حافة الدخول الى عصر النانوتكنولوجي والمضادات الحيوية النانوية -الجزء الأول On the Edge of the Entrance to the Age of Nanotechnology and Nanoantibiotics
    الأثنين 14 سبتمبر / أيلول 2020 - 07:25
    أ. د. سمير هاني السعدي
    ملخص: 

    باتت المشاكل الصحية الأكثر خطورة  والتحديات الصعبة التي تواجهها البشرية  في الوقت الراهن في جميع أنحاء العالم هي الأمراض المعدية والكائنات الحية الدقيقة متعددةالمقاومة للأدوية. وعلى الرغم من تحقق تقدم في مختلف فروع التكنولوجيا وفي فهم طبيعة الإصاباتوالأمراض المعدية ،  وكافة المضادات الحيوية التقليدية المتاحة والعوامل المضادة للجراثيم غير قادرة على حل هذه العقبات أوإيجاد الحلول الناجعة لها ومن بينها عدم القدرة على تجنب سمية الأدوية.  لقد أثبتت الكائنات الدقيقة مؤخرا ولحد الان بأنها الفائزة في هذه المعركة المستعرة الأوار منذ فترة طويلة ، إلا ان بريقا من الآملبدأ يلوح في الأفق جراء تعاون المختصين في مجال التكنولوجية الحديثة الواعدة والتقدم العلمي في مختلف المجالات مما فتح الباب على مصراعيه لأمل جديد في حل هذه المشاكل  ،  ومن بين ذلك اكتشاف وتطوير المضادات النانوية غير التقليدية  المضادة للميكروبات وناقلات المضادات الحيوية، التي تقوم بإيصالها إلىأجزاء الجسم التي تحتاجها وكذلك التمكن من معالجة مسببات الأمراض والعديد من الكائنات الدقيقة المعدية متعددة المقاومةللأدوية والمضادات الحيوية.                                          

    هذه الدراسة تبين ان الجهود الكبيرة  والتعاونالفذ بين العلماء في أصقاع متباينة من العالم  ومن مختلف التخصصات  وفي العديد من المجالات المختلقة مثل الكيمياء ، والفيزياء وعلم وظائف الأعضاء والطب  وباستخدام مبادئ  وأسس العلوم البيولوجية  والمعلوماتية الحيوية  والتكنولوجيا المتطورة  قد أثمرت  وأدت الى تطوير واستخدامالجسيمات  والمضادات النانوية  في علاج ومكافحة الأمراض المعدية  ومسبباته. 

    1.  المقدمة: 

    امتاز التقدم العلمي في دول العالم المتقدمة بتسارع وتيرته حداً جعلنا ننتقل الى عصور جديدة داخل عصر واحد! ويبدو اننا ندخل الآن في عصر النانوتكنولوجي. 

    قامت وكالة الابحاث الامريكية داربا (DARPA) والمرتبطة بوزارة الدفاع الامريكية بالتفرغ الجدي لتطوير الاتصالات العالمية السريعة والتي تكللت باكتشاف او اختراع الانترنيت وتطويره ,  فدخل العالم في عصر الانترنيت  , وللعلم فقد تم إنشاء وكالة داربا في عام 1958 لغرض إجراء وتنفيذ مشاريع البحث والتطوير لتوسيع حدود التكنولوجيا والعلوم لتكون قادرة على الوصول إلى ما هو أبعد من المتطلبات العسكرية.  

    وقد كلفت نفس هذه الوكالة لاكتشاف نوع جديد من المضادات الحيوية ذات الفعالية العالية والمقاومة للأنزيمات المدمرة للمضادات المستعملة حالياً , ولغيرها من اساليب البكتريا والكائنات الدقيقة الحية في تجنب تأثيرها اذ ان امكانيات هذه الكائنات المجهرية الموغلة في الصغر تفوق اي تصور في انتاج كم هائل من المواد الحيوية والكيمياوية وكأنها مصانع عظيمة , لكنها بالغة الصغر لحد متناهي.  

