أ. د. محمد الدعمي
إلا أن على المرء أن يتدارك الأمر ليلاحظ في هذا السياق المهم بأن ضعف دور الجامعة، بل وترديه الملحوظ سنة بعد أخرى إنما ينبع من غياب الرؤية الشاملة التي ينبغي اعتمادها من قبل أولي الأمر في الحكومات العربية..
على الرغم مما رافق الخطوات الأولى لتأسيس جامعة الدول العربية من «مد تفاؤل»، إلا أننا نشهد اليوم «جزر تفاؤل» واضح المعالم عبر ما شكله الجمهور العربي العريض (من المحيط إلى الخليج) من صورة قاتمة للجامعة قوامها التشاؤم بالرغم من أنها عدت «بيتا للعرب» على عقود التفاؤل الأولى التي لم تتواصل ولم تتصاعد قط.
ربما كانت ظاهرة «المد والجزر» في تورخة العواطف الشعبية، بل وحتى الحكومية، حيال جامعة الدول العربية مردها ما شاب تاريخ الجامعة القصير نسبيا من تذبذب ولا فاعلية، وأحيانا شلل حقيقي حيال المحطات الرئيسية في تاريخ العالم العربي الحديث والمعاصر. إلا أن على المرء أن يضغط قليلا على عواطفه كي لا ينزلق نحو لوم الجامعة على كل ما مر به العرب من تراجعات و»هبطات» وانزلاقات، بل وحتى هزائم. هذا هو ديدن العقل الميال إلى أن ينحي بلائمة هذه المشكلة أو ذلك الإخفاق على سبب ما «خارج إرادته».
إلا أن على المرء أن يتدارك الأمر ليلاحظ في هذا السياق المهم بأن ضعف دور الجامعة، بل وترديه الملحوظ سنة بعد أخرى إنما ينبع من غياب الرؤية الشاملة التي ينبغي اعتمادها من قبل أولي الأمر في الحكومات العربية، وأقصد بذلك المواقف الرسمية التي لا تتوخى الآمال الكبار في دور الجامعة الوحدوي، نظرا للميل الحكومي العربي المتشبث بالتميز المنفرد قطريا. وهذا هو واحد من أهم أسباب تراجع الدور الجماعي القومي الذي تضطلع به الجامعة.
إذًا، هناك ثمة «أنانية» إدارية حكومية تصيب اليوم أغلب الدول العربية، وهي التي تقف وراء هوان وتراجع دور الجامعة الفرقي: فالدور الجماعي يخبو أمام الدور الفردي المتشبث بالانفراد والتميز، بينما يصح عكس ذلك عندما تتشبث الحكومات العربية بدور الجامعة الفرقي أو الكتلوي (بوصفه يشكل حزمة من إرادات عدة حكومات أو دول عربية). هذه معادلة لا تقبل الشك: فكلما زاد تركيز الحكومات العربية على الذات الفردية، ضعف تركيزها على الذات الجماعي (الحزمة) المتشكلة من إرادات مجموعة حكومات متناغمة. وهذه، برأيي، هي أهم نقاط ضعف الدول العربية (كتلة)، درجة تحولها إلى مدعاة لتندر الإسرائيليين عبر أجهزة إعلامهم على نحو واضح. بل إن الانشقاقات والخلافات والخصومات وما تسببت به من التراكمات النفسية العربية ـ العربية راحت تقصم ظهر جامعة الدول العربية عن طريق تخريب العديد من أنشطة منظماتها وأذرعها مشاريعها التي تشكل بمجموعها جسم الجامعة الحقيقي، درجة تحول العاملين في هذه المشاريع والمنظمات القومية إلى مجرد مستلمي مرتبات، قد لا يحتاجون لسوى سويعات دوام في مكاتب مكيفة في هذه العاصمة أو تلك كي تغدو دولاراتهم الشهرية حلالا لا تشوبها شائبة.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com