في معاني وقيم الحج الخالدة
    الثلاثاء 28 يوليو / تموز 2020 - 18:48
    عبود مزهر الكرخي
    من المعلوم أن في ديننا الإسلامي الحنيف قد فرض فيه فريضة الحج وقد اعتبره مذهب العامة والسنة أنه أحد أركان الدين الخمسة والتي هي (الشّهادتان ، إقامة الصّلاة ، إيتاء الزّكاة . الصّيام ، الحجّ)أما المذهب الشيعي فاعتبره أحد فروع الدين المهمة والتي هي عشرة وهي (الصلاة, الصوم, الخمس, الزكاة, الحجّ, الجهاد, الأمر بالمعروف, النهي عن المنكر, التولّي لأولياء الله, التبري من أعداء الله). والمهم أن كل الفرقاء قد أقرت بفريضة واهميتها وضرورة الآتيان بها لأنها احدى الفرائض المهمة التي يجب أن يقوم بها المسلم المؤمن لإكمال دينه وأيمانه وهي تنطلق من الآية الكريمة المذكورة في القرآن الكريم {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}(1).
    ولهذا كان الحج في أيام معدودة وهي الثامن والتاسع والعاشر من شهر ذي الحجة وتتبعه أيام التشريق الثلاثة، وهي أيام مباركة شريفة والتي اعتبرها المسلمون تبدأ من أول يوم من ذي الحجة إلى نهاية أيام التشريق. أما ما ذكر في الآية حول أشهر معلومات فيقصد بها أنها الأشهر الحرم التي هي قبل وبعد أيام الحج والتي هي شهر ذي القعدة وذي الحجة ومحرم الحرام. حيث كان العرب يعتبرونها وحتى في الجاهلية ايام لا يجوز فيها القتال وارتكاب المحارم وقد سنَّ ديننا هذا الشرع بحيث هناك امور كثيرة على المحرم وفي الأشهر الحرم ان لايقوم وهي مذكورة في كتاب الله وفي الكتب الخاصة بالعبادات لفقهاء الدين وعلماؤها ومن قبل كافة المذاهب.
    ولو تمعنا في فلسفة الحج فأنها رسالة آلهية عظيمة ففي كل ما يقوم به الحاج من مناسك واعمال فهي ذات دلالات عظيمة وسامية.
    فالحج يبدأ من النية الخالصة لله سبحانه وتعالى فهو عندما يروم لأداء مناسك الحج في مكة المكرمة يجب أن تكون نيته خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى وليس من اجل الرياء او المباهاة او التفاخر واذا حصل ذلك فأن حجة اي مسلم تبنى على هذه المفاهيم فهي حجة باطلة شرعاً جملة وتفصيلاً ومن هنا كان لابد من التوجه بقلب سليم لأداء هذه الشعيرة الرئيسية والمهمة من شعائر الله وجعلها نية خالصة لوجه الله جل وعلا. ولتبدأ المعاني السامية عندما تبدأ المناسك في لبس ملابس الأحرام عند الميقات ولبس ملابس الأحرام والتلبية بقلب سليم ونية صادقة ولتبدأ مرحلة التوجه لله سبحانه وتعالى والانقطاع عن كل ملذات الدنيا ولهوها وليكون هناك ترفع الأصوات ملبية وخالصة لله جل وعلا وبدون أي رياء او أي شبهة في إقامة هذا المنسك العظيم ولو تفحصنا لبس الإحرام عند الرجل هو عبارة عن لباس بسيط يتكون من قطعتين فقط بيضاء هي رداء على الكتف وإزار يغطي الرجل من السرة الى البطن وهي لها مدلولات سامية أنه يشابه الكفن بعض الشيء وهو نفس لباس الناس يوم القيامة في أنهم يبعثون وهم لابسين أكفانهم ولتعبر عن أن الإنسان لا يملك من متاع الدنيا أي شيء وعند التوجه الى ربه يكون خالي الوفاض لا يملك من الزاد ولهذا جاء في الآية الكريمة التي ذكرناها وفي نهايتها {... وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }لتذكر العبد بالقيامة وان ملاقي ربه حتماً. ولتبدأ هذه الرحلة الإلهية العظيمة والسامية بكل معانيها الخالدة. فالله جل وعلا جعل الحج في مكة المكرمة وهي اشرف واطهر بقعة في الأرض وفيها بيت الله الحرام والذي كان أول بيت أنشأ في الأرض عندما خلق السماوات والأرض وقبل خلق آدم ولكي يكون مكان لحجيج أهل