المقولة الذرائعية: ((لهم ما لهم وعليهم ما عليهم)) !!!
    الأربعاء 1 ديسمبر / كانون الأول 2021 - 06:30
    عبد الله عطية شناوة
     تسود في النقاشات المتعلقة بتقييم نشاط القادة السياسيين الذبن لعبوا أدوارا مفصلية في مسار تطور مجتمعاتهم مقولة فحواها أن أولئك القادة ((لهم ما لهم وعليهم ما عليهم)). وهذه المقولة كلام حق يراد به باطل في كثير من الأحيان. ويلجأ إليها في الغالب أنصار هذا القائد أو ذاك، الذين يمجدونه وحتى يؤلهونه، ويستعينون بهذه المقولة الذرائعية فقط حين يحتاجون الى تبرير أخطائه أو خطاياه والتهوين منها.

    فكيف نقيم عمل السياسيين والحكام منهم على نحو خاص؟ هل نستخدم ميزانا دقيق الحساسية لموازنة منجزاتهم بإخفاقاتهم، كما يطالب الغاضبون من نقد الحكام، الذين ينسبون لهم (( أنجازات )) بعضها حقيقي، وأغلبها من نسج الخيال؟

    أم نلتزم الموضوعية ونقر بحقيقة أن الحياة لا تقبل الجمود وأن التطور من طبائع الأمور وأنه لا يمكن أن تمر السنين بوجود هذا الحاكم أو ذاك، دون أن يتحقق مستوى معين من التطور في هذا المجال أو ذاك مهما كان تواضع دور الحاكم وحجم مساهمته فيه؟

    هل نعتمد في تقييمنا على ((إنجازات)) تآكلت بمرور الزمن، وربما تبخرت بفعل التطورات، الناجمة عن أخطاء الحاكم نفسه وأنحيازاته؟ أم نعتمد في التقييم على دوره، في المفاصل التأريخية في حياة مجتمعه، وعلى نجاحه أو إخفاقه في القرارات والمواقف التي أتخذها في الأحداث العظيمة التي تركت آثارا عميقة على حاضر المجتمع ومستقبله؟ والنظر الى المحصلة النهائية لما آلت أليه الأوضاع أرتباطا بالمواقف والقرارات والخيارات، وأساليب العمل التي إعتمدها؟

    المنهج العلمي في التحليل يقوم على أن الأوضاع لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه على مدى سنوات، ولهذا تمنح المجتمعات الديمقراطية فترة محددة ـ أربع سنوات مثلا ـ للحاكم تختبر خلالها مدى نجاحه في تحقيق وعوده الأنتخابية، ومدى إخلاصه لبرنامجه الذي نال ثقتها على أساسه، ولها الحكم على نسبة نجاحه أو فشله، في تحقيق البرنامج، وليس على ما تحقق بشكل عام لأنها تعرف أن بعض المجالات لابد لها من التطور بوجود القائد المنتخب أو بعدم وجوده.
     
    الجنرال شارل دي غول قاد عملية تحرير فرنسا من الأحتلال الألماني ونجح في تحويل بلاده الى أحدى القوى العظمى الخمس، وجعلها قوة نووية، لكن الفرنسيين رأوا عام 1968 أنه لم يحقق ما يكفي، وطلبوا منه أن يتقاعد. لم يتمسكوا به لأنه حرر البلاد ورعى برنامجها النووي الحقيقي وليس الزائف. وطلبوا منه أن يتقاعد مع أنه لم يتسبب في خسارة حرب او في تمكين العدو من أحتلال جزء كبير من أراضي بلاده.

    هذا بالنسبة للقائد المنتخب، أما من يستولي على الحكم باستخدام دبابة، فيفترض أن يكون تقييمه أكثر صرامة، فتبرير الشرعية التي أنتحلها يتطلب منه أكثر من مصادرة أراضي حائزي الأرض وإعادة توزيعها على من يفتقرون إليها، فهذا بحد ذاته ليس أنجازا، بل الأنجاز الحقيقي في إنعكاس عملية المصادرة وإعادة التوزيع على العملية الزراعية وتطور الأنتاج الزراعي، وعلى تطور الحياة في الريف وتحولها من دار هجرة يهرب منها سكانها، إلى دار مستقبلة للمهاجرين من أبنائها الأصليين ومن سكان المدن كذلك. ولا يمكن التذرع هنا بأن أربعة أعوام، أو ثمانية عشر عاما غير كافية لأحداث ذلك.

    كما أن التمثيل المزعوم للعمال أو الفلاحين في المجالس ((المنتخبة)) التي تشكل من لوائح يضعها التنظيم السياسي الوحيد التابع للسلطة ليس مجرد جريمة تزوير يعاقب عليها قانونا، بل هي كذلك عملية أستغفال مهينة للعمال والفلاحين. وإغلاق الصحف أو تأميم المؤسسات الصحفية جريمة بحق الحريات، وإلغاء للحوار المجتمعي، وتخريب للوعي السياسي، وتدمير للرأي العام.

    وليس أقل إجراما محاربة النقابات العمالية والمهنية المستقلة، وفرض قيادات أنتهازية من عبيد السلطة على المنظمات الشعبية. 
     
    أما ملئ السجون بالمفكرين والمثقفين والفنانين وأخضاعهم لتعذيب همجي يؤدي الى وفاة البعض منهم، والتمكن في النهاية من إيصالهم الى حالة من الأستلاب تجعلهم يقبلون العمل لصالح الزعيم في أجهزة الثقافة المؤممة فجريمة أكبر من أن توصف.
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media