لبنان - الصدمة والرد
    الثلاثاء 11 أغسطس / آب 2020 - 06:08
    صائب خليل
    تخبرنا نعومي كلاين ان "الصدمة" هي الوقت المناسب بالنسبة لضباع الرأسمالية لفرض سياساتها على شعوب ترفض تلك السياسة، وكما يبدو فأن كارثة ميناء بيروت مثال ممتاز على ذلك، فكيف يجب ان يتعامل الشعب اللبناني مع تلك الصدمة وكيف يرد؟

     "حدثت" الكارثة نتيجة انفجار 2750 طن من نترات الأمونيوم، تمت مصادرتها من سفينة تعود ملكيتها لروسيا عام 2014 ، وحسب سجلات القضاء اللبناني حاولت الكمارك بيعها او التبرع بها للجيش للتخلص منها. 
    وقد هز الحادث الكثير من الناس في العالم وتعاطفوا مع الضحايا والحدث وهرعوا للنجدة، مما كسر الحصار ذاتيا عن لبنان، فلم تعد أميركا قادرة على اتخاذ الموقف البشع الذي تتخذه عادة مع الدول التي تحاصرها. وعزا محللون لبنانيون تراجع اميركا (غير الرسمي) عن الحصار إلى الخوف من ان يتم استغلال الأمر لتدخل الصين وايران الى لبنان من خلال المساعدات، ولكن حتى بدون هذا الهدف، اعتقد ان ادامة الحصار صار مكلفاً جدا إعلاميا على أميركا في كل الأحوال، وهو ما يكفي لإسقاطه.

    بالنتيجة، رأينا نشاطاً دبلوماسياً وانسانيا كبيرا جدا للتجاوب مع الكارثة، حتى من قبل أعداء لبنان، ولكن على الضحية، أية ضحية كانت، ان تبقى واعية، بأنها عندما تسقط، فأن من يسرع اليها، ليس فقط المتعاطفون معها، وإنما ايضاً "الضباع". فهذه المخلوقات ترى في كل جريح فرصة لا تفوت. وكما سنرى، فأن الضباع تهرع لاستغلال سقوط أي ضبع من قبيلتها دون تردد، فكيف ان كان اجنبيا؟ والمنطق البسيط في حادثة لبنان يقول: أن من يحاصر شعب لبنان ويجوعه، لا يمكن ان يأتي لمنع الجوع عنه. لكن الجائع والخائف والمصدوم، قد يعجز حتى عن رؤية "المنطق البسيط"، أو يعجز عن تذكره!

    والشعب اللبناني "مصدوم" بالفعل. والمصدوم يعامل كالجريح من قبل الضباع الدولية، بل لقد تمت دراسة التعامل مع المصدوم، ليس من اجل رعايته، بل العكس، من أجل تأمين استغلاله اشد الاستغلال قبل ان يفيق من الصدمة ويفوت الأوان. وقد حددت الدراسة حتى حجم هذا "الأوان" الذي يجب ان يعتبر وقتاً ثميناً ومحدوداً امام المفترسين. هذا نجده في كتاب "عقيدة الصدمة" لنعومي كلاين. 
    تبدأ كلاين بمثال من حادثة إعصار كاترينا حينما حطم المدن والبنى التحتية في لويزيانا الأمريكية، فقدم "فرصة سانحة" لعصابات الليبرالية الجديدة.  فبينما كان الناس مصدومين من الكارثة كان البعض يسيل لعابه للأرباح التي ستغدقها الكارثة عليه. 
    أعلن ريتشارد بايكر، ابن المدينة (نيو أورلينز) "ها قد حللنا مشكلة الإسكان الشعبي في نيو أورلينز. لم نستطع أن نفعل ذلك بأنفسنا، لكن الله استطاع". ويقصد انهم حاولوا خصخصة الإسكان الشعبي، فلم ينجحوا بدون وقوع الكارثة. 
    وتحدث المقاول جوزيف كانيزارو عن "فرص سانحة كبيرة جداً". والمقصود من كل ذلك وضع خطط لاستبدال مشاريع الإسكان العام بالقطاع الخاص. 
    وراء هذه النظرة الوحشية إلى الكوارث، يقف الاقتصادي الرأسمالي شديد الحماس لحرية السوق، ميلتون فريدمان. وكان فريدمان "من بين أولئك الذين رأوا في فيضان نيو أورلينز بعد إعصار كاترينا فرصةً سانحة" كما كتبت نعومي كلاين. وبرغم بلوغه الثالثة والتسعين وتدهور صحته استجمع طاقته ليكتب افتتاحية "وول ستريت جورنال" قائلا: "بات معظم مدارس نيو أورلينز حطاماً كما باتت منازل الأطفال الذين كانوا يقصدونها. هذه مأساة. لكنها أيضا فرصةَ تتيح لنا إجراء إصلاحات جذرية في نظام التعليم". 
    هذا الوحش، يتحدث عن "الفرص السانحة" من تدمير مدارس الأطفال وبيوتهم، ومحاولة إخفاء سعادته بالكارثة بعبارة فارغة مثل "هذه مأساة"، لا تختلف عن عبارات مكرون وترمب، والتي يطلقونها كمقدمة ضرورية دبلوماسية قبل الانطلاق بالحديث بعجالة عن برامجهم وطموحاتهم لقيادتهم لمستقبل لبنان ونظامه السياسي والاقتصادي، واغداق "التعليمات" على اللبنانيين كيف يجب ان يديروا بلادهم.

