الإجترار وعدم إنتاج الأفكار!!
    الثلاثاء 4 مايو / أيار 2021 - 05:36
    د. صادق السامرائي
    الإجترار عاهة حضارية تتسبب بإنكسارات وتساهم في الركود والتأسن الشامل لحالة الأمة , التي إرتضت سلوك الإجترار وأنكرت آليات التفاعل مع حاضرها ومستقبلها.
    وهذا يفسر لماذا أن الأمة تنتج ما هو ماضوي , وما يمكن تسميته بأفكار المراوحة والركود والإستكانة والعجز والخمود.
    فالكتابات السائدة في الصحف والمواقع والكتب ووسائل الإعلام , ماضوية متوحلة في أطيان الذي مضى وما إنقضى , وهي تفخر بما تمعن فيه من الموضوعات التي أكلت عليها الدهور وشربت , وكأن الحياة قد إنتهت في مرحلة معينة , وأن العرب قد ماتوا وما عادوا يعترفون بأن ما فات مات , وما هو آتٍ آت , وإنما ما فات عاش وهو الذي يأتي ولا غيره من آت!!
    إن الذي يطلع على ما يدور في الواقع الثقافي العربي , يتملكه شعور بأن ما يقرأه من إنتاج العقول التي ما عادت تمتلك القدرة على وعي ما يدور حولها , لكنها تحدثك عن تفاصيل ما مضى منذ عدة عقود , أما أن تحدثك عن يومها فهذا مستحيل , لفقدانها قدرات التذكر القريب والآني.
    وهذه علة متفاقمة ذات تأثيرات شديدة على الحاضر والمستقبل , لأنها تقتلهما بإغفالهما وتجاهلهما , وتحسب الزمن ببعد واحد لا غير , فتلغي بعديه الأساسيين المساهمين بالقوة والقدرة على التفاعل مع الوجود المعاصر والآتي.
    أي أن الأجيال تُجرَّد من أسلحتها الحضارية وتُعتقل في حفر وخنادق دامسة , ذات عفونة ورطوبة تصيبها بالأمراض السارية والمعدية , فتنتشر بينها الأوبئة الخطيرة الساعية للمحق والإهلاك الفتاك , فتصبح ذات عاهات نفسية سلوكية , وتداعيات قاسية معوقة لخطوات التحرك للأمام.
    وهكذا فالأمة في محنة تخندقية بآليات إنطمارية وصيرورات إنحسارية وإهلاكية , تؤدي إلى تفاعلات تعفنية ذات تأثيرات سمية طاعونية التوجهات , لأنها تحصد الوجود الحي في أرض الأمة وتحيله إلى عصف مأكول.
    وعندما يتم تحويل الحالة المائية للمعتقد أو الدين , إلى حالة نفطية سوداء , فأن الوجود سيحترق ويتحول إلى دخان وركام , فالماء رائق القوام بلا لون ولا رائحة , والنفط أسود كريه الرائحة كثيف القوام , يقتل الأحياء ويحرق ما فوق التراب ويصيبه بالشلل.
    فأكثر ما يتحقق إجتراره في واقع الأمة هو الدين , وما يرتبط به من أحداث وتطورات ومواقف وصيرورات سياسية وتسلطية إرتبطت بالحكم وأحقيته , وتريد أن تغيّر ما لا يمكن تغييره لعدم الإمساك به , فالأموات لا يمكن تغيرهم , وما مضى لا يعود , وما تملكه الأمة هو حاضرها ومستقبلها , فهي التي عليها أن تستوعب آنها ولحظتها وتستولدها أصيلا نافعا متجددا.
    وإن لم تتحرر الأمة من هذه الوقيعة , وما يتصل بها من مكبلات ومدمرات , فأنها ستمضي في خطوات إنقراضها , لأنها تأبى أن تدرك الطبيعة المائية لدينها , وتصر وبتصميم على أن طبيعته نفطية أو بترولية كثيفة سوداء , وتريد من البشر أن يشربونه وحسب؟!!
    فهل من وضوح رؤية وإيمان بحاضر ومستقبل؟!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media