الموازنة وأوامر السيد الأمريكي
    الأحد 3 يناير / كانون الثاني 2021 - 10:59
    ماجد علاوي
    لم أكن أتنبأ بالغيب في مقالتي االتي كان عنوانها "زمن الفرهود والضباع... طبخة موازنة 2021 بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم برعاية السيد الأمريكي"(1)  بتاريخ 8/12/2020 تعقيباً على مقالة خطيرة نشرها معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى بقلم مايكل نايتس بعنوان "العلاج بالصدمة سيقضي على اقتصاد كردستان العراق بدلاً من أن يعالجه"(2) نشرت بتاريخ 13/11/2020 وأشرت فيها إلى ان هذه المقالة هي أوامر أمريكية إلى العراق مرفقة بالتهديد(3) بالتقيد بأرقام محددة بدقة في تحديد تخصيصات حكومة إقليم كردستان في مشروع قانون الموازنة المالية العراقية لسنة 2021 . (أقول تخصيصات حكومة الإقليم وليس تخصيصات الإقليم، لأنها لا تذهب بالاساس إلى شعبنا الكردي في الإقليم، حالها حال صادراته النفطية، والذي يعيش معاناة حياته اليومية القاتلة مثل إخوانه الآخرين في العراق، بل ان ظروفه المعيشية أشد سوءاً). وقد نشرت المواقع الأخبارية مسودة مشروع الموازنة بتاريخ 17/12/2020، أي بعد أكثر من شهر على أوامر السيد الأمريكي. وتبين بعد مصادقة رئاسة مجلس الوزراء على مشروع الموازنة أن تلك الأوامر تم أتباعها بدقة متناهية عند صياغة تلك الموازنة. 
    وقبل الدخول في التفاصيل نورد تعريفاً بكاتب مقالة معهد واشنطن وبالمعهد نفسه. مايكال نايتس هو أحد كبار الدارسين المتخصصين في الشأن العراقي، وشؤون إقليم كردستان بالأخص، في معهد واشنطن وفي أجهزة المخابرات الأمريكية؛ وكما وصفه المعهد في التعريف به، بأنه "يقوم كل عام بإجراء بحوث مكثفة في العراق وفي منطقة «حكومة إقليم كردستان» منذ 2003". 
    أما معهد واشنطن فهو من أهم مراكز اليمين الأمريكي المحافظ نفوذاً لصنع السياسات الخارجية المتعلقة بمنطقتنا وتقديمها إلى صناع القرار في الإدارة الأمريكية لتكون مرشداً لهم في معالجة شؤون المنطقة، وكما وصفه بل كلنتون "في الحرب وفي السلام، أسهمت جهود المعهد لتوضيح وجهة نظر متماسكة وواقعية للمصالح القومية للولايات المتحدة في مساعدة صانعي السياسات، داخل الحكومة وخارجها، على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الشرق الأوسط"(4). 
    والآن ما هي أوامر السيد الأمريكي كما ودت في مقالة معهد واشنطن:
    1- [إعادة احتساب "النفقات السيادية" الخاصة ببغداد بشكلٍ أكثر عدلاً إلى جعل الأكراد أقرب إلى هذا المبلغ (800 مليون دولار شهرياً) دون زيادة حصتهم من الإنفاق الاتحادي]. وهذا سيؤدي إلى نتيجتين، الأولى إضعاف دور الحكومة في إدارة الدولة من خلال تخفيض نفقاتها السيادية؛ والنتيجة الثانية زيادة تخصيصات حكومة الإقليم والمحافظات من الموازنة، أذ أن التخصيصات تحتسب بعد استقطاع المبالغ السيادية وحسب نسبة النفوس،  وعليه كلما قلّت نسبة النفقات السيادية في الموازنة تزداد في مقابلها نسبة تخصيصات حكومة الإقليم والمحافظات.
    2- [توفِّر لهم (لحكومة الإقليم) الميزانية الاتحادية مبلغاً معقولاً يضمن أن تكون قيمة الدخل الصافي الإجمالي لـ «حكومة إقليم كردستان» ما لا يقل عن 800 مليون دولار شهرياً] 
    3- [الإنفاق الإسمي (لحكومة الإقليم) البالغ 1.08 مليار دولار] أي أن العجز في إنفاق حكومة الإقليم الواجب تغطيته سيكون 280 مليون دولار.
    فما الذي تقوله أرقام مشروع الموازنة المصادق عليها من مجلس الوزراء بشأن الإلتزام بأوامر السيد الأمريكي:-
    1- تخفيض النفقات السيادية:
    فيما يخص طلب تخفيض نسبة النفقات السيادية في الموازنة، كانت النفقات السيادية في موازنة 2019 تبلغ 56,893 تريليون دينار من مجموع مبلغ النفقات البالغ 133,108 تريليون دينار أي بنسبة 42,7% من مبلغ الموازنة. 
    أما في مشروع موازنة 2021، بلغ مجموع الإنفقاق الحكومي 164,206 تريليون دينارن فيما بلغت النفقات السيادية فيها 54,466 تريليون دينار، أي بنسبة 33,2% من مبلغ الموازنة. وبذلك تحقق المطلب الأول بتخفيض النفقات السيادية بمقدار 9,5% عن نسبتها في الموازنة السابقة. 
    2- تخصيصات حكومة الإقليم في مشروع الموازنة:
    حدد مشروع الموازنة تخصصيات حكومة الإقليم بمبلغ 13,904 تريليون دينار، وبقسمتها على 1450 دينار سعر الولار في مشروع الموازية فستصبح تخصيصات حكومة الإقليم 9,59 مليار دولار سنويا وبتقسيمها على 12 شهر فسيكون مبلغ تخصصيات حكومة الإقليم في الموازنة 799 مليون دولار شهرياً، وهو نفس مبلغ 800 مليون الذي حدده السيد الأمريكي بالضبط.
    3- تغطية عجز الإنفاق لحكومة الإقليم:
    أما تغطية عجز موازنة حكومة الإقليم البالغ 280 مليون دولار شهرياً، فسنستعين بأرقام التصدير لآخر أرقام معلنة لشهر تشرين ثاني كما أوردتها مجلة (Iraq Oil Report 2/12/2020) والأسعار الواردة في مقالة معهد واشنطن. 
    النفط المنتج في الإقليم قسم منه للتصدير وتبلغ الكميات المصدرة لشهر تشرين ثاني معدل 435 ألف برميل يومياً حسب Iraq Oil Report وبمعل سعر 33 دولار للبرميل حسب مقالة معهد واشنطن. أما الكميات التي تسوق للاستهلاك الداخلي فليست هناك أرقام معلنة ولكن يمكن الاستدلال عليها من طاقات معامل تكرير النفط هناك والتي تتجاوز 200 ألف برميل يومياً. ولو كان الإنتاج اليومي لمصافي الإقليم لا يتجاوز نصف طاقات التصفية لوصلنا إلى رقم 100 ألف برميل يومياً لمبيعات السوق الداخلي ، وهو رقم متحفظ جداً، وعليه يصبح معدل الإنتاج اليومي 535 برميل. 
    وقد يتسأل متسائل لم احتسب الاستهلاك الداخلي في الإقليم من ضمن واردات حكومة الإقليم ولم يحتسب في واردات الحكومة الاتحادية، السبب هو أن هذا النفط المستلك داخليا يقتطع من حصة العراق التصديرية في منظمة أوبك، والثاني أن النفط مدعم بشكل كبير جدا من الحكومة الاتحادية وتنتجه مصاف حكومية بالكامل، بعكس الوضع في إقليم كردستان، حيث لا تقيد هناك بحصة الانتاج العراقية، والمبيعات هي إلى مصاف ملك للقطاع الخاص. 
    وبطرح كمية 250 ألف برميل التي حددت الموازنة (المادة 11 – ثانياً – أ) دفع قيمتها إلى خزينة الدولة من هذه الكمية سيكون الباقي 285 ألف برميل في اليوم، وهي الكمية التي وهبها مشروع الموازنة إلى حكومة الإقليم في نفس الفقرة من المادة أعلاه كي [تستغل الكميات التي تزيد عن ذلك (عن 250 ألف برميل يومياً) لتغطية الاستهلاك المحلي في الإقليم وكلف الانتاج والتشغيل والنقل]!!. وبضرب هذه الكمية (285 ألف ب/ي) بسعر مبيعات حكومة الإقليم للنفط البالغ 33 دولار للبرميل مضروبة بثلاثين يوماً فسيكون دخل حكومة الإقليم 282 مليون دولار شهريا من "المنحة" التي تكرمت وتنازلت عنها الحكومة المؤتمنة على ثروات الشعب العراقي؛ أي تغطية كامل عجز نفقات حكومة الأقليم الذي حدده السيد الأمريكي ب 280 مليون دولار. كل ذلك عدا عن مبيعات الغاز المنتج من حقول جمجمال والمكثفات من حقل خورمور، وعدا عن الموارد من كامل النفط السوري الذي تسيطر على حقوله "قسد" وينقل إلى الإقليم بإشراف وحماية أمريكية  ويشترونه منهم بسعر التراب.
    هل تبين من حدد مخصصات حكومة الإقليم في مشروع موازنة الدولة العراقية!!
    لقد صدّقت الحكومة، المؤتمنة على ثروات الشعب، على موازنة بعجز 71,047 تريليون دينار(5)، أي بنسبة 43,3% من الموازنة، يتحمل عبئها كاملا الشعب العراقي خارج سيطرة حكومة الإقليم، وأمنت تغطية كاملة لنفقات حكومة الإقليم بدون أي عجز على حساب هذا الشعب، إلتزاماً بالتنفيذ الكامل لأوامر السيد الأمريكي. 
    هكذا تكون الأمانة، وهكذا يكون عدم الحنث باليمين(5)!!  
    ويبقى الخيار ألأخير بيد المجلس النيابي  لإثبات عدم حنثهم باليمين الذي أدوه، ومدى وفائهم للمقدسات والرموز التي يرفعون راياتها. 
    (1)  
    (2)  
    (3) (حان الوقت الآن لكي تساعد واشنطن حلفاءها من خلال حثّ بغداد على تعديل مطالبها الاقتصادية المتسرعة من «حكومة إقليم كردستان»... وكخطوة أولى، يجب على واشنطن أن تضغط فوراً على مختلف الفصائل في بغداد لتأجيل الالتزامات المتعلقة بـ «حكومة إقليم كردستان»... يجب ممارسة هذا الضغط على الصعيدَين العام والخاص، وبالتنسيق مع جهود "صندوق النقد الدولي" و "البنك الدولي" و"الأمم المتحدة" و"الاتحاد الأوروبي"... وإذا لم تنجح واشنطن في المساعدة الآن، ربما سيتم تذكُّر هذه اللحظة على أنها النسخة الاقتصادية لأزمة كركوك من تشرين الأول/أكتوبر 2016) من مقالة مايكل نايتس/ معهد واشنطن  13/11/2020 
    (4)     https://www.washingtoninstitute.org/ar/about
    (5) قد يستغرب البعض ويستكثرون رقم العجز في مشروع الموازنة والبالغ 71,046 تريليون دينار بنسبة 43,3% من الموازنة، ودفعا لكل لبس أو تساؤل حول دقة النقل، أقتبس النص الوارد في مشروع الموازنة بخصوص العجز [المادة-2- ثانياً –1 - بلغ إجمالي العجزالمخطط للموازنة العامة الاتحادية للسنة المالية (71,046,051,671 ألف دينار) واحد وسبعون تريليون وستة وأربعون مليار وواحد وخمسون مليون وستمائة وواحد وسبعون ألف دينار، وفي حالة استبعاد كافة المتأخرات والمديونية والقروض الأجنبية والمحلية التي ستمول المشاريع الاستثمارية البالغة (23,229,017,817) ثلاثة وعشرون ترليون ومائتان وتسعة وعشرون ملياروسبعة عشر مليون وثمانمائة وسبعة عشر ألف دينار... فإن فجوة التمويل ستكون (47,817,033,854) سبعة وأربعون تريليون وثمانمائة وسبعة عشر مليار وثلاثة وثلاثون ملين وثمانمائة وأربعة وخمسون ألف دينار]. ومن الواضح من النص محاولة تقليل الصدمة من رقم العجز الهائل ونسبته التي تقارب نصف الموازنة من خلال "لو" (الذي زرعوه ولم يخضر) أي قول النص "في حالة استبعاد كافة المتأخرات والمديونية والقروض الأجنبية والمحلية... فإن فجوة التمويل ستكون... " وحتى لو تم هذا الاستبعاد فسيتحول العجز إلى مديونية بفوائد واجبة السداد، أن هذا يشبه ان تستدين الحكومة قرضاً لتغطية كامل العجز وتهلل لموازنة بدون عجز وهي أدخلت بلادها في طاحونة القروض التي لا ترحم.
    (6) اليمين الذي يؤديه الوزراء والنواب قبل تسنمهم لمواقعهم: (أقسم بالله العلي العظيم أن أؤدي مهامي ومسؤولياتي القانونية بتفان وإخلاص وان أحافظ على استقلال العراق وسيادته وأرعى مصالح شعبه وأسهر على سلامة أرضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي وان أعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة واستقلال القضاء وألتزم بتطبيق التشريعات بأمانة وحياد... والله على ما أقول شهيد).
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media