    والحقيقة ان هؤلاء يستعجلون فرض تعليماتهم ليس فقط بسبب الفرح بالكارثة، وانما لسبب علمي. فقد وضع فريدمان نظريات تفصيلية لاستغلال الكوارث. فأوصى بالتصرف بسرعة خاطفة عند وقوع أزمة ما، وفرض تغيير سريع، وان يكون هذا التغيير مرتباً بحيث يستحيل التراجع عنه بعد زوال الصدمة. وقال أن ترتيب الأمور يجب ان يتم قبل ان يستيقظ المجتمع من الصدمة. وفي حادثة كاترينا، حدد فريدمان أنه "سيكون أمام الإدارة الجديدة مهلة زمنية تتراوح بين ستة إلى تسعة شهور لتحقق التغييرات الكبيرة، وإلا فإنها ستضيع فرصتها الوحيدة"! 

    وتكمل كلاين: بعد ثلاثين سنة في سريلانكا قام التسونامي بمهمة الصدمة. ثم في العراق فرضت "الصدمة الاقتصادية” من قبل بول بريمر بينما كان البلد تحت لهيب النار: خصخصة شاملة، تجارة كاملة الحرية وضريبة ثابتة بنسبة 15% وتقليص كبير لدور الحكومة. 

    بشكل عام، "الصدمة" ظرف مناسب لفرض اية سياسات يرفضها المجتمع في حالة صحوه ووعيه. وإذا كانت الصدمات تستغل في اميركا والبلدان الأخرى لتثبيت سياسة اقتصادية تضمن للشركات الاستيلاء على المال والارباح، فإنها حين يتعلق الامر بالدول العربية والإسلامية، ستستخدم بلا شك لتحقيق التقدم في أهداف السياسة الامريكية فيها، والتي تمثل الرغبات الإسرائيلية، والتي تعني: التدمير الشامل والاستسلام! وإن لم يكن ممكنا اكمال التدمير خلال الصدمة، فما تطمح اليه إسرائيل وبالتالي اميركا، هو تثبيت خطوات "لا يمكن التراجع عنها مستقبلا" (كما يقول فريدمان) لتحقيق هذا الهدف الإضافي الأهم من الارباح، أي التدمير.

