تأشيرات على هامش المصالحة
    الأحد 10 يناير / كانون الثاني 2021 - 07:04
    إبراهيم الزبيدي
    قليلون هم الذين لا يفرحون بأن تكون العلاقة بين أية حكومة عربية وبين أية حكومة أو حكومات أخرى طبيعية تقوم على الاحترام المتبادل والتفاهم والتعاون وتقديم المصالح العامة على غيرها. 
    ودولة قطر عزيزة، وشعبها كريم، ولو صحت النوايا وصدق العزم وشحت الإكراميات القطرية على إيران خامنئي وتركيا أردوغان والإخوان وبقية المرتزقين من مهنة الغدر والقتل والحرق وترويع الآمنين لأصبحت الحياة أجمل، بكل ثقة ويقين.
    والمصالحة الأخيرة التي تم إنجازها أخيرا بين قطر والدول العربية الأربع التي فرضت عليها المقاطعة يمكن أن تكون فاتحة خير وسلام حقيقية وراسخة لو تخلت الحكومة القطرية عن سياساتها القديمة التي استدعت فرض تلك المقاطعة.
    فقد دفع فيها الشعب القطري، أكثر من  شعوب الدول الأخرى، ثمناً ليس قليلا من العزلة والخسائر المادية والمعنوية التي لا تنكر. 
    ولكي تكون المصالحة صامدة وقادرة على مقاومة العواصف المحتملة لابد من تفكيك الأسباب التي قادت إلى المقاطعة. 
    ومع الإقرار بأن علاقة أية حكومة بأية حكومة أخرى هي شأنٌ سيادي خاص بها لا يحق لأي أحدٍ كان أن يتدخل فيه، 
    إلا أن الذي أغضب الآخرين ليس هو علاقة حكومة قطر بإيران وتركيا، ولا احتضانها لجماعة الإخوان المسلمين المصريين، ولا استقبالها للمعارضين الآخرين من مواطني دول الخليج الأخرى، بل هو الإغداق عليهم بالمال الذي يحتاجونه لتمويل عملياتهم (الجهادية) ضد مصر والسعودية والإمارات والبحرين، ناهيك عن لبنان واليمن وسوريا وليبيا، وتفريغ قناة الجزيرة بالكامل لنشر فتاواهم وشتائمهم وتلفيقاتهم وتحريضاتهم ودعواتهم إلى القتل والحرق ونشر الخراب، وزعزعة استقرار المنطقة، وتهديد مصالح شعوبها، واغتيال جنودها وضباطها، علنا، وبالأدلة الموثقة والبراهين الدولية المحايدة.
    فلم يكن الشيوخ القطريون، من أكبرهم إلى أصغرهم، وبشتى الأعذار والمبررات، يُخفون سعيهم إلى تقسيم السعودية، وإلى قلب نظام الحكم في مصر، وإلحاق أي قدرٍ ممكن من الأذى الأمني والإعلامي والسياسي والاقتصادي بهما وبأمن شعبيهما، وباقتصادها وسيادتها، بكل الوسائل والفرص الممكمنة.
    كما لا يمكن إغفال الحديث عن دور الريال القطري في اليمن في مساعدة الحرس الثوري الإيراني على تهريب السلاح والعتاد والخبراء إلى الحوثيين لإطالة أمد الحرب، ولتحويل اليمن إلى سكين في خاصرة السعودية، وإلى قاعدة عسكرية متقدمة لاستنزافها، ولزعزعة استقرارها، وضرب مدنها ومؤسساتها الحيوية بالصواريخ والمسيرات.  
    يضاف إلى ذلك كله التلاحمُ القطري، يدا بيد وكتفا إلى كتف، مع تركيا أردوغان الإخوانية، في جميع نشاطاتها المعلنة والمستترة الهادفة إلى إذلال الدول التي يصنفها أردوغان عدوةً له ولأحلامه التوسعية في المنطقة. 
    هذه هي أهم العوائق الواقعية الحقيقية التي ينبغي محوها من لائحة ثوابت سياسة الحاكم في قطر، والعودة إلى أحضان أهله سالما ومعافى، وقابلا بالعمل المشترك على إشاعة السلام في المنطقة، واستثمار الطاقات والخبرات والثروات لتعميق مسيرة البناء والرخاء، لا في دول الخليج العربية وحدها، بل في المنطقة كلها. 
    بعبارة صريحة، لقد دجَّج الحاكم القطري جسمَه بالأحزمة الإيرانية والتركية والإخوانية الناسفة، لردع خصومه المفترَضين، فهل سيستطيع نزعها والتحرر من قيودها وأخطارها؟ 
    وهل سيكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى وشعوبها؟، 
    وهل سيفرض على ضيوفه من قادة جماعة الإخوان المسلمين الامتناع عن ممارسة النشاط التخريبي والإرهابي وهم  على الأراضي القطرية؟، 
    وهل سيأمر بوقف التحريض الإعلامي ضد دول مجلس التعاون الخليجي ومصر؟ هذه هي المسألة.
    خصوصا بعد أن ثبت له بالدليل القاطع أن الاستقواء بالكبار لا يجعله كبيرا، والاحتماء بالثعابين والتماسيح والذئاب المفترسة لن يحميه من غدرها في يوم من الأيام.
    إن الأدلة كثيرة ومتنوعة عبر التاريخ ولا يمكن محوها أو تحويرها وتبديلها.
    ولكنَّ الذي جرى ويجري في بلادنا هو أن بعضاً من رؤساء حكوماتنا لم يقرأوا ذلك التاريخ، ولم يأخذوا من دروسه العضات، ليعرفوا أن ثمن الخير أقل من ثمن الشر، والسعي إلى السلم أنفع وأكثر جدوى من الحروب.
    فكم تشاكسوا، وكم تعاركوا، وكم ذهبوا في عداواتهم إلى آخر ما فيها من قسوة وعنف، حتى اقتنعوا، أخيرا، أو اُقنعوا، بأنهم، في  كل ما فعلوه وما أنفقوه وما تعبوا في تدبيره، لم يُسقطوا حكومة، ولم يكسبوا قضية. 
    وفي ساعة صفاء واحدة تصالحوا، وتواصوْا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. وها نحن منتظرون.
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media