    هذه المضادات المزمع انتاجها اطلق عليها اسم المضادات النانوية (النانوانتيبايوتك Nanoantibiotics) والتي إن نجحت التجارب في اثبات فعاليتها العالية ومقاومتها لكل الكائنات الدقيقة المقاومة للمضادات الحيوية (Antibiotics-Resistant Microorganisms) المعروفة أو لغالبيتها , فأننا سندخل في عصر التانوتكنولوجي الواسع من أوسع أبوابه خاصة في مجال الطب العلاجي والتشخيصي ايضا اضافة لاستخدامات هذه التكنولوجيا في مجالات الفيزياء بفروعها والصناعات المتطورة والكيمياء بفروعها ومجالات النانوتكنولوجيا والطب الاخرى وعلوم الحياة بأوسع مجالاتها. 

    2. علاج الأمراض المعدية والالتهابات بالمضادات الحيوية التقليدية  والمضادات النانوية    لنعد القهقري إلى العصور القديمة ، فلأكثر من 2000 سنة مضت ، استخدمت خلائط ذات خصائص مضادة للميكروبات في العلاج من الأمراض المعدية والالتهابات، وخاصة من قبل  اصحاب الحضارات والثقافات القديمة مثل قدماء السومريين والبابليين والمصريين والإغريق والصينيين والهنود ، حيث استخدموا وبعناية شديدة العديد من انواع واصناف العفن والمواد  النباتية ومستخلصاتها  لعلاج الأمراض المعدية والالتهابات  

    ولنعد وقليلاً الى الوراء ، فحتى منتصف القرن التاسع عشر كان علاج الامراض المعدية والالتهابات مبنيا على الفولكلور او على المعتقدات الدينية. 

    2. 1. علاج الأمراض المعدية والالتهابات بالمضادات الحيوية التقليدية   

    وفي عصرنا الحالي بدأ اكتشاف المضادات الحيوية ، حيث كانت المضادات الحيوية فعالة في اول اكتشافها ومنها البنسلين الذي اكتشفه العالم البريطاني الدكتور الكسندر فلمنك في عام 1928, والذي فتح ابواباً وآمالا كبيرة واستمر في علاج الكثير من الامراض المعدية والسارية ، خاصة بعد تنقيته واستخلاصه , ثم توالت اكتشافات المضادات الحيوية الاخرى الفعالة في علاج الكثير من الامراض الخطرة والوبائية  

    الا أن ظهور وانتشار مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية وعلى نطاق عالمي واسع وما يمثله ذلك من مشاكل صحية عامة وربما شاملة قد دقق ناقوس الخطر، ولكن تبذل الجهود الحثيثة من أجل ايجاد حلول لها ومن بين ذلك اكتشاف وتطوير المضادات النانوية غير التقليدية المضادة للميكروبات وناقلات المضادات الحيوية ، التي تقوم بإيصالها إلىمختلف أنحاء الجسم التي تحتاجها وكذلك تطوير لقاحات نانوية لمنع انتشار الامراض المعدية ، واستخدام النانوتكنولوجي في العلاج وغيره من الأغراض الطبية.  

    1.2. 1.  ظهور المضادات الحيوية الاعتيادية المقاومة للجراثيم 

    والحقيقة أن مرحلة العلاج بالمضادات الحيوية بدأت مع العالم الفرنسي لويس باستور والذي لاحظ ظاهرة التضاد بين بعض أنواع البكتيريا. واعلن باستور: " اننا لو تمكنا من التدخل والاستفادة من ظاهرة العداء بين بعض أنواع البكتيريا والتحكم بها واستخدامها ، فأنها ستفتح لنا أعظم الآمال في علاج الأمراض المعدية".  

    أما العالم الألماني روبرت كوخ فقد لاحظ أن البكتيريا الموجودة في الهواء  يمكن أن تمنع نمو عصيات الجمرة الخبيثة.  

    وقد استخدم واكسمان  (1888-1973)  التسمية الحالية أي "المضادات الحيوية "  وهو العالم الذي طور الستربتومايسين  المستخلصمن بكتيريا التربة.  

    .وقد أثبت مضاد  الستربتومايسين  فعاليته  بشكل خاص  في علاج مرض السل ، كما استخدم لعلاج العديد من الأمراض  والالتهابات التي تتسبب بها بعض انواع البكتيرية الأخرى .  لكن للأسف الشديد ، فأن للستربتوميسين العديد من الآثار الجانبية الضارة، مثل فقدان  السمع  والتسبب بمشاكل في الرؤية ، وقد يسبب العمى أحيانا.  

    أما العالم الألماني إرليخ فيعتبر مؤسس العلاج الكيميائي بالمضادات الحيوية التركيبية المصنعة   

    وقد اكتشف دواءا طبيا مفيدا ضد البكتريا اللولبية في عام 1880 أسماه السلفرسان وسمي لاحقا بالأرسفينامين .  

     كان البنسلين معجزة طبية وهو أول مضاد حيوي طبيعي ، وقد تم اكتشافه من قبل العالم البريطاني الدكتور الكسندر فليمنغ في عام 1928.  لاحظ الدكتور فليمنج  وجود تضاد بين  البكتيريا  ونوع من الفطريات من جنس البنسليوم . وقد افترض انه تم بوساطة تأثير مركب مضاد للجراثيم اسماه البنسلين ، والذي يمكن استغلال خصائصه المضادة للبكتيريا في العلاج الكيميائي  وقد فتح اكتشاف البنسلين هذا الأبواب واسعة - وبتوقعات عالية - لعلاج العديد من الأمراض المعدية والسارية بعد تنقيته واستخدامه لعام 1943. 

    أماالبرونتوسيل ،  فقد كان أول سلفوناميد  مضاد حيوي للجراثيم متاح تجاريا. تم تطويره من قبل جيرهارد دوماك وفريق بحثه في عام 1932 في مختبرات باير في ألمانيا.  دوماك حصل عام 1939 على جائزة نوبل للطب لعمله هذا. 

    مضاد البرونتوسيل هذا كان له تأثير واسع نسبيا ضد البكتيريا إلإيجابية  لصبغة  الغرام، ولكن ليس  ضد العصيات السلبية  لصبغة الغرام.  

    وقد أكتشف العالمان  رينيه ودوبوس الغراميسيدين, وكان أول مضاد حيوي مستخلص بصورة طبيعية من عصيات بريفز ,  كما كان واحدا من أول المضادات الحيوية المصنعة تجاريا واستخدم في العلاج على نطاق عالمي واسع خاصة في علاج الجروح والقروح خلال الحرب العالمية الثانية وعلى نحو فعال جدا.  

    أظهر البنسلين المنقى نشاطا قويا مضادا للجراثيم ضد طائفة واسعة من البكتيريا ، وكانت  سميته منخفضة في البشر. وقد تشارك الكسندر فليمنغ ، وأرنست تشين ، وهوارد في جائزة نوبل في الطب لعام 1945  

    وتبع ذلك اكتشاف الكثير من المضادات الحيوية الأخرى التي كانت فعالة في علاج العديد من الأمراض الخطيرة والأوبئة. 

    1.2. 2.  ظهور وانتشار الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية الاعتيادية 

    وبحلول عام 1946، بينت إحدى المستشفيات أن 14٪ من سلالات المكورات العنقودية المعزولة من المرضى المصابين بأمراض مختلفة كانت مقاومة للبنسلين. وقامت نفس المستشفى بنشر تقرير اوضحت فيه  أن المقاومة  قد وصلت في نهاية ذلك العقد ، إلى نسبة 59٪ بين سلالات المكورات العنقودية  وذلك في دارسة لها وهو ما توقعه [4] العالم فليمينغ نفسه  وقد حذر من خطورة ظهور  المقاومة  لدى الكائنات الدقيقة:  " ليس من الصعب أن تظهر الميكروبات المقاومة للبنسلين  في  المختبر عن طريق تعريضها لتراكيز لا تكفي لقتلها ، والشيء نفسه يحدث أحيانا في الجسم .. و من خلال تعريض الميكروبات بجسمه  لجرعات غير قاتلة من المضادات الحيوية  تجعلها مقاومة لها" . 

    أصبحت مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية في مختلف أنحاء العالم مشكلة صحية عامة بل انه تفاقمت بشكل خطير وهي تحدث عادة عندما تصبح سلالات البكتيريا التي تعيش في جسم الإنسان مقاومة للمضادات الحيوية وذلك بسبب الاستخدام غير السليم  او إساءة استخدام المضادات الحيوية .ويمكن أن يعزى منشأ العديد من آليات ظهور المقاومة للمضادات الحيوية وارجاعه الى الكائنات الحية البيئية العادية غير المسببة  للأمراضعادة.  