    تداعيات الصدمة والرد عليها

    الملاحظة الأولى التي اثارت الانتباه في حادثة بيروت هي انه ومنذ الدقائق الأولى للانفجار، تم توجيهه بشكل سياسي ضد المقاومة اللبنانية، واستمرت اثارت الاتهامات لإحداث اكبر بلبلة ممكنة رغم الأدلة الكثيرة جدا على خطل هذه الفرضية، ومنها تاريخ الشحنة إضافة الى تقرير لنيويورك تايمز يؤكد ان نترات الامونيوم المستعملة ليست من النوع العسكري المستخدم لصنعة المتفجرات(1)
    إضافة الى ذلك تم تضخيم التهمة بالفساد بشكل كبير، وكانت هناك تظاهرات واحراق وزارات ومطالبات بإسقاط الحكومة واستقالات نواب ووزراء. ويجب ان نقول هنا أن حجم الكارثة لا يمثل حجم الفساد بالضرورة، فالموضوع يمكن ان يكون اهمالا أو فسادا اعتياديا أدى بالنتيجة الى الحادث. ولم يكن الحادث الأول من نوعه في العالم فتسبب انفجار لربع هذه الكمية في ميناء في الصين بخسائر مماثلة بالأرواح على الأقل.
    .
    بشكل عام، نجد الكثير من الأطراف وكأنها ترغب بتكبير حجم الكارثة قدر الإمكان، ليصل الى "الحجم الحرج" اللازم لإحداث الصدمة. فلا من ناحية الكلفة المادية ولا البشرية تعتبر كارثة بيروت كارثة من نوع لا تستطيع دولة ان تتحمله وتتجاوزه وبقدراتها الذاتية، ما لم يكن هناك من يحاصرها ويجبرها على الاستسلام للصدمة. فما تحطم في الموصل ومن قتل فيها، اكبر بعشرات المرات من انفجار ميناء بيروت. وكذلك الامر في سوريا وليبيا، دع عنك نتائج الحروب الكبيرة في مختلف بلدان العالم. 
    في كل تلك الحالات، لم يحصل احد على ما حصلت عليه الحكومة اللبنانية من دعم وعروض لبناء الميناء، ورغم ذلك لم يطالب احد فيها بـ "تحقيق دولي"، ولم يقل أي شعب منها بل لم تتجرأ اية مجموعة في أي شعب منها ان تدعوا الغرب لإعادة احتلالها. ولم يتجرأ رئيس فرنسي او غيره على اهانتها بدعوتها الى تغيير نظامها والحديث عن الفساد وان المساعدات الفرنسية لن تنتهي بأيدي الفاسدين (يعني انها ستتجاهل الحكومة وتمرر مباشرة للجهات التي تختارها حكومته، المعروفة بتبعيتها الإسرائيلية)، وهو صاحب نظام قد يكون الافسد في تاريخ فرنسا والادنى شعبية.
    إذن، هناك عمل مخطط ومتقصد، أولا لجعل "وقع الصدمة" اكبر ما يمكن، و ثانياً لاستغلالها بأسرع وقت ممكن لتحقيق تغييرات "لا يمكن اعادتها" في بنية لبنان، تضعه على سكة الاستسلام والتدمير، واستعجال إتمام ذلك قبل ان يفيق الشعب من صدمته.

    وما العمل؟ 
    تكتب الكندية نعومي كلاين في كتابها "الرفض وحده لا يكفي"، والمخصص أغلبه لمواجهة صدمة ترمب، أن مواجهة هجمة الصدمة تتكون من مرحلتين: المرحلة الأولى هي الخروج من جو الصدمة من اجل فهمها. والمرحلة الثانية هي بناء استراتيجية مواجهة على أساس هذا الفهم. 
    الخروج من حالة الصدمة بالسرعة الممكنة أمر ضروري للتمكن من النظر إليها من خارجها. فمن الضروري لفهم حجم الصدمة الحقيقي واشكالها أن لا يكون من ينظر اليها "مصدوما" في لحظة تفكيره. وكذلك ليتمكن الإنسان من قياس قوة عوامله بشكل حقيقي لا يشوهه الخوف أو اليأس. أما مرحلة المواجهة فتكون بوضع خطة تعتمد على ذلك الفهم لمواصفات الصدمات بشكل عام، ولخصوصية تلك الصدمة بشكل خاص. 
    الخروج من الصدمة يتم بإدراكنا لحقيقة أن هناك صدمة الموجهة الينا. ثم بتمييز الحقائق الأساسية ذات الخطوط العامة والتمسك بها، ورفض الانجرار للتفاصيل وكذلك رفض المبالغة بالخوف وتحويله الى رعب. أن نبقى على ثقة بأننا قادرون على مواجهة المؤامرة إن لم تفقدنا الصدمة رشدنا. 
    فانتظار العدو للصدمة لتمرير مؤامرته يعني أنه لم يكن قادراً على تمريرها بدون الصدمة وإلا لما انتظرها. هذا يعني أن خطته لن تنجح بدون تأثيرات الصدمة التي يأملها، علينا. بهذه القناعة نستطيع أن نمتص المفاجأة أولا، ثم اخذ المبادرة بالرد. 

    (1) What Footage of the Beirut Explosion Tells Us About the Blast [Video] - The New York Times 
     https://www.nytimes.com/2020/08/05/video/beirut-explosion-footage.html
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media