كورونا .. هل يغير العالم مناخه ..؟
    الخميس 1 يوليو / تموز 2021 - 20:55
    عدي عدنان البلداوي
    يعيش العالم اليوم نشاطاً كبيراً في إعادة النظر في منظومة المال والأعمال إثر ثورة العلم والتكنلوجيا ، هدفها زيادة الانتاج وزيادة الأرباح من خلال توفير سلع خدمية ، بمواصفات أفضل وبسعر أقل . وقد لاقى هذا النشاط ترحيباً واسعاً من قبل المستهلكين الذين هم بحاجة ملحّة الى انشطة اجتماعية ترتقي بهم الى مستوى الإحتفاظ بالكرامة ورفع قيمة الذات وتحسين مخرجات الأداء في المجتمع ، لكي لا يشعر المواطن بضآلته أمام حجم الإنتاج الكبير وتسارع التطور التقني وتراجع الأداء البشري الى مستوى الإستهلاك المادي ونقصان الطاقة الإيجابية في ظروف اقتصادية وامنية واجتماعية ونفسية غير مطمئنة دفعت كثيرين الى الإنتحار والإنحراف الأخلاقي والمتاجرة بالأعضاء والأعراض ..

    هناك جانب تخفيه التقنية المتطورة وراء دعوات تحرير الإنسان من معوقات وقيود مواكبته التطور في مجالات العلم والإنتاج والإتصالات ، انّه تحرير السلعة  وتسليع الإنسان بحيث يصبح الشغل الشاغل للفرد هو تأمين المال الكافي لشراء منتجات التقنية الحديثة وإعتماد العالم الإفتراضي مصدراً  للحصول على المعرفة والمعلومات والبيانات ويتحدّد دور الإنسان في كونه مستهلكاً ومستخدماً ، فهل ينظر مستقبل الصناعة العالمية الى الإنسان على انه اصل من اصولها ، أم انه حلقة من حلقات الانتاج ؟  

    عالم الأشياء ..

    تزامناً مع انتشار وباء كورونا ، ظهرت آراء وتوقعات تتحدث عن تحرك العالم باتجاه نظام جديد تتحوّل فيه انظمة الحكم والناس الى مستثمرين وموظفين ومستهلكين يعملون لحساب شركات عالمية أو منظمات سرّية أو جهات محدّدة ، تموّلها رؤوس اموال طائلة تدير العالم سياسياَ وإقتصادياً وثقافياً وصحياً وإجتماعياً بشكل يضمن سلامة انسيابية الحياة من دون مفاجآت غير مرغوب فيها ، مثل الثورات والتظاهرات والإحتجاجات والأفكار البنّاءة التي تهدف الى نهضة المجتمع وتحضّره وتطوّره بالشكل الذي يعرف فيه الشخص هويته ويبني شخصيته وقدرته على التفكير والإختيار .. نظام جديد يرى بعضهم انه يتعامل مع كل الموجودات على انها أشياء تنقسم الى نوعين : نوع جامد تمثّله الآلات والأجهزة الذكية والتقنيات الرقمية ، ونوع حي تمثّله مجموعة الإنسان والنبات والحيوان ، وتخضع جميع هذه الأشياء الى تقنية رقمية ذكية تربط بينها بشكل يخدم مشاريع الإستثمار والربح السريع والعرض والطلب ، ويندرج الإنسان ضمن هذه الأشياء سواء بواسطة السياسات العالمية المتبعة حالياً ، أو بواسطة شريحة الكترونية أو تقنية معينة يقترحها المسيطرون على انظمة العالم حلاً  لكثير من المشاكل وفي مقدمتها المشاكل الصحية التي تعترض الجسم من خلال ارتباطها بشبكة عالمية تدوّن معلومات مفصّلة عن كل شخص مثل عموم حالته الصحية وتاريخ اصاباته والأمراض التي تعرّض لها وكيفية تجنيبه الإصابة بأي وباء ، كما تعمل على تنظيم مستويات السكر والدهون والضغط ، وتحتفظ برقم جواز السفر ورقم البطاقة التموينية ورقم الهوية الشخصية ورقم السيارة وغيرها ، وصولاً الى التحكم بالأعصاب والتحكم في طريقة التفكير، وسيتعامل هذا النظام الجديد -حسب بعض التوقعات- مع الأفكار والتاريخ والدين والقيم والأعراف الإجتماعية والإبداع وغيرها على انها سلع قابلة للترويج لزيادة الطلب عليها ، أو سحبها من السوق ، أو إعادة تصنيعها من جديد ، أو تحويرها ، أو تعديل مواصفاتها أو اخفائها نهائياً أو مرحلياً حسب مقتضى الحال . نظام يدير العالم عن طريق خوارزميات ومجموعات كبيرة من الأجهزة الذكية فائقة الدقة والسرعة ، يخضع كل شيء فيها الى لغة الأرقام ، كما هو حال كثيرين ممّن تغيّرت عندهم الوان الحياة الواقعية وما عادوا يتذوقون الجمال ، فتراهم يقتنون اللوحات الفنية لغلاء ثمنها أو لتشكيلة الوانها البراقة التي تضيف جمالية الى جدار في صالة البيت أو المكتب ، أو لغرابة محتواها وخروجه عن المألوف ، وليس لأنها تسهم في ايقاظ فكرة فيهم أو تحفّزهم لإنتاج اعمال مفيدة تخدم نمو وازدهار الحياة ..

    ليس بوسعنا اغفال كل هذه التوقعات والآراء ، كما ليس بوسعنا تكذيبها ونحن لا نتوافر على أدلة واضحة وقوية  ، لكننا نستنتج من كل هذه الآراء والتحليلات اذا اخذناها من جانب واحد وهو جانب الحياد ، إنها تفصح عن خوف وقلق وعدم اطمئنان الى آلية عمل النظام العالمي الحالي المتمثل بسياسة القطب الواحد والسوق العالمية وتدويل رأس المال والشركات عابرة القوميات وغيرها من المسميات التي تركت وراءها مشاكل كبيرة في حياة الناس ، هدّدت واقعهم بالتلوث الى الحدّ الذي صارت نظرات كثيرين منهم قلقة تشاؤمية بسبب فقدان الثقة والإنقلاب على المعنى ، ويظهر ذلك بشكل واضح في العالم العربي ، ففي العراق يعاني المجتمع من استخدام السلطة لمعطيات متطورة مثل الانفتاح والإصلاح والتكاتف والإعمار ، بينما يغرق الواقع في الفقر والظلم والإنحراف والإنتحار والتشتت الأسري والبطالة والأمية والأمراض المزمنة وامراض السرطان والطبقية والإستغلال والإستغفال والتهميش. وبينما يعيش في البلاد قرابة عشرة ملايين جائع ، يقطع بعضهم شوارع البلاد بسيارات تزيد قيمة الواحدة منها على مئة الف دولار ويخرج رئيس البلاد الى عمله كل يوم ببدلة انيقة صنعتها له احدى شركات الأزياء. وفي الوقت نفسه تخرج امرