انبرى في الاونة الاخيرة الكثير من الشخصيات وخصوصا السياسيين منهم في حديث تغلب عليه الدعاية الشخصية البحتة ، عن ميناء الفاو الكبير والربط السككي وتصوير اسباب انشاؤهما على انهما جزء من المبادرة الصينية المسماة بمبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative(BRI)) ) ، الذي ما انفك وعبر سنوات طوال عن القول انه رفض طلبا كويتيا للربط السككي مع العراق ومع ذلك يصف انه فعل ذلك بصمت وباربع كلمات لا غير ، واستكثر على السيد ابراهيم الصميدعي حديثه عن الموضوع واصفا اياه انه يتحدث عن موضوع ليس من اختصاصه ناسيا انه ايضا لم يخدم قطاع النقل الا مدة استيزاره لها وهي مهمة ادارية اكثر مما هي مهنية ، وهذا المنصب لا يتيح للوزير ان يطلع بشكل كبيرعلى المزايا الفنية لمفردات فروع النقل جميعا ، مثل الفرق بين خطي السكة المتري و القياسي واكرر الفرق بين خط السكة المتري والقياسي ، مع ان خطة انشاء ميناء الفاو تعود الى ما قبل سقوط النظام ، وان التصاميم اعدت اعدت فعليا من قبل شركات ايطالية منذ عام 2009 والهدف من انشاءه بعيد عن فكرة المبادرة الصينية التي اطلق عام 2013 بخمس سنوات ، ومبررات انشاءه متعلقة بخطط طموحة في تطوير البلد ، فليس من المعقول ان يكون العراق الزاخر بالطاقات المادية والبشرية وذي الموقع الجغرافي المهم خاليا من بنى تحتية مهمة مثل ميناء الفاو ، في وقت تقوم الامارات ذات المساحة المحدودة والفقيرة بعدد سكانها وموقع جغرافي لا يقارن العراق ان تمتلك موانيء كبيرة ومهمة ، او ان تخطط الكويت الصغيرة لاقامة ميناء كبير مثل ميناء مبارك ، وايضا جهودها بدأت في هذا الشأن قبل المبادرة الصينية ، هذه الجهود تدرج ضمن حرص الدول على توسيع بناها التحتية لأستيعاب الخطط التنموية الكبيرة بعد زوال عصر النفط
هذه الاحاديث والتصريحات ادت الى زيادة احتقان الشارع وخلقت مفاهيم مشوشة نتيجة تسطيح الموضوع وتجريده من العوامل الداخلية والخارجية المؤثرة والفاعلة ، كما ان هذه التصريحات ولأنها ذات بعد شخصي تغفل عمدا خبايا مشاريع تعد سيناريوهاتها حاليا وتكاد ان تكون مكملة للتطبيع ببن بعض البلدان العربية و(اسرائيل) جوهرها الربط السككي ، وتحمل بين طياتها رغبة اميركية بعدم اقامة ميناء الفاو وعرقلة تفعيل ميناء طرطوس السوري او بيروت وتقديم البديل من خلال تفعيل خدمة الربط بين موانيء الامارات وحيفا من اجل منع نجاح مبادرة الحزام والطريق (1 )
ونخشى ان يكون لهذا الاحتقان ان يحرف المطالب الجماهيرية الحقة في التغيير المنشود في اعادة هيكلة العملية السياسية نحو خدمة المواطن لا الاحزاب ورجالاتها كما كان ذلك طيلة السبعة عشر عام مضت ، وبغير الاصلاح المنشود لا يمكن التعويل على حكومات مستقلة تأخذ على عاتقها تنفيذ مشاريع طموحه في اقامة بنى تحتية مهمة مثل الموانيء وخطوط السكك والطرق الدولية والمطارات التي من دونها لا يمكن أن يكتب النجاح لاية خطة تنموية طموحة في العراق
لذلك لابد من وضع الحقائق امام الجميع ومن ثم تقييمها من وجهة نظر مهنية ، لكي يطلع عامة الناس على صحة صدق تلك التصريحات
1-ان الحديث عن الربط السككي سابق لاوانه جدا ،حيث يفتقر العراق للبنى التحتية التي تتيح له ان يكون جزءا من الخطة الطموحة لمبادرة الحزام والطريق الصينية ، حيث ان اغلب هذه الخطوط قديمه وان عمرها الفني قد انتهى وتصاميهمها لا تلائم التطورات السريعة الجارية في العالم ، باستثناء جزء صغير جدا وغير ذي اهمية يربط كركوك بحديثة عبر بيجي تم انشاءه قبل اكثر من 35 سنة مضت وهي خطوط مفردة ، وبالاضافة الى قدم هذه الشبكة ، فانها تعرضت جميعها القديم منها والحديث نسبيا الى اضرارا بالغة جدا خلال الحصار ومن ثم العمليات العسكرية والاعمال الارهابية التي الحقت اذى كبير بخطوط السكك والابنية الخدمية ، ويحتاج العراق الى مبالغ مالية كبيرة فقط لنفخ الروح بالموجود من البنى التحتية القاصرة اصلا عن خدمة الداخل ناهيك عن اهداف برنامج طموح كالحزام والطريق
2-واذا اريد فعلا النهوض بقطاع السكك ، فالعراق بحاجة الى عشرة سنوات على اقل تقدير من الان ان تمت المباشرة اليوم باقامة شبكة خطوط سكك تغطي مساحة العراق وتعطي مرونة في النقل لكل الاتجاهات ، فمن المعروف ان تنفيذ مشاريع السكك تحتاج الى فترة تنفيذ طويلة الامد رغم تقدم التقنيات الحديثة في التنفيذ، ومما لايعلمه السادة المتحدثين ، ان العراق اعد تصاميم لأقامة شبكة سكك حديد مزدوجة وتعمل بالطاقة الكهربائية تغطي كل العراق بما فيها دولة كردستان الشقيقة تم انجازها في عقد ثمانينيات القرن الماضي لربط جميع مدن العراق مع بعضها وكانت متقدمة في مواصفاتها انذاك حتى على بعض البلدان الاوربية ، ووثائق التصاميم موجودة ، بعضها تم تحديثها بعد عام 2003 ، لكن يبقى القول ان تنفيذ هذه الخطوط على المدى القريب هو ضرب من الخيال لاننا نعرف ان الدولة التي اهرقت مئات المليارات من العائدات النفطية واثقلت كاهل العراق بديون ضخمة نتيجة الفساد وعدم الجدية في بناء الدولة ، غير قادرة على تنفيذ مثل هذه الشبكات الطموحة وبالتالي لا يمكن دمج العراق بمبادرة الحزام والطريق ، مما يجعل الاعتراضات على الربط السككي غير ذي جدوى . ومن التناقضات الاخرى التي وقع فيها السادة المتحدثون ،
3- لنذهب الى ميناء الفاو ، ولنرى ما ذا تحقق منذ عام 2008 و2009 ، عندما بدأ العراق بالتباحث مع الجانب الايطالي بخصوص اعداد التصاميم الاولية والتفصيلية للمشروع ، حيث كنت احد اعضاء الوفد في بداية الامر ، وبالمناسبة حتى اجور التصاميم التي قام بها الجانب الايطالي هي جزء من مبلغ المنحة الايطالية ، والان وقد مرت اكثر من عشرة سنوات على الهالة التي اثيرت وصورت المشروع على انه مشروع طموح ، لا يزال يراوح في مكانه ولم ينفذ منه سوى عقود كاسر الامواج وهي عقود متعثرة ، ولا نريد ان نعرج على تفاصيلها او تفاصيل الصراعات التي تحيط بها .( للحديث صلة )
4-امام هذا الفشل الحكومي وعدم جدية الحكومات المتعاقبة في تنفيذ مثل هذه المشاريع الستراتيجية ومنها ميناء الفاو ، كذلك لم تسمح لمبادرات القطاع الخاص الذي يعول عليه في كل بقاع العالم في النهضة الاقتصادية ، فقد اهملت قرصة استثمارية تقدم بها رجل أعمال عراقي مغترب بصري المولد من ذوي الخبرة والاختصاص هو (السيد حنا الشيخ ) عرض فيها رغبته بانشاء ميناء الفاو على شكل لسان يمتد لعدة كيلومترات في الخليج العربي تقام عليها مجمعات كبيرة تضم مدن صناعية وسياحية وسكنية ليكون اكبر ميناء في المنطقة ، يوفر للعراق عمقا بحريا يعوض الزحف الكويتي على اطلالات البلد البحرية بسبب الظلم الاممي نتيجة مغامرات النظام السابق ومن ثم مساعدة الفاسدين من حكامنا الجدد ، ويوفر للقوة البحرية العراقية حضورا قويا ، وأيضا منفذا اضافيا لتصدير النفط العراقي ، كان ذلك لقاء ان تدفع الدولة دولارين عن كل برميل يتم تصديره عبر هذا الميناء ،الا ان السراق استكثروا هذا المبلغ ووقفوا بالضد منه ومنهم من يكثر الحديث عن الميناء والربط السككي بحجة الاخلال بالسيادة او غيرها من الادعاءات الكاذبة ، وكان بالامكان وضع شروط منها توظيف العوائد في الاستثمار الداخلي ، ونسأل هنا ايهما اكثر وطنية ، صاحب هذا المشروع ام رئيس الوزراء الخرتيت عادل عبدالمهدي الذي ذهب مهرولا الى الحدود العراقية الاردنية بأمر اميركي ليوقع اتفاقية مذلة للعراقين في تصدير نفط البصرة أم الموانيء عبر العقبة ، على ان يدفع العراق ٢ دولار للاردن عن كل برميل يتم تصديره مع اعطاء كميات نفط مجانية ، على ان يقوم العراق وعلى حسابه بانشاء خطوط نقل النفط من البصرة ، إضافة الى انشاء مصافي مجانية للاردن لاحقا ، ووفقا لتجارب سابقة ، فان الاردن سوف يفرض تعريفه اعلى تحت اية حجة ، كما فعل مع النظام السابق عندما قدم تعريفة نقل رمزية اثناء الحرب العراقية الايرانية ، ثم فرض زيادة لم تكن متوقعه في وقت كان فيه العراق مضطرا للموافقة ، وهذه الاتقافية المذلة سوف تضيف للاقتصاد الاردني دخلا يزيد عن ١٨ مليار دولار ، في حين ان معدل موازناته السنوية تتراوح بين 7 الى تسعة مليارات في افضل الاحوال ، ويستكثرون على مستثمر من البلد ان ينشيء منشآت ضخمة دون خسارة للدولة
5-في الوقت الذي يستنكر فيه بعض المتحدثين واخرين على أية نية لطرح الدولة ميناء الفاو للاستثمار ، صرح احدهم انه بامكانه جلب الاستثمارات الخارجية لقطاع السكك ....، مع خطورة مثل هذا الحديث لتعلقه بالامن القومي وواجب الدولة في تقديم الخدمات الضرورية ومنها النقل المريح للمواطنين ، فأنه يقع في مغالطة كبيرة ولا يعدو حديثه هذا اكثر من دعاية شخصية دأب البعض على استخدامها ، فألاستثمار في بنى تحتية ذات طبيعه ستراتيجية مثل السكك التي تعد الركيزة الاساسية لاي تطور اقتصاديو هو سلاح ذو حدين فاما ان يخدم المصالح الوطنية للبلد ، وهذا لا يتحقق الا بوجود طبقة سياسية نزيهه وطنية ومهنية ، لا تلك التي جاءت بعد عام 2003 ، التي جعلت وستجعل مثل هذا الاستثمار وبالا على الشعب وقيدا طويل الامد وتمدد على حساب مصالح البلد ، وللتوضيح ، اقتطف هنا جزءا من خبر نشرته محطة BBC لهواجس الاستثمار الصيني في البنى التحتية لخدمة مبادرة الحزام والطريق ، مع ان هذه الدول فيها شبكات سكك واسعة وتغطي مساحات كبيرة، ( تدارس زعماء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في بروكسل 10 نقاط تتعلق بالعلاقات مع الصين.تتضمن هذه النقاط تعزيز التواصل مع الصين ولكنها تتضمن ايضا خططا "للتصدي للآثار المشوهة لملكية الحكومات الأجنبية" علاوة على "المخاطر الأمنية المترتبة على الاستثمارت الخارجية في الأصول والتقنيات والبنى التحتية". (2) بالمناسبة كل الدول الرأسمالية وهي في شدة الفكر الرأسمالي كانت تمتلك بالكامل خطوط السكك والمترو ، الا انها خففت هذه القيود عند بداية الالفية الثالثة ، عبر طرح اجزاء من هذه الشبكات للاستثمار مع بقاءها المالك لها ، مع ما تمثله من ارقام فلكية في حالة البيع ، كالمحطات ، ادارة التشغيل ، بشرط السماح للدولة باستغلال هذه الخطوط عند الاضطرار من غير تبعات مالية ،
وعلى فرض اننا ذهبنا مجبرين الى خيار الاستثمار الخارجي ، لابد من توفر شروط مهمة لنجاح مثل هذا الاستثمار ، اولها تحقيق بيئة آمنه ، وجود قوانين وتشريعات جاذبة لا طاردة وتحمي الاستثمارات ، واختيار هيئات ذات شخصيات مهنية ونزيه لادارة مثل هذه المشاريع لا من الهواة ممن قرأ مضطرا سطرا عن السكك او الموانيء ، وهذا ايضا غير متوفر في العراق حاليا ، حيث ان الدولة غير قادرة على توفير الحماية لنفسها ناهيك عن شعبها ، فكيف لشركات اجنبية أولا ، وثانيا وخلال الفترة الماضية جرى استبعاد وتهميش للكفاءات الوطنية واستبدالهم بالاصدقاء والمعارف من غير خلفية معنية واكرر من غير خلفية مهنية ، فمن سينبري لادارة مثل هذا الملف، بالتاكيد ان بقي الحال على ما عليه الان، فان الطارئون هم من سيتولى الامر وبالتالي سنعيد تكرار السيناريو السابق المؤلم ، كما ان الاستثمار في بناء خطوط السكك ليس بالعمل التقليدي اطلاقا ، لان مثل هذه المشاريع ذات الكلفة العالية يجب ان توفر للشركات المستثمرة ظروف استرداد رأسمال المشروع بشكل سلس وهذا قد يتعارض مع سياسة الدولة في منح تسهيلات لمختلف النشاطات الحكومية والشعبية في استخدام خطوط السكك ، او امكانية استخدامها في الظروف الطارئة كالحروب او الكوارث الطبيعية ،
6-اذا كانت الميزة الجغرافية للعراق تتيح له ان يكون مرشحا اكثر من غيره لان يكون جزءا من مبادرة الحزام والطريق ، فانه ليس من المعقول ، ان تنتظر بقية البلدان المعنية ممن تتسم بوجود انظمة سياسية مستقلة تعمل من اجل شعوبها لا من اجل احزابها ، حتى ينجز العراق مفردات البنى التحتية لهذه المبادرة ، فمن المنطقي جدا ان تبحث عن بدائل اخرى وان اتسمت بكلفة اعلى ، بدلا من الانتظار لزمن قد يفرض تغيرات جيوسياسية ، تفرض طرق او بدائل اخرى ، وعلى ضوء هذه البديهية ، يمكن الاستعاضة عن اهمية الجغرافية العراقية بخيارات اخرى ، فهنالك الاراضي السعودية التي تصل خليج العقبة او البحر المتوسط او تركيا ، عبر موانيء سعودية او كويتية او دول خليجية اخرى على الخليج ، خصوصا أذا ما عرفنا ان اول خطوط سكة عرفتها المنطقة العربية كان خط اسطنبول المدينة المنورة وكان يسمى خط الحجاز ،
المغالطات في الأحاديث والتصريحات عن الربط السككي -3-
7-يصور السادة المعترضون مبادرة الحزام والطريق BRI على انها نقل بحري من الصين الى الخليج ومن ثم تحتار الصين في كيفية وصول تجارتها الى اوربا بوجود الرفض العراقي للربط السككي مع الكويت وعدم وجود ميناء محدد لكي يكون الوسيط في ذلك ، ويكثرون الحديث عن خط بحري ثم ميناء ثم القناة الجافة فقط ، وهذا فهم قاصر ، في حين تهدف هذه المبادرة التي اعلن عنها رسميا عام 2015 إلى تعزيز التنمية المتكاملة في أوراسيا ، وانها تعتمد محورين وكما ورد في نصها (The "Belt” mainly represents land-based transport and is called the ‘Silk Road Economic Belt’; the Road represents maritime-based transport and is called the ‘21st Century Maritime Silk Road)’ وترجمتها (يمثل "الحزام" النقل البري بشكل أساسي ويسمى "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير"(والمقصود بطريق الحرير التأريخي ) . ويمثل الطريق النقل البحري ويسمى "طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين". (3) A Sustainable Transport Competitiveness Analysis of the China Railway Express in the Context of the Belt and Road Initiative
وللتوضيح اكثر ، نعرض الشكليين التاليين اللذان يترجمان النص السابق للمبادرة (الاول – الطريق البري الذي يعتمد المسار التأريخي لطريق الحرير ، والثاني الطريق البحري الذي افترضته المبادرة
الشكل -1- لمسار الطريق البري او طريق الحرير التأريخي (4)
الشكل -2- خريطة توضح بعض مسارات طريق الحرير الجديد (الجزيرة) خريطة توضح بعض مسارات طريق الحرير الجديد (الجزيرة)
الشكل -3- مسار الطريق البحري الذي افترضته المبادرة الصينية
من هذا الشكلان ، يتوضح ان الطريق البري الذي يعتمد طريق الحرير القديم يمر بالاراضي الايرانية ثم الاراضي العراقية باتجاه الشام والبحر المتوسط وشمال افريقيا ، او من الاراضي الايرانية الى تركيا ، لذلك فالدعوة لرفض ان يكون العراق جزءا من هذا الطريق البري من خلال عدم الربط مع ايران هو خسارة اقتصادية للعراق ، أما بالنسبة لأيران بأمكانها الربط مع تركيا التي فيها بنى تحتية اكثر تطورا من العراق في مجال السكك وقربها من اوربا ولديها موانيء كبيرة ومتطورة على البحر المتوسط
نتمنى على هؤلاء الذين يعارضون المنطق ومن لحق بركبهم من الساسة والنواب وآخرهم السيدة عالية نصيف ، ان يبتعدوا عن الاثارة من اجل مجد شخصي واعادة قراءة المبادرة بتروي ومعرفة مبررات اعلانها وماهي غاياتها ، وما هو مجال عملها وأي الطرق ستعتمدها ، لأنها تحمل بين طياتها كما جاء في مقالة عن منصة Geostrategic للمنتدى الاقتصادي العالمي بانها تسعى لتطوير البنية التحتية للنقل متعدد الوسائط والاتصال تحاكي طريق الحرير القديم وتشجع التعاون الإقليمي في آسيا وأوروبا وأفريقيا كي تسهل التوسع التجاري ، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر ، وتسريع عملية التصنيع ، وتسهيل التكامل الإقليمي ، وتسريع عملية النمو الاقتصادي. إضافة إلى انها تركز على ضرورة وجود اتصال سككي بين الشركاء التجاريين من اجل احداث تأثير كبير على تحسين التجارة في منطقة مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative (BRI)) (7).
من هنا يبدو بؤس تلك اللاءات التي يطلقها هؤلاء واستغفالهم للناس وللساسة الجدد من خلال تصويرهم ان خط السكة العراقي هوالوحيد دون غيره الذي سيكفل نجاح مبادرة الحزام والطريق الصينية لأيصال البضائع الصينية الى اوربا المسكينة ، ولا اعرف لمصلحة من يتم تداول هكذا معلومات مشوهه ، هل يدرك هؤلاء ان دولة عظمى مثل الصين من السذاجة ان تلجأ لطرق متخلفة في النقل وفق تفكير اقل ما يقال عنه بدائي ، مفترضين انه يتم تحميل الاف الحاويات على ظهر بواخر ضخمة لتنطلق الى موانيء الخليج ثم تنزل حمولتها ومن ثم تجزأتها ونقلها عبر عشرات الرحلات للقطارات (على افتراض وجود شبكات محلية كفوءة ) على طريقة عنق الزجاجة ، فكم من الزمن ستستغرق نقل حمولة باخرة واحدة عبرعدة رحلات مكوكية لكي تصل اوربا وكم ستكون الكلفة للنقل وماهو الزمن الذي سيستغرقه والذي يتم ترجمته وفق معادلات خاصة يعرفها اهل النقل الى قيمة مالية ، واذا كان نقل البضائع سيؤول اخيرا الى النقل عبر القطارات ، أما كان الاولى بالصين ان تلجأ الى هذه الخيارمن بداية الامر، بدلا من انتظار ساسة العراق في حسم جدلهم في الربط او الاستئثار بنقل البضائع الصينية الى العالم ، سيما وان الامتداد البري لحدودها يوفر لها هذه الميزة للوصول الى اوربا ، كما ان القول بان كلفة النقل البحري الى النقل بالقطارات تمثل واحد الى خمسة غير دقيق ، فهنالك العديد من العوامل تحدد الكلفة المقارنة ، منها البعد الجغرافي ، الاستخدام متعدد الوسائط في النقل ، نوع البضاعة وهي عامل مهم ، التأثير البيئي الذي يمثل كلفة اضافية ، المخاطر المحتملة اثناء النقل ، القيمة الزمنية وعوامل اخرى ، كما ان مدة النقل بالقطار هي نصف تلك التي تستغرقها الرحلة البحرية وانها تتم على مرحلة واحدة لا متعددة كما في النقل البحري ، أي ان النقل البحري بحاجة الى السكك والشاحنات للنقل الى المناطق الغير ساحلية ، ولا اعرف لماذا يدخل البعض نفسه في اعطاء معلومات مغلوطة مستبعدا الاراء المهنية ذات الاختصاص .
المغالطات في الأحاديث والتصريحات عن الربط السككي -4-
ولكي نصوب الامر ونزيل مفهوم تم تكريسه في اذهان الناس على ان القناة الجافة العراقية هي عصا موسى للتجارة الصينية نحو اوربا والتي تتم باستخدام البحر ومن ثم البر، نوضح بان الجهود الصينية في التواصل البري مع اوربا قد بدأ فعليا باستخدام السكك في التعامل التجاري مع اوربا منذ عام 2011 عبر تشغيل خط سكك حديد الصين السريع China Railway Express كمنصة نقل جديدة للتجارة الصينية الأوروبية قبل اعلان مبادرة الحزام والطريق وانفقت مئات المليارات داخل اراضيها وفي بعض بلدان اوراسيا ، لانها تدرك (إن التنمية المستدامة لقطار الصين السريع لها أهمية كبيرة من حيث تعزيز نمو التجارة بين الصين وأوروبا وتلبية الطلب على الشحن في آسيا وأوروبا. ولا يمكن تجاهل ميزتها الموفرة للوقت على الشحن(المقصود النقل البحري) (8) . وقد انجزت من أول قطار من تشونغتشينغ إلى دويسبورغ في ألمانيا في مارس 2011 إلى آخر قطار في نهاية عام 2018 ، أكثر من 12937 رحلة قطارات لنقل الحاويات . في الوقت الحاضر ، أنشأت الصين ثلاث ممرات رئيسية من الشرق والوسط والغرب عبر مانتشولي وإيرليانهوت وألاتاو باس وهورجوس. هناك 48 مدينة تعمل محليًا ، ووصل 42 مدينة في 14 دولة أوروبية. الخطوط المشغلة موضحة في الشكل 3) (9)
قد يتصور البعض اننا من خلال تحريرنا لهذا المقال البحثي ، نهدف الى ثني الجهود المطلوبة لبناء ميناء الفاو ان كانت هنالك جهود حقيقية وجادة ونشك في ذلك كثيرا ، فان هذا البعض واهم جدا ، ولا يدرك معنى ان يمتلك العراق بنى تحتية كبيرة ، او على الاقل بمستوى دول اقل منه مساحة واقل عددا في السكان وموقع جغرافي لا يرقى الى موقع العراق ، لا تتوفر فيها الطاقات المادية والبشرية كما في العراق وهو جدير بذلك لان الله منحه ما لم يمنحه للاخرين ، وانشاء ميناء الفاو تتطلبه المبررات التالية :-
أ-العراق بحاجة الى منافذ بحرية كبيرة تليق به كبلد محوري ولكسر طوق الحصار البحري المفروض عليه بسبب القرارات الاممية الظالمة، نتيجة لمغامرات النظام السابق وفساد حكامه الجدد
ب- العراق تاريخيا هو اقدم بلد في ادارة الموانيء في المنطقة وفيه الطاقات المادية والبشرية القادرة على الادارة والمنافسة ، اما بقية البلدان فيها منشآت مادية ووقوى بشرية اجنبية ، ومن المعيب لنا ان تكون هنالك موانيء كبيرة ومهمة في بلدان لا تمتلك ما يمتلكه العراق كما اسلفنا
ج- نلتمس من بعض المعترضين افتراضهم ان يبقى العراق كما هو الحال عليه الآن من تخلف في كل شيء من خلال تكريس مقولة ان العراق هو افضل سوق للبضائع الصينية كما كتب احدهم (اكبر سوقا للبضائع الصينية من الكويت ) ، منكرا على بلده ان يعيد عافيته وان يكون سيدا للمنطقة كما كان عبر التاريخ ، وان التدهور هو حالة استثنائية بدأها النظام السابق واكملها اخوته في المنهج من ساسة الصدفة
د- كما ان مبادرة الحزام والطريق تتطلب بنى تحتية كبيرة ومنها الموانيء والسكك لكي يكون العراق بلدا موافقا لمتطلباتها
وبعيدا عن مبادرة الحزام والطريق ، فانه لا يمكن تصور خطة تنمية اقتصادية ناجحة او استثمارا ناجحا دون ان يسبقها توفر البنى التحتية كالموانيء وخطوط السكك والمطارات والطرق البرية ، وعلى الحكومة وبعيدا عن المزايدات التي تدور الان والتي قد تكون موجهه بالاساس خلاف المقصود ، ان تبادر لاعداد دراسات شاملة تشمل المنافذ البحرية وخطوط السكك والطرق البرية كحزمة واحدة ، بدلا مما يجري الان من خطوات مرتبكة لمواجهة هذه الحملة لاسكات الشارع الذي تلهبهه هذه التصريحات وتسويقها لادعاءات لا صحة لها
اما في موضوع الربط السككي ، ونتيجة الى غياب المهنية عند الكثير من المتحدثين عن هذا الموضوع ، لابد من تقديم بعض التوضيحات الضرورية لازالة اللبس الذي تحدثه تلك التصريحات وضرورة تبصير الناس ، فمن نافلة القول تتطلب اقامة شبكات سكك حديدية ذات مواصفات عالية التقنية لكي تلائم متطلبات التطور الحضاري حول العالم ومن اجل عيون المتشدقين بمبادرة الحزام ، ايضا تستوفي استحقاقات تلك المبادرة ، لابد ان انشاء شبكات سكك كبيرة مزدوجة ومكهربة تمتد لآلاف الكيلومترات بحمولات محورية عالية ، وشبكات بهذا الحجم ، فانها تتطلبت انشاء مدن صناعية او بالاحرى محطات مركزية ضخمة لتوفير خدمات الصيانة بدرجاتها الأربعة موزعة على أرجاء العراق ، منها ما هو كبير يرقى الى منشأة تصنيعية تحتوي ورشا كبيرة تتوزع عليها فعاليات الصيانة بانواعها ، تعاونها ورش متوسطة الحجم اكثر عددا ، اضافة الى اعداد اكثر لمحطات الايواء والصيانة البسيطة ، وهذا ما جسدته تصاميم شبكات السكك المنجزة التي نوهنا عنها انفا والمنجزة في ثمانينيات القرن الماضي ، فعلى سبيل المثال نصت تلك التصاميم على قيام مجمعا ضخما في منطقة اليوسفية يفوق حجم مدينة سكانية مكتظة ، وما تعنيه مثل هكذا مجمعات من حاجة الى ايدي عاملة كبيرة ، علما ان هذه التصاميم كانت مقصورة على نقل الأشخاص والبضائع داخل العراق وسنة الهدف كانت عام 2000 ،
ما نريد قوله هنا ، ان الكويت بمساحتها وسكانها وامكانياتها المهنية غير قادرة على ادارة هكذا موضوع ، وان الريادة ستكون للعراقيين أصحاب اقدم خدمة سكك بعد خط الحجاز في المنطقة وهو الاكثر ملائمة لمثل هذه الفعاليات ، هذا اولا ، وثانيا وعلى افتراض ان الكويت قد طلبت الربط السككي مع العراق ، لِمَ يتم التعامل مع هذه الحالة بسلبية وندية ، مع ان المبادرة الصينية ترمي الى التكامل الاقتصادي بين البلدان المنضوية تحت سقفها ، وتفرض وجود اتصال سككي بين الشركاء التجاريين ، وثالثا ، لماذا يهمل السادة الممانعون الى ذكرحقيقة ان العراق سيجني ايضا ارباحا من استخدام السكك عند مرورها بالاراضي العراقية ، بل ان هذه الحلقة هي الاهم بالموضوع ، حيث ان العراق هو الخيار الاكثر جدوى لعبور السكك مع وجود خيارات اخرى امام الكويت لكنها مكلفة كما اسلفنا في مقدمة مقالنا البحثي هذا ، وان الكويت ستضطر اجلا او آجلا لاستخدام الاراضي العراقي بدلا من تعقيدات الخيارات الاخرى ، والا ستفشل جهود قيام موانئها ، وهنا يقفز السؤال ، اما من الاجدر ان نستغل هذه الحالة ، لأعادة النظر في كافة القضايا الخلافية مع الكويت لقاء الربط السككي او نذهب لجهد ثنائي لاقامة موانيء مشتركة وقد نوهنا في مداخله مطولة في عدد من مجموعات الواتساب مثل مجلس الخبراء العراقي ، حوارات ، نخب وكفاءات عراقية ، العراق المستقل ومجموعات اخرى قبل اسابيع عن مثل هذه المقترحات لقيام علاقات ودية وتصحيح المسار الخاطيء الذي فرضته ظروف الفترة السابقة والقرارات الجائرة للامم المتحدة والخروقات الكويتية تحت ظل الاستقواء باميركا ومن ثم التعويل على الفاسدين في السلطة الجديدة وايضا وضع حد للتجاوزات الكويتية على الحقوق العراقية ولا اعرف ان اطلع عليها احد المتشددين ، ليغير من نبرة تصريحاته المتشددة مائة وثمانون درجة نحو المهادنة مقترحا ما ذهبنا اليه في مداخلتنا تلك من استغلال هذه القضية لتحسين العلاقة ولينسف كل تصريحاته المتشنجة السابقة التي اوصدت كل الابواب من غير مبرر ، واتمنى صادقا ان يقدم احدا من المعترضين الجدوى الاقتصادية لتلك الاعتراضات وفق معادلات مهنية ، لاننا بالمرصاد لأي كلام لا يمت للمهنية بصلة ، خدمة لوطننا الجريح وحفاظا على حقوق شعبنا المظلوم ، وهنالك في الجعبة عدد من الردود على هذا الكم من التصريحات ، الا اننا نكتفي بالاهم
وأخيرا، لابد من الإشارة إلى ان مشاريع السكك لها دورا في تعزيز العلاقات بين البلدان كما ان لها دورا خطيرا أيضا في الحفاظ على وحدة البلد
(1)جريدة الأخبار مرفآ طرطوس وبيروت وسكة بغداد: تجارة شرق المتوسط إلى حضن إسرائيل؟زياد غصن الثلاثاء 25 آب 2020
(2)تقرير لمحطة BBC مشروع "طريق الحرير الجديد" الصيني يلقى صدى إيجابيا في إيطاليا 21 مارس/ آذار 2019
(3)A Sustainable Transport Competitiveness Analysis of the China Railway Express in the Context of the Belt and Road Initiative
(4)الشكل رقم 1 من شبكة النبأ في 8 نيسان عام 2017
(5)الشكل رقم 2 الجزيرة نت 26 نيسان 2019 –
(6)الشكل رقم 3 من تقرير BBC السابق
(7)The economic effects of improved transport links in Belt and Road countries
(8)A Sustainable Transport Competitiveness Analysis of the China Railway Express in the Context of the Belt and Road Initiative
(9)نفس المصدر السابق
عبدالزهرة مطر الكعبي
azharmutar@yahoo.com