لنسحب خطا فاصلا
    الأربعاء 13 أكتوبر / تشرين الأول 2021 - 17:29
    أ. د. محمد الدعمي
    كاتب ومؤلف وباحث أكاديمي/أريزونا
    ترتكب الدولة خطأً فادحًا عندما تعد نفسها مالكة كل شيء فوق وتحت تراب أراضيها، دون اكتراث بممتلكات الأفراد أو الكتل الاجتماعية الخاصة. وقد جرَّ هذا الشكل من أشكال الدولة الشمولية إلى مآسٍ مؤلمة على الأفراد والجماعات كما حدث في العراق خلال العقود السابقة.

    ومن نماذج هذه الحال المأساوية، يبرز للمرء ما حصل لهواة جمع التحف والآثار واللقى النادرة: فبعد أن جمع هواة عراقيون كنوزًا من النقود والمسكوكات الأثرية (الأقدم في تاريخ العالم، ربما)، قامت الحكومة العراقية حقبة ذاك بتشجيع وبقبول الوشايات عن أسماء مالكي هذه الكنوز من المسكوكات التي يعود بعضها إلى عصور صدر الإسلام والعصرين الأموي والعباسي، فاضطلعت الشرطة السرية بــ”كبس” الخزانات الفردية التي حفظ هؤلاء فيها نفائس اللقى من أقدم العصور، ثم صادرتها بوصفها "ثروة وطنية”، لا يحق لفرد أن يحتفظ بها لنفسه أو لعائلته.

    وهكذا، على سبيل المثال، خصصت قاعة في المتحف العراقي باسم هاوٍ كان قد أفنى سني حياته لجمع المسكوكات النقدية النادرة، وهو المرحوم عبد الله الصراف. وتنطبق ذات الحال، على ثروة لا تقدر بثمن من أندر المخطوطات الإسلامية في العالم كان العلاقة المرحوم حسين علي محفوظ قد جمعها في خزانته الخاصة، إلا أن يد الدولة طالتها في لحظة مأساوية كادت تودي بحياته (كما قال لي) في حينها، إذ كبست لجان خاصة هذه المخطوطات التاريخية النادرة من داره بالكاظمية لتصادرها الحكومة العراقية، ثروةً قوميةً كذلك، لبالغ الأسف.

    أما مأساة المآسي، فتتجسد في قيام الرعاع من الجهلة واللصوص بنهب هذه الكنوز التي كانت مكنونة لدى أصحابها، وذلك يوم فتحت القوات الأميركية الغازية المتحف العراقي وخزائنه لهذا النفر الضال من اللصوص والجائعين. وهكذا، راحت هذه الكنوز المادية والمعنوية تظهر الآن في أشهر مزادات العالم في أوروبا وأميركا، بينما ذهب أصحابها الأصليون ضحايا هواياتهم مهمومين بما خسروه من أموال وجهود استغرقتهم سني حياتهم كلها، لبالغ الأسف.


    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media