نتائج تخفيض قيمة الدينار العراقي
    الجمعة 29 يناير / كانون الثاني 2021 - 18:32
    صباح نعوش
    باحث إقتصادي
    قررت الحكومة العراقية بواسطة وزارة المالية تخفيض سعر صرف الدينار لتمويل العجز المالي بالإصدارات النقدية. تتمخض عن هذا القرار نتائج سلبية خطيرة في مقدمتها تدهور مستوى معيشة المواطنين المتدهور أساسا. لكن الوزارة ترى في التخفيض عدة جوانب إيجابية.
    في 12 آذار 2020 نشر موقع البنك المركزي العراقي تقريراً للمحافظ بعنوان "تخفيض سعر صرف الدينار العراقي. المحددات والبدائل". يبرز مساوئ عديدة لتخفيض سعر صرف الدينار ويستنتج ضرورة عدم اللجوء إلى هذه العملية ويقترح آليات بديلة. وهذا التقرير رغم الجهود القيمة المبذولة فيه لا يتطرق إلى الأزمة الحقيقية المتمثلة في استشراء الفساد وسوء إدارة الشأن المالي خاصة من الزاوية الإنفاقية.
    وفي 19 كانون الأول أصدرت وزارة المالية قراراً بتخفيض سعر الصرف. وعددت مكاسبه المختلفة المالية والتجارية والاستثمارية والصناعية والسياحية.

    ما سبب هذا التناقض الواضح؟
    يبدو أن تقرير البنك المركزي كُتب قبل تفشي جائحة كورونا التي أدت إلى تراجع أسعار النفط وبالتالي إلى هبوط إيرادات الميزانية العامة وتدهور الميزان التجاري. فقد انخفضت هذه الإيرادات اعتباراً من أيار المنصرم..
    لكن الفرق شاسع بين أمرين: الأول توقيت قرار تخفيض قيمة العملة. والثاني سلبيات وإيجابيات هذه العملية. التبرير أعلاه يرتبط بالأمر الأول وليس بالثاني. فلا يعقل أن يفضي تخفيض قيمة الدينار إلى نتائج سلبية قبل وباء كورونا وإيجابية بعده. السلبيات والإيجابيات ترتبط بالاقتصاد العراقي وبكيفية إدارته.
    تخفيض قيمة الدينار الناجم عن إصدارات لتمويل العجز المالي يقود بالضرورة إلى انتفاخ الكتلة النقدية فتنخفض القوة الشرائية للمواطنين. هذا التأثير السلبي شامل يحدث بوجود أو غياب هذا الوباء أو ذاك.
     ويظهر أن البنك المركزي تراجع عن وجهة نظره حيث شارك إلى جانب وزارة المالية والمؤسسات الأخرى المعنية بإعداد الورقة البيضاء التي تدعو إلى تخفيض قيمة الدينار وتدافع عنه بقوة.
    أصدرت وزارة المالية بياناً موجهاُ إلى المواطنين بصيغة أسئلة وأجوبة. يتضمن رأي الوزارة في تداعيات تخفيض سعر صرف الدينار. سوف نناقش هنا هذا الرأي وسنركز على خمس نقاط.
      
    السلع المستوردة
    حسب بيان الوزارة سترتفع أسعار "بعض السلع مرة واحدة للتعويض عن تعديلات سعر الصرف. يجب أن يشجع تعديل سعر الصرف نمو البدائل المحلية للواردات. وفي الوقت المناسب سيؤدي ذلك إلى استقرار الأسعار...". وترى الوزارة أن نمو هذه البدائل سيقود إلى نتائج إيجابية عديدة منها زيادة فرص العمل.
    إجابة الوزارة مبهمة وتثير عدة تساؤلات كما أنها غير دقيقة. متى ترتفع أسعار السلع مرة واحدة أو مرتين أو عدة مرات؟ وما معنى الوقت المناسب؟ الواقع أن تخفيض سعر صرف العملة يقود في جميع البلدان إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة. الأمر الذي يؤثر على مستوى معيشة المواطنين. ويزداد التأثر بسبب أهمية الاستيراد في الاقتصاد العراقي الريعي. ولا يتوقف الأمر عند الأدوات الصناعية المختلفة بل يمتد ليشمل المنتجات الغذائية الرئيسة والطاقة.
    بطبيعة الحال يجري الاستيراد بالدولار. ولما كانت نسبة تخفيض الدينار 22.6% فأن أسعار الواردات ترتفع كقاعدة عامة بنفس هذه النسبة.
    تحاول الوزارة ربط تخفيض قيمة الدينار بتحسين المنتجات المحلية. تكرر هذا الربط في البيان محل الدراسة ست مرات. الأمر الذي يشير إلى حرص الوزارة على إقناع المواطنين بالنتائج الإيجابية للتخفيض. فهو بتقديرها يزيد الإنتاج المحلي وبالتالي تتراجع البطالة ويقل الفقر. كما يتحسن مركز ميزان المدفوعات بهبوط الواردات فيزداد النقد الأجنبي لدى البنك المركزي. عندئذ يرتفع سعر الصرف.
    والواقع أن هذه الاستنتاجات المقتبسة من النظرية ومن تطبيقات البلدان الصناعية لا تصح في العراق. فمن خصوصيات العراق أن قيمة الصناعات التحويلية تتراجع باستمرار حتى بلغت حالياً 2% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا معدل ضعيف مقارنة حتى بالدول الأكثر فقراً في العالم. وتعاني الزراعة من نفس التدهور. علما بأن الإنتاج السلعي الزراعي والصناعي كان يحتل مركزاً مرموقاً في نهاية الثمانينيات من القرن المنصرم.
    نجم هذا الوضع المتردي عن تضافر عدة عوامل في مقدمتها: الاعتماد شبه الكلي على العوائد النفطية في جميع الميادين. إهمال الإنفاق على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي. انتشار واسع للفساد المالي والإداري. الصراعات الداخلية العنيفة التي أنهكت المواطنين وأدت إلى تراجع التصنيفات الدولية للبلد في جميع المجالات. القوانين المحلية غير المشجعة. البنية التحتية المتردية. الهيمنة الإيرانية المناهضة لتقدم العراق.
    لا يمكن للسياسة النقدية أن تلعب دوراً في تقدم الصناعة إلا بعد التصدي بفاعلية لهذه العوامل. وعلى هذا الأساس يقود تخفيض القيمة التعادلية للدينار بالضرورة إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة دون أن يتحسن الإنتاج المحلي. كما يؤدي إلى هبوط قيمة مدخرات الأشخاص.
     
    المدخرات
    تفرق وزارة المالية بين حالتين:
    الحالة الأولى إذا كانت المدخرات بالدولار. تعديل سعر الصرف يقود إلى تحسين قيمتها.
    الحالة الثانية إذا كانت المدخرات بالدينار. سيكسب الشخص عائداً عليها إذا كانت في البنوك.
    حسب الوزارة يقود تخفيض قيمة الدينار في الحالتين إلى تحقيق مكاسب. هذا الموقف لا علاقة له بالتحليل العلمي والموضوعية في الطرح. فهو يهمل الحالة الأهم والأوسع المتمثلة في مدخرات الأفراد دون المرور بالمؤسسة المصرفية أو بعملة أجنبية. هذه النقود تفقد بالضرورة قوتها الشرائية.
    كما لا يجوز القول بأن التخفيض يقود إلى تحسين المدخرات بالدولار. تخلط الوزارة بين القيمة والكمية. هنالك زيادة في عدد الدنانير ولكن لا يوجد تحسن في قيمتها.
    أما الودائع المصرفية التي تحصل على فوائد فقد فقدت قيمتها بسبب التخفيض. انتقل سعر صرف الدولار من 1182 دينار إلى 1450 دينار أي انخفضت قيمة الدينار بنسبة 22.6%. وبالتالي حتى لا تتأثر قيمة هذه الأموال يتعين أن تكون أسعار الفائدة مساوية على الأقل لهذه النسبة. في الوقت الحاضر بلغ سعر الفائدة على الودائع 7% فقط. بمعنى خسرت هذه الودائع 15.6% من قيمتها. وكلما انخفضت الدخول زادت المعاناة.

    أصحاب الدخول المحدودة
    تطرح وزارة المالية السؤال التالي: ما هو تأثير سعر الصرف على ذوي الدخول المحدودة؟ تقدم الإجابة التالية: ستتخذ الحكومة تدابير لتعويض العواقب السلبية لتعديل سعر الصرف على الفقراء: زيادة مخصصات الرعاية الاجتماعية.
    بالفعل ارتفعت مخصصات الرعاية الاجتماعية من 3.1 ترليون دينار في عام 2020 إلى 5.0 ترليون دينار في عام 2021. لكن هذه الزيادة لا تعالج المشكلة التي خلقها تخفيض قيمة الدينار لثلاثة أسباب: أولاً لأن مبلغ الزيادة ضئيل قياساً بحجم هذه المشكلة. وثانياً لأن الارتفاع يتضمن زيادة وهمية تعادل نسبة تخفيض الدينار. وثالثاً لأن مشروع ميزانية عام 2021 فرض عدة ضرائب إضافية من شأنها الضغط على مستوى معيشة المواطنين.
    عند العودة إلى سؤال وجواب الوزارة نلاحظ ضعف المنهجية من جانبين: الجانب الأول أن السؤال يجب أن يتعلق بتأثير تخفيض سعر الصرف وليس بتأثير سعر الصرف. ومثل هذا الاختلال يتكرر في عدة فقرات. والجانب الثاني أن جوابها لا يتعلق بالسؤال المطروح. كان من اللازم الإشارة إلى التداعيات السلبية وليس إلى التدابير الحكومية. مما لا شك فيه يعاني أصحاب الدخول الضعيفة من تبعات تخفيض قيمة الدينار المتمثلة بارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة أكبر من أصحاب الدخول العالية.
     
     المتقاعدون
    تقسم الوزارة المتقاعدين إلى ثلاثة أصناف حسب مكان إقامتهم.
    الصنف الأول: المقيمون في العراق. لا ترى الوزارة في التخفيض أي تأثير سلبي على مستوى رواتبهم.
    الصنف الثاني: المقيمون في الخليج والأردن والدول الأوربية. تتغير القوة الشرائية لرواتبهم بسبب التخفيض.
    الصنف الثالث: المقيمون في تركيا ومصر ولبنان وإيران. لن تتغير القوة الشرائية لمرتباتهم لأن عملات هذه البلدان هبطت مقابل الدولار.
    مرة أخرى يعاني الجواب من خلل منهجي واضح. فهو يعتمد على مستوى الراتب عند التطرق للمتقاعدين المقيمين بالداخل. في حين يستند إلى القوة الشرائية للراتب عند التطرق للمتقاعدين المقيمين في الخارج.
    لا شك أن التخفيض لا يؤثر على مستوى الراتب سواء كان الشخص عاملاً أم متقاعداً وسواء كان مقيماً بالداخل أم بالخارج. التخفيض النقدي لا علاقة له بحجم الراتب بل بقوته الشرائية. بطبيعة الحال قد يهبط حجم الراتب ولكن ليس بسبب التخفيض النقدي بل نتيجة إجراءات منفصلة تماما.
    بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات يتضرر المتقاعد حاله في ذلك حال أي شخص آخر مقيم بالداخل. أما المقيم بالخارج فتهبط القوة الشرائية لراتبه أينما وجد. وما ينطبق على المتقاعد المقيم بالخارج يصح على السائح العراقي.
     
    المسافرون إلى الخارج
    ترى الوزارة أن العراقيين المسافرين إلى تركيا ولبنان ومصر وإيران لن يتأثروا بتخفيض قيمة الدينار لأن عملات هذه البلدان هبطت مقابل الدولار. في حين ترتفع تكاليف المسافرين إلى أوروبا وأمريكا والبلدان الصناعية الأخرى. 
    الوزارة تقارن بين المبالغ بعملة البلد المضيف التي كان يحصل عليها العراقي قبل سنوات والمبالغ بنفس العملة التي يحصل عليها حاليا. فعلى سبيل المثال عراقي يخصص مليون دينار للسياحة في مصر. قبل نوفمبر 2016 كان سعر صرف الدولار 11.5 جنيه في مصر و1182 دينار في العراق. مليون دينار كان يعادل إذن 9729 جنيه. أما الآن فأن سعر صرف الدولار 15.7 جنيه في مصر و1450 دينار في العراق. أي أصبح المليون دينار يعادل 10817 جنيه.
    بطبيعة الحال هذه المقارنة ناقصة وغير دقيقة. ناقصة لأنها لا تأخذ بنظر الاعتبار تداعيات تخفيض قيمة الجنيه على أسعار الاستهلاك. السلع والخدمات التي يحصل عليها السائح العراقي في مصر بمليون دينار الآن اقل بكثير من السلع والخدمات التي كان يحصل عليها قبل عام 2016. وغير دقيقة إذ لا بد من التعرف على قيمة المليون دينار بالجنيه قبل وبعد تخفيض سعر صرف الدينار. وهذا هو المهم. قبل ستة أسابيع كانت قيمة المليون دينار 13282 جنيه ثم أصبحت حالياً وبسبب تخفيض قيمة الدينار 10817 جنيه. أي فقد الدينار 22.6% من قيمته مقابل الجنيه. وهي بطبيعة الحال نسبة هبوط سعر صرف الدينار مقابل الدولار. ونفس هذا التحليل ينطبق على العراقي المقيم في مصر الحاصل على تحويلات مالية من العراق. ولا فرق في ذلك بين دولة وأخرى.
    وتجدر الإشارة إلى أن أجور النقل للسياح العراقيين ارتفعت بالدينار لأنها تُحدد بالدولار.
     
    اتخذ قرار تخفيض القيمة التعادلية للدينار لسبب واحد فقط وهو تمويل عجز الميزانية الذي وصل إلى مبلغ غير مسبوق. بلغ الأمر درجة من الخطورة بحيث باتت الحكومة أما الخيار التالي: أما التوقف عن الوفاء بالتزاماتها المالية وفي مقدمتها عدم دفع رواتب الموظفين أو تخفيض سعر الصرف.
    لهذا السبب لا تتمخض عن التخفيض نتائج إيجابية تخص الإنتاج المحلي أو السياحة أو الاستثمار أو فرص العمل. بل بالعكس يترتب على هذا الإجراء النقدي عدة آثار تصب جميعها في تراجع مستوى معيشة المواطنين خاصة أصحاب الدخول الضعيفة.
    تخفيض قيمة الدينار لا يمثل حلاً للأزمة المالية التي تعاني منها البلاد منذ عدة سنوات بسبب فشل السياسة الاقتصادية بفعل الخيارات الحكومية وتفشي الفساد. بل انه نتيجة منطقية وحتمية لهذه السياسة. وبالتالي لا يمكن معالجة هذه الأزمة إلا بإحداث تغيير جوهري على هذه السياسة.
     
     
    صباح نعوش
    باحث اقتصادي
    © 2005 - 2024 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media