الأرض وعلى مدى الزمان ولحد قيام الساعة وحتى جعل هذه البقعة الطاهرة ظهور المهدي قائم آل محمد(عجل الله فرجه الشريف)لتكون هي فيها يتم تلاقي الإيمان والعبادات وليكون طواف المؤمن حول الكعبة المشرفة هو لطلب الرضوان من الله سبحانه وتعالى والسعي بين بين الصفا والمروة هو لطلب الغفران من رب العزة والجلال وفي ملابس الأحرام التي يتساوى فيها كل الحجاج بهذا اللباس البسيط والذي يدل على النقاء والصفاء والذي لا يمكن فيه التفريق بين الغني والفقير بل الكل سواسية كأسنان المشط. وليكون تلبية العبد بقوله " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك"، فهو بذلك يُقرّ بإعلانه بالوحدانية، يُقرّ بوحدانية الله تبارك وتعالى، ويُعلن ذلك، ويلهج به بأعلى صوته، حتى يبحّ صوته. نَّ هذه التَّلبية (أيها الأحبة) من أولها إلى آخرها توحيدٌ في كل جملةٍ، بل في كلِّ لفظةٍ توحيدٌ، وقد أهلَّ النبيُّ (ص)بالتوحيد. وهي تعني عبودية لله جل وعلا. وهي غير معنى العبودية المعروفة عن البعض بمعانيها الناقصة. بل هي حينما يقول الملبي: "لبيك" فإنَّ ذلك يتضمن المحبَّة لله جل جلاله، فإنَّ المجيبَ لا يقول ذلك إلا لمن يُحبّ، إذا دعاه مَن أحبَّه، أو خاطبه، أو ناداه، قال له: "لبيك" إذا كان يُحبّه، وأمَّا إذا كان لا يُحبّه فإنَّه قد يُعبر بعباراتٍ أخرى تُنبئ عن حاله وشعوره نحوه، وما يقوم بقلبه، ويدور في خلده. هنا يقول: "لبيك" يُحبّه ويُعظِّمه، كأنَّه يقول كما فُسّر قوله: "لبيك"، بمعنى: أنا مُواجهٌ لك بما تُحبّ، كأنهم أخذوه من قول العرب: امرأة لبّة(2)،  يعني: مُحبّة لولدها.
    ولهذا فان التَّلبيةُ مفتاحَ هذه العبادة التي يدخل إليها بها، يفتتح بقوله: "لبيك اللهم لبيك" قبل أن يطوف، وقبل أي شيءٍ آخر، ثم كما يفتتح المصلِّي بقوله: "الله أكبر"، وفي انتقالاته وتنقُّلاته وتحوّلاته بين المناسك يُلبي، فذلك كتكبيرات الانتقال التي في الصَّلاة، وإذا انتقل من مكانٍ إلى مكانٍ لبَّى، وهكذا. فهذا كلّه يُذكِّره بالتوحيد في كل انتقالٍ، وفي كل تحولٍ، منذ أن يبدأ بالإحرام إلى أن يبدأ بالطَّواف على القول بأنَّ التلبية تنقطع حينما يشرع بالطَّواف.
    ومن هنا كان نبينا الأكرم يلبي في كل منسك يقوم به من الطواف الى السعي الى الوقوف بعرفات ورمي الجمرات " فهذا أعظم من حال العبد في الصَّلاة، حال العبد في الصلاة لمدة كم؟ ثلاث دقائق، أو أربع دقائق، أو خمس، لكن هذا لأيامٍ وهو مُتلبِّسٌ بالإحرام، وقد افتتح هذه العبادة بهذا المفتاح العظيم: "لبيك اللهم لبيك"، فحركاته وتنقلاته ومُزاولاته كلّها عبادة: فمشيه عبادة، وجلوسه عبادة، ونومه عبادة، وهو مُحْرِم، فهو مُتلبِّسٌ بالعبادة، فهل يليق أن يصدر منه شيءٌ من توجهٍ إلى غير الله من نيَّاتٍ فاسدة، أو أن يصدر منه مخالفات ومعاصٍ لمن هو مُعلنٌ له الخضوع والذلّ والإخلاص والتَّوحيد والتَّقرب والإقامة على طاعته -تبارك وتعالى "(3).
    وهذا هو نزر بسيط من قيم ومعاني الحج السامية والتي لو أوردنا كلها لنحتاج إلى مقالات بل وحتى كتب ومجلدات للإحاطة بهذا الفرض العظيم والخالد.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    المصادر :
    1 ـ [البقرة : 197].
    2 ـ "مقاييس اللغة" لابن فارس (5/ 199)، و"الصِّحاح" للجوهري (1/ 238).
    3 ـ مأخوذة من مقال ومحاضرة سماحة الشيخ أ.د خالد بن عثمان السبت. باب شروح الكتب معاني الأذكار ـ حصن المسلم. منشور بتاريخ ٠٢ / ذو الحجة / ١٤٣٤.
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media