    1.2. 2. 1  أسباب ظهور وانتشار الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية الاعتيادية 

    لكن استعمال هذه المضادات تميز في الكثير من الاحيان بعدم مراعاة طبيعتها ووصفها في غير محلها واستخدام المضادات ذات التأثير الاوسع (Broad-spectrum antibiotics) في علاج امراض لاتتطلب غير مضادات ذات تأثير محدد بنوع المكروبات المسببة للمرض (Narrow-spectrum antibiotics) والوصفات العشوائية لمضادات كثيرة وعدم اتمام المريض اخذ الجرعات الموصوفة منها وغير ذلك من الاسباب الكثيرة التي لامجال لذكرها هنا عدا عن تكيّف الجراثيم في مقاومة هذه المضادات بصورة مذهلة  ,  كما ان ظهور الطفرات الوراثية في بعض سلالاتها قد ادى الى ظهور انواع مقاومة للمضادات الحيوية ليعضها او للعديد منها رغم نشاط الباحثين الدؤوب وظهور شركات الادوية العملاقة . 

    1.2. 2. 2.1.  آليات ظهور مقاومة الكائنات الحية الدقيقة للمضادات الحيوية  الاعتيادية 

    ويمكن أن يعزى منشأ العديد من آليات المقاومة للمضادات الحيوية من قبل الكائنات الحية المسببة       للأمراض الى ظهور طفرات وراثية وتغييرات في البروتينات المستقبلة لهذه المضادات وصنع وتطوير إنزيمات مدمرة لها أو تغييرفي النشاطات الحيوية (الأيض) لهذه الكائنات وكذلك بفعل عوامل بيئية. ويجب الاهتمام الجدي بعدم وصف أو اعطاء الأدوية من المضادات الحيوية إلا عند الضرورة  ووفق التشخيص الصحيح للمرض المعالج ، والتأكيد على المريض بضرورة تناول المضاد الحيوي بحرص شديد حسب الوصفة الطبية مع توعيته بالأضرارالتي قد تنجم عن إهمال تعليمات الطبيب بشان ذلك للحد من ظهور الكائنات المقاومة للمضادات الحيوية. 

    وهناك حاجة ماسة بالزام المشرعين لوضع تشريعات تستند للمبررات العلمية  ولإقناع الأطباء والرأي العام لتبني السلوكيات السليمة في وصف المضادات الحيوية المقاومة للميكروبات لمنع ظهور وانتشار الكائنات الحية الدقيقة المقاومة لها.   

    وعلى الرغم من الجهود الكبيرة والرعاية في استخدام المضادات الحيوية التقليدية الحالية المتاحة واكتشاف وتطوير مضادات حيوية جديدة ، والأدوية المضادة للجراثيم ، فأن تواصل ظهور الكائنات الدقيقة ذات القدرة العالية على مقاومة العديد من المضادات الحيوية تمثل تحديا كبيرا ومشكلة خطيرة في علاج الأمراض المعدية  والالتهابات الناجمة عنهاإن ارتفاع نسبة  ظهور الكائنات الدقيقة متعددة المقاومة لعدد كبير من المضادات الحيوية يمثل حقبة جديدة محيرة  ويقرع ناقوس الخطر وينذر بالعودة الى حقبة ما قبل ظهور المضادات الحيوية.  

    البروفيسور الدكتور سمير هاني السعدي* 

    أستاذ علم الاحياء المجهرية الطبي والمناعة ، واستاذ علم الانسجة البشرية في الولايات المتحدة الامريكية سابقا.  

    أستاذ سابق بكلية الطب في جامعة بغداد. 

    (Professor of Medical Microbiology and Immunology, and Professor of Human Histology). 

    ملاحظة (1) 

    أوصى البروفيسور عميد كلية الطب بجامعة بغداد قبل عدة سنوات : توزيع مقالي البحثي هذا وتعميمه على جميع رؤساء الاقسام في كلية الطب بجامعة بغداد ورؤساء الاقسام في مدينة الطب دون استثناء بل وكلفني شخصيا بالاشراف على والتاكد من وصوله لهم جميعا لاهميته وتم ذلك.  

    ملاحظة (2) 

     للمقال تكملة لاحقة. 
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media