النمطية الخائبة!!
    السبت 27 مارس / أذار 2021 - 14:27
    د. صادق السامرائي
    وصلتني رسالتين تمثلان نمطية التفكير السائدة في واقعنا , والمساهمة في صناعة وتثمير الويلات والتداعيات , أولهما تتحدث عن الدول الأوربية في بداية القرن العشرين إجتمع قادتها بقيادة بريطانيا العظمى آنذاك , وهدف الإجتماع الإجابة على سؤال كيف نبقى في القمة والقوة , وكان الجواب أن نهيمن على المنطقة العربية لما فيها من ثروات وخصائص ستراتيجية وبواسطتها نتحكم بالعالم.
    وتمخض الإجتماع عن خطة كان أولها تحرير المنطقة من قبضة الدولة العثمانية , وزرع جسم غريب فيها , وتمزيقها وإشاعة الإحتراب بين أهلها , وتسخير الدين لتنازعاتها وإلهائها ببعضها , وحكمها بالنيابة بواسطة حكام مأجورين أو ينفذون الأجندات بحذافيرها.
    وثانيهما أن فلان الفلاني يريد أخذ النفط , وأنه يعمل بجد وعزيمة وإصرار على مصادرته من أهله , وهو يقولها بصراحة أن الدولة الفلانية عليها أن تدفع الفاتورة , وأنها في الحقيقة دولة مرهونة بإرادة جارتها , وأهلها يفترس بعضهم بعضا كالوحوش , ومن الواجب أخذ نفطها منها.
    وأصحاب الرسالتين يدعون للتظلم واللطم والتسليم بالأمر الواقع وتأكيد الإنكسارية والشعور بالإمتهان.
    وهذا الأسلوب في التفكير هو السائد في واقعنا منذ بداية القرن العشرين  , وما أسهل الميل للتغني بالأعذار وتخليقها , ولهذا ترانا قد درجنا على إسطوانة  , لماذا تخلفنا فيأتيك الجواب الفوري بسبب الدولة العثمانية وسياساتها الغاشمة , ولماذا بقينا نراوح في مكانهم, سيكون الجواب بسبب الإستعمار الظالم.
    ولماذا تقدمت الدول التي كانت بعدنا وتمزقنا, قالوا إنها الصهيونية والإمبريالية.
    فلكل سؤال جواب جاهز عاجز!!
    و تسأل عن الفعل والعمل , فتواجَه بالصمت والوجوم !!
    وعندما تحث على الجد والإجتهاد تتهم بالطوبابية والخيالية والفنتازيا!!
    وحالما تتملكك الحيرة والعجب , يأتيك القول بأنه قدر مكتوب , وقد قال بذلك فلان وفلان , ويأتونك بأحاديث مختلقة وكلمات منسوبة لرموز تأريخية أو دينية!!
    وتزداد حيرة ودهشة , وتريد حلا فيكون الرد , هذه دنيا فانية وعلينا أن نشقى فيها ونتعذب لكي نفوز بنعيم الآخرة!!
    وما أن تذكّر بالدين , حتى تهب بوجهك عاصفة إنفعالية هوجاء تلقي بك في وديان الكفر والإرتداد عن سواء السبيل!!
    وهذه النمطية التفاعلية  دمرت الوجود العربي , وقيّدت الأجيال بأصفاد الجمود والتعفن والمراوحة في مستنقعات آسنة تتكاثر فيها عظايا الضلال والبهتان.
    فالحياة تنازع وتصارع ويفوز فيها القوي الأمين على مصالحه وأهدافه , وينهزم فيها الضعيف الخائن لمصلحته والتائه بلا أهداف.
    فالعرب أعداء أنفسهم ومصالحهم وأوطانهم وشعوبهم , ويلقون باللائمة على الآخرين الذين يتربصون الفرص فينتهزونها وينفذوا من خلالها , وينقضون بأنيابهم ومخالبهم على فرائسهم الوديعة , التي تحلم بالآخرة وتنكر الدنيا وما فيها.
    إن الحياة غاب شرس بحاجة إلى تحدي وكفاح وتماسك , وإتحاد وتعاضد وإيمان مشترك بالهدف والغاية المستقبلية الحاضرة في الوعي الجمعي , وهذا ما ينقص العرب ويمنعهم من التخلق والتحقق المعاصر , فبرغم توفر عناصر القوة فيهم , لكنهم يحولونها إلى مصدر ضعف وهوان وهذا ديدنهم , والأمثلة عديدة ولا تحصى , وفي القرن الحالي لدينا الكثير منها , إبتداءً بالعراق وإنتهاءً بما يحصل في منطقة الخليج , كما أن تحويل نعمة النفط إلى نقمة وسلاح ضد العرب , لأفصح دليل على إرادتهم المضادة لذاتهم وموضوعهم.
    فلماذا نلوم الآخرين ونتهمهم , وهم الغيارى على مصالحهم ونحن ألد أعداء مصالحنا؟!!
    فمتى سنستفيق من غينا ونؤمن بالذود عن مصالحنا متحدين؟!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media