في ذكرى استشهاد خير خلق الله / 2
    الأربعاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2021 - 17:12
    عبود مزهر الكرخي
    ولو راجعنا الجانب الأخلاقي للمجتمع القريشي ومجتمع الجزيرة العربية فكان هذا المجتمع في قمة التيه والضياع، وهو مجتمع قد نخره الفساد وفيه من ترسبات الجاهلية وأدرانها الشيء الكثير ولهذا "اشتهر الزنا عند العرب في الجاهلية والاسلام على حد سواء , يروى ان قبيلة لما ارادت الاسلام سالوا الرسول الاعظم(ص) ان يحل لهم الزنا لانهم يعيشون على ما تكسبه نسائهم "(1). ولهذا كان هناك صراع بين الشرف والكرامة وكل القيم المنحطة والمترسبة في العصر الجاهلي وبين قيم الإسلام السامية والتي تدعو الى بناء الإنسان المؤمن والحضاري ولهذا يشير الكاتب أسامة انور عكاشة في مقاله الشهير فيقول " انه ليس من الصدفة ان يبدا الصراع في الجاهلية بين اولوا الشرف من العرب كبني هاشم ومخزوم وزهرة وغيرهم وبين من اشتهر بالعهر والزنا مثل بني عبد شمس وسلول وهذيل والذي امتد هذا الصراع الى ما بعد دخول كل العرب الاسلام .
    ولم تكن من قبيل الصدفة ان اغلب من التحق بالركب الاموي كانوا ممن لهم سوابق بالزنا والبغاء, فهذه المهن تورث الكراهية والحقد لكل من يتحلى بالعفة والطهارة, إضافة الى انها لاتبقي للحياء سبيل وهي تذهب العفة وتفتح طريق الغدر والاثم..."(2) وهي لو دققنا الأمر لوجدنا أنه نفس الشيء مع مخلفات الأموية والتي كانت تحمل من الإسلام فقط أسمه لأن كان من يقود الأمة الإسلامية هم من الطلقاء ومن أولاد أبو سفيان رأس الشرك والنفاق والتي استطاعت أيضا أن تشوه صورة الإسلام وتناقلت مشوهة إلى بعض الأجيال إلى الآن!.
    وقد استطاع النبي الأكرم محمد(ص)ومعه وصيه وأخيه الإمام علي(ع)أن يثبتا الدعائم الأخلاقية وكانت أحاديثه عن الأخلاق وما فيها من الثواب العظيم والخير العميم فيقول نبي الرحمة(ص) : { أنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }(3)ومن هنا من أحد الأهداف الرئيسية للرسالة المحمدية وهو خلق الأخلاق الفاضلة وتثبيتها في المجتمع الإسلامي وبالذات في الإنسان المسلم وخلق الخلق السامي في المؤمن والعبد الصالح، وجاء في حديث آخر عنه (ص): " إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار"(4). وورد عنه أيضاً (ص): "ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن"(5).
    وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: { أكملكم إيمانا أحسنكم خلقاً }(6).
    وقد ورد عن الأمام الصادق(ع) : { حسن الخلق من الدين وهو يزيد في الرزق }(7)وهناك الكثير من الأحاديث في ذلك لوضع أسس أخلاقية للمجتمع وقبل الدين وحتى تكون أرضية خصبة لتقبل الدين من قبل المسلم، وهي ترجمة عملية للدين الإسلامي السمح والسامي بكل معانيه العظيمة. بدون قيد أو شرط
    ولهذا كان القرآن الكريم قد صرح بعصمة الرسول الأعظم0ص)، ومن هنا كان من احدى عصمته هو التبليغ وقد ذكر في محكم كتابه { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }(8)، وكانت العصمة هي توضح في مجال خلقه وسلوكه وفي عدة آيات ومنها في قوله عز وجل {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }(9)، وقال في آية أخرى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }(10)، وقال في آية ثالثة:
    { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }(11)، وكل تلك الآيات الكريمة تعبر عن عصمته في سلوكه وأخلاقه ولكي توجب طاعته والامتثال لأوامره ونواهيه وأخذ تلك الأوامر بدون قيد وشرط.
    ومن هنا كان نبي الرحمة  صاحب خلق رفيع لم يأتي أي من الخلق من الأولين والأخرين ولهذا ركز الله سبحانه وتعالى في القرآن { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }(12)، وقال في آية أخرى:  {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }(13)، ومن هنا كان خلق جل وعلا الرسول الأعظم محمد(ص) ولكي تنجذب فيه الأفئدة والعقول لكونه صاحب خلق عظيم ورفيع لكي يجذب الأعداء قبل المؤمنين به ولهذا كان يسمى من قبل كفار قريش بالصادق الأمين وكان حتى يحكموه في كل امورهم ومشاكلهم واشتهر بالأمانة منذ حداثته حتى كان أهل قريش يودعون امانتهم عنده، ومن هنا كان ينجذب إليه مناوئيه ومعارضيه بموجب أخلاقه وتواضعه وسماحته وبسمته ورأفته والتي لا حدود لها ولهذا كان خلقه هو أكبر عنصرًا إعلاميًا، كان خلقه عنصرًا جذّابَا لخطه ولدعوته .
    وهذا النبي محمد(ص)اليهودي يؤذيه كل يوم فلم يرد أذيته بالمثل ثم عندما توقفت الأذية لم يفرح هذا النبي العظيم يشعر بنشوة النصر بل سأل عن هذا الجار اليهودي فقيل له إنه مريض فبادر بزيارته ليس تشفيا وانتقاما وإنما انطلاقا من مبادئ هذا الدين العظيم في مواصلة الجيران ولو كانوا سيئين أو حتى يهودياً. ولهذا كان من الواجب نفي الحجة والتي تقول أن ديننا الحنيف متخلف ومتحجر وفيه من الانغلاق والتعصب بهذا الموقف وغيرها من المواقف التي لا عد لها ولا حصر عن سماحة وخلق نبينا الأكرم محمد(ص) والإسلام الذي هو دين الرحمة والمحبة والآخاء والتسامح. والذي تم بعد ذلك وصف النبي وبأبشع الأوصاف وبالتالي رمي ديننا بالإرهاب والتطرف، وان الغرب الذي قام بتصوير هذا الأمر ومعهم الصهاينة اليهود والذي لم يأتي من فراغ بل كان لوجود الأحاديث المدسوسة والاسرائيليات وفي صحاح العامة من البخاري ومسلم وغيرها كان خير دليل لهم فيما قاموا من افتراءات على نبي الرحمة والتي كلها تتناغم مع ما دس من أحاديث في صحاح أهل السنة والجماعة والتي كانت تعبر وأهواء حكام بنو أمية وبنو العباس.
    ولهذا يجب التعريف بالشمائل المحمدية والسامية التي يحملها مبعوث الرحمة والإنسانية والتي ترتقي بالإنسان إلى أعلى درجات الرقي والتحضر والتطور والتمدن وخلق الإنسان الخالي من الأحقاد والكراهية ويدربه على عدم الرد على السفيه بمثلها بل يرفعه إلى درجة عالية من الأخلاق والأدب ليزور ويصل من يسيء إليه حتى ولو كان يهوديا. أخبروهم بذلك ليعرفوا حقا أن هذا الدين دين التطور والتحضر والتمدن قولا وفعلا.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    المصادر :
    1 ـ راجع مقال أنور اسماة أنور عكاشة والذي بعنوان(أبناء الزنى كيف صاروا أمراء المسلمين)والذي نشر في العديد من المواقع والصحف.
    2 ـ نفس المصدر.
    3 ـ أخرجه أحمد (8939)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (273) واللفظ لهما، والبزار (8949) باختلاف يسير. المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم: 45.
    4 ـ المحدث : الألباني | المصدر : صحيح أبي داود الصفحة أو الرقم: 4798 | خلاصة حكم المحدث : صحيح. الكافي: ٢ / ١٠٠ / ٥ و ح ٤. ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ١ - الصفحة ٧٩٩.
    5 ـ البحار: 71 / 383 / 17. ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ١ - الصفحة ٧٩٩. أخرجه أبو داود (4799)، وأحمد (27517) مختصراً، والترمذي (2002) باختلاف يسير.
    6 ـ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٨ - الصفحة ٣٨٧. صحيفة الرضا (عليه السلام) ص 19.
    7 ـ ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج ١ - الصفحة ٨٠٥. منشورات المكتبة الشيعية. البحار: ٧١ / ٣٩٦ / ٧٧.
    8 ـ [ النجم : 3 ، 4 ].
    9 ـ [ الجمعة : 2 ].
    10 ـ [ التوبة : 128 ].
    11 ـ [ الحشر : 7 ].
    12 ـ [ آل عمران : 159 ].
    13 ـ [ القلم : 4 ].

    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media