عرض لكتاب: هل أنصفنا التاريخ؟
    الأحد 3 يناير / كانون الثاني 2021 - 10:31
    د. عبد الحسين الطائي
    أبدعت الدكتورة فائزة عباس المهداوي شقيقة الشهيد فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الشعب في تأليف كتاب بعنوان: هل أنصفنا التاريخ ؟، صادر عن دار ومكتبة كلكامش في بغداد آواخر 2020، لتوثيق سيرة الزعيم الوطني عبدالكريم قاسم، الذي حكم العراق للفترة 14 تموز 1958 ولغاية الإنقلاب الفاشي في 08 شباط 1963. تضمن المؤلف عشرة فصول موزعة على (786) صفحة، إفتتح الكتاب الأكاديمي الدكتور صباح حسن صالح الطائي بتقديمٍ راقٍ، أثنى فيه على الجهد الكبير الذي قامت به الباحثة في توثيق الكثير من الحقائق والأحداث في السيرة النضالية الكاملة للزعيم عبدالكريم، ومنجزاته الوطنية، فهي أول من كتب عنه من عائلته، ولهذا جاءت الوقائع صادقة وموثقة بشكلٍ حقيقي، بإعتبارها شاهد عيان معاصر على كل ما جرى.
    [[article_title_text]]
    وقد ضم الكتاب مجموعة من الصور التي جسدت مراحل مسيرة عائلة الزعيم عبدالكريم وأقاربه والقوى الوطنية التي رافقته خلال عمر الثورة. خُصص الفصل الأول لتاريخ العراق قديماً وحديثاً، وغطى الفصل الثاني والثالث حقبة العهد الملكي، والإنقلاب العسكري الأول في تاريخ العراق الذي قام به الفريق الركن بكر صدقي سنة 1936، وحركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، وقد وُفقت الباحثة في تغطية الفصل الرابع الخاص بالسيرة الشخصية للزعيم عبدالكريم، وتناول الفصل الخامس دور الشهيد فاضل المهداوي، وتطرقت في الفصل السابع إلى شخصية الزعيم عبدالكريم في نظر الآخرين، وتم توضيح دور القوى المعادية للزعيم عبدالكريم في الفصل الثامن، ونجد في الفصل التاسع رؤية موضوعية لبعض الأحداث، كتاريخ نضال الشعب الكردي، والعوامل التي ساعدت على إنقلاب 8 شباط 1963، وختمت الباحثة الفصل الأخير بأحداث إنقلاب 8 شباط الدموي.
    الباحثة من أقارب الزعيم (ابنة خالته)، والشيء الطبيعي أن تركز على خصاله الإيجابية فقط، ولكنها إلتزمت الجانب الموضوعي الحيادي في تناول الأحداث بكل أمانة وصدق، حللت الوقائع وفقاً للمنهج التاريخي للبحث العلمي، تناولت سيرة الزعيم بعناية، وكشفت بعض الخفايا والأسرار التي لم يتطرق لها أي باحث من قبل، حرصت على مراعاة التسلسل التاريخي للأحداث، قبل وبعد ثورة تموز، وما تمخض عنها من متغيرات جوهرية. حقيقة إن ملحمة 14 تموز، موضوعاً جدلياً، هناك من يرى بإنه بداية عهد جديد للإنقلابات العسكرية، وهناك من يرى بإنه جاء نتيجة تفاقم سلبيات النظام الملكي وتماديه في قمع الحريات العامة.
     
    إطلعت الباحثة على الكثير من الكتب التي تناولت ثورة 14 تموز، وخاصة ما صدر بعد 2003، فتكونت لديها رؤية واضحة المعالم لكثير من الأحداث، فتعاملت بواقعية مع الآراء التي تناولت موضوع الثورة، سلباً وإيجاباً، وبادرت بمهمة فرز هذه الآراء ومحاولة الرد العلمي المستوحى من الواقع، مؤكدة بإن ما جرى ليس فقط إسقاط الملكية، بل قامت بتحولات عميقة في المجتمع، وإنجازات ثورية غيرت موازين القوى في المنطقة، وألغت المعاهدات الجائرة والأحلاف الإستعمارية وحررت الإقتصاد العراقي، وأنصفت شرائح إجتماعية فقيرة من المجتمع العراقي. 
    أجمعت غالبية الدراسات بإن شخصية الزعيم عبدالكريم مثيرة للجدل، فرغم كون النزعة الفردية إحدى نواقصه، إلا إنه  تميز بخصال راقيةٍ نال من خلالها أوسع شعبية بين الجماهير والجيش، كالتواضع والوفاء والرحمة والتسامح وحبه للشعب وخاصة الطبقات الفقيرة. وبإخلاصه لوطنه وصدقه مع شعبه وتعففه وتجرده من الشبهات، وتمسكه بمفاهيم الإنسانية والعدل زادته شعبية وسمواً في عالم المجد. فهو على رأي شاعرنا الكبير الجواهري: كان الزعيم عبدالكريم يملك ضميراً حياً ونزاهة نادرة، وبساطة في اللباس والحياة والمأكل مما جعله يُضاف إلى قائمة المترفعين عن المظاهر والمكاسب وجاه الثورة.
    وأشاد الدكتور علي الوردي، بشخصية الزعيم عبدالكريم، وهي بمثابة شهادة للتاريخ من عالم إجتماع معروف على الصعيد الداخلي والخارجي، بأن الزعيم كان صادقاً في قوله بأنه فوق الميول والإتجاهات، وهو ليس قائد حزب إنما هو قائد بلد تتصارع فيه الأحزاب، ومهما يكن الحال فإننا يجب أن نحني رؤوسنا إعترافاً بما وُهِب الرجل من مهارةٍ في قيادة سفينة البلد بين الأمواج المتلاطمة.
    كانت الحركة الوطنية التي قام بها الجيش العراقي في 1958، بمؤازرة الشعب وتأييده تهدف إلى تحقيق السيادة وضمان حقوق المواطنين، وبهذا سعت الحكومة إلى إتباع سياسة تخدم مصالح العراق، وتحرير الثروة النفطية من إحتكار الشركات الأجنبية، وتحفيز الأوضاع الإجتماعية نحو الأفضل وتحسين الخدمات وحل مشكلة السكن لكثير من مواطني الطبقة الوسطى، كانت السلطة بقيادة الزعيم عبد الكريم، الذي حاول أن يمسك عصا السلطة من الوسط ويوازن بين مصالح الطبقات الإجتماعية المختلفة عبر قرارات ومواقف بعضها فردية، كان مضطراً لأخذها، مع الإنحياز  لصالح الفقراء من الفلاحين والعمال والكسبة كقانون الإصلاح الزراعي، وقانون رقم 80 في تأمين جزئي لحقول النفط، بالإضافة إلى قانون الأحوال الشخصية (14)، لإنصاف المرأة وإعطاء فسحة كبيرة للعمل النقابي والمهني والسياسي والديمقراطي للقوى العراقية، ما أثار حفيظة بعض القوى من أتباع التيار القومي.
    لقد أفرزت مرحلة العهد الجمهوري الأول من 1958 ـ 1963، فئات سياسية متعددة لها تطلعات ذات أبعاد وهمية متباينة، لاسيما القوميون العرب والوحدويون الذين أرادوا تغيير توجهات ثورة 14 تموز، بالمطالبة بالإندماج مع الجمهورية العربية المتحدة، كانت هذه القوى تتنافس لتسويق مفاهيمها وأفكارها بالضد من الزعيم عبدالكريم، ومما زاد الوضع تعقيداً، نشوب صراع على السلطة تبناه عبدالسلام عارف، إنعكس بدوره على بعض قادة الجيش والشارع العراقي، حيث بدأ إستقطاب لبعض مراكز القوى، هذه القوى سارعت إلى تفعيل كل طاقاتها وخبراتها المغلفة بالأوهام الأيدلوجية القومية الشوفينية والتعصب العرقي والطائفي، فدفعت أفراد حزب البعث ومؤازريه إلى إستلام السلطة بإنقلاب فاشي بمساعدة القوى الخارجية في 8 شباط 1963، فاغرقوا البلاد من كل الطوائف والقوميات والأجناس بفوضى عارمة، أدت إلى إراقة الدماء وتصفية لكثير من الخصوم في الحركة الوطنية العراقية، مما أدى إلى إيقاف عجلة الإنفتاح والتطور الذي حصل في المجتمع العراقي. 
    وفي ظل الحالة المزرية بعد 1963، والضياع الذي عاشه العراق، هيمن عبد السلام عارف على السلطة السياسية بما يحمل من أوهام ذات طابع قومي، دفعته إلى ممارسة الطائفية المقية، خلال فترة تحكمه بالسلطة، في أكثر من موقف، وظلت الطبقة المتسلطة تعيش إزمتها المزمنة والمتجددة، فإنتهى الحكم بنهايته المفجعة، وإنتهى حكم شقيقه على يد البعث وبدعم مخابراتي مكشوف ومستتر من دول الرأسمال العالمي، ليؤسسوا عهداً مطرزاً بالعنف والجرائم والإرهاب، فتمكن حزب البعث بطريقة الخداع من الإمساك بالسلطة من عام 1968 ـ 2003، بواجهة جديدة وبشعارات مخادعة، وبمخيلة وأحلام جديدة.
    وأخيراً يمكننا القول بإن هذا الكتاب يُعد من المصادر الرصينة التي يمكن الإحتكام لها، لأن الباحثة إعتمدت المصادر الموثوقة، وإستقت الكثير من المعطيات من الشخصيات التي عاصرت الزعيم ولها إطلاع كبير بخفايا الأمور وبمراحل تطور أحداث الثورة. ونعتقد بعد سقوط النظام الدكتاتوري في 2003،  ظهرت بعض الحقائق التي جرى الكشف عنها من بعض القيادات القومية، أنصفت الزعيم الوطني في الكثير من المواقف، والزمن كفيل بكشف المزيد من الوقائع التي تنصفه وتبرئه من التهم الكثيرة التي جرى تلفيقها ضده شخصياً، وضد مسيرته الوطنية الحافلة بحبهِ الخالص للوطن وللشعب العراقي.
     
    د. عبدالحسين الطائي
    أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا
    ************ 

    تعليق من د. عبدالخالق حسين

    شكراً جزيلاً للدكتور عبدالحسين الطائي على هذه المراجعة القيمة لكتاب: هل انصفنا التاريخ؟ للدكتورة فائزة عباس المهداوي، "لتوثيق سيرة الزعيم الوطني عبدالكريم قاسم، الذي حكم العراق للفترة 14 تموز 1958 ولغاية الإنقلاب الفاشي في 08 شباط 1963."
    نعم، لم ينصفهم التاريخ؟ والسبب كما قيل: "أن التاريخ يكتبه المنتصرون". والمنتصرون في مأساتنا العراقية هم التيار القومي العروبي بجناحيه الناصري والبعثي، الذي تسلط على حكم العراق لأربعين سنة، منها أسوأ 35 سنة عجاف تحت حكم البعثي المجرم صدام حسين الذي ساهم في محاولة اغتيال الزعيم عبدالكير قاسم.
    وقد وضعت الأقدار الزعيم عبدالكريم قاسم في قمة القيادة، وسلمته أعلى مسئولية لقيادة البلاد في مرحلة من أشد مراحل تاريخ العراق غلياناً وعربدة وهياجاً وانفجاراً. في تلك الإنعطافة التاريخية الكبرى التي لا بد من حصول الإنشقاق والصراع العنيف بين مكونات الشعب وقواه السياسية التي لم يسلم منها أعظم رجالات التاريخ ومهما أوتوا من قدرة وكفاءة ونزاهة ودهاء. فالظروف التي مر بها قاسم ومعاناته كانت فوق طاقة أي قائد مهما كان حكيماً وداهية، أشبه بتلك التي مر بها الإمام على بن أبي طالب (ع).
    ومن سوء حظ الشعب العراقي والزعيم، أن ثورة 14 تموز تزامنت مع بروز الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر، الخطيب المفوه ذو كارزمائية مؤثرة، وصعود موجة النزعة القومية العربية التي غلبت عليها العاطفة والمشاعر الجياشة وأغاني "وحدة ما يغلبها غلاب...الخ" فحاول العروبيون فرض الوحدة الفورية الاندماجية وإلغاء الجمهورية العراقية الفتية، المحاولة التي عارضها الزعيم وأغلب السياسيين الوطنيين وغالبية الشعب العراقي.
    وكانت الحملة الإعلامية الناصرية هي المهيمنة على الرأي العام العربي، تصب الحمم على الزعيم قاسم، واتهموه بالجنون، والشعوبية، ومعاداة القومية العربية، بينما الواقع أكد أن الزعيم قاسم ذو نزعة قومية، ولكن بدون عواطف شرقية غوغائية تلتهب وسرعان ما تنطفئ لتتحول إلى رماد، كما حصل فيما بعد.
    الزعيم لم يكون ضد القومية العربية، بل كان وطنياً أولا، وقومياً ثانياً، وأولويته إخراج العراق من التخلف الرهيب، لذلك حقق الكثير من المنجزات للشعب العراقي خلال 4 سنوات ونصف السنة، أي ضعف ما أنجزه الحكم الملكي خلال 38 سنة.
    حسناً فعل الأخ الكاتب بالإشارة إلى شهادة العالم الاجتماعي العراقي العلامة علي الوردي عن الزعيم.
    وكنت قد جمعت عدداً من شهادات المفكرين والسياسيين عن الزعيم ونشرتها كملحق في كتابي الموسوم: (ثورة وزعيم)، الرابط أدناه لإطلاع لطفاً.

    عبدالخالق حسين: قالوا عن الزعيم عبدالكريم قاسم
    وحتى صدام حسين أعترف في التسعينات بوطنية عبدالكريم قاسم ونزاهته، وإليكم رابط هذا الفيديو
    ونظراً لأهمية الكتاب ولإيصاله لأكبر عدد ممكن من القراء، أتمنى على المؤلفة نشر الكتاب إلكترونياً على الإنترنت ليصبح في متناول الجميع.

    مع خالص الود والتقدير
    عبدالخالق حسين

    &&&&&&&&
    تعليق الكاتب 
    جزيل الشكر للدكتور عبدالخالق حسين، وأتفق مع ردك الجميل، وأنا أحييك على كتابك الرائع (ثورة وزعيم)، وعلى كل المقالات التي أنصفت الزعيم الوطني عبدالكريم قاسم، وحقاً الزمن كفيل بإن تبرز الكثير من أقلام الخصوم لتبرئة الزعيم من كثير من التلفيقات، ودراسة وتقييم الحقبة الزمنية بوقتها. مع خالص التقدير والمحبة
    اخوك / عبدالحسين الطائي
    ***
    تعليق ثاني للكاتب
    الدكتور العزيز عبدالخالق حسين
    بودي إعلامك كتبتُ للمؤلفة عن طلبك بنشر الكتاب إلكترونيا، وتسلم كل جهودك الطيبة في جمع الأقوال التي قيلت بحق الزعيم وأنت من المتخصصين بهذا المجال، وكل التوفيق في مساعيك الطيبة، 
    مع خالص التحيات
    اخوك / عبدالحسين الطائي


    د. عبد الحسين الطائي
    أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media