.
This study looks for the key that opens all the doors of the beautiful Iraqi palace and from it decipher all the symbols and codes related to the individual and collective behavior of Iraqis, whatever the time, place and people. That is, the secret number that opens the Iraqi treasury.
Descartes says: In the series of scientific facts, the first episode plays a firm role. The first is the birth of duplication from the waters of Mesopotamia. Since the establishment of the primary societies in Mesopotamia, abundant water has been blowing andplundering. At moderate levels, they are obedient and give life, prosperity, stability and happiness, and the same time in floods, they revolt, pillage goodness, rob life and compel them to move and instability. The duality of water was reflected in the Iraqi personality, and gives and takes became revolutionary and obedient..
The inhabitants of Iraqi for more than 6000 years and to day, they organize their social and political lives around an intellectual base: God ( religion ), law ( state), and the calendar ( holiday, rituals ). Calendar are the social mechanisms that link religion to the state and take different forms according to time. Parties and political currents are among these modern mechanisms.
The phenomenon of duality created three competencies, and the ability of explanation and detail, the ability of intellectual construction, and the ability of application, in addition to the spirit of risk and threat. These competencies are found in European societies and in Japanese society more than other peoples.
الهوامش:
1.التوراة، سفر التكوين، الفصل الثاني، الجملة 21، طبع لندن 1856 م.
2. Gerhard J. Bellinger. Encyclopedie des religions,Le livre de poche, Librairie generale francaise,2000.
3.JosianeBoulad Ayoub : Descarte face aleibniz. Philosophigue, vol.11, paris 1984.
4.Pierre Pellegrin : Platon Apologie de Secrate. Nathan, paris 1993.
5. George Politzer : Principes elementaires de philosophie. Edition sociales, Paris 1970.
6. Adam Phillippe : Devenir Freud. Edition Olivier, Paris2010.
7. Marcel Fournier : Emile Dukheim. Fayard, Paris 2014.
8.Charles Taylor : Identite de l’homme moderne. Paris 2015.
9. JurgenHabermas : La communication fondement du social. Edition xavier, Paris 2018.
10. Luckmann Berger : Les fondateurs du constructivisme, Edition xavier,Paris 2015.
11.Michel Foucault : : Histoire au service de la philosiphie. Edition Catherine, Paris 2018.
12. Pierre Bordieu : La domination symbolique. Les 100 penseures, Paris 2018.
13.ClaudeLevi-Strauss : le plus philisophe des Ethnologues, paris 2018.
14. موسوعة شبكة المعرفة الريفية، موقع 15، ديسمبر 2019.
15. شاهين فادي، القدس العربي، غدد 5817، شباط 2007.
16. الوردي علي ( 2001 ): شخصية الفرد العراقي. الطبعة الثانية، منشورات دار ليلى، لندن 2001.
17. العلي، ماجدة هليل ( 2013 )، ازدواجية الشخصية العراقية ، حقيقة أم توهم؟، موقع الكتابن ايلول 2013.
18.DominiqueCharpin :Hammurabi de Babylone. Presses universitaire de paris, paris 2003.
19. عتيق عبد العزيز ( 1986 ): تاريخ النقد الأدبي عند العرب. دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1968.
20. الوردي علي ( 2001 ): شخصية الفرد العراقي. الطبعة الثانية، منشورات دار ليلى، لندن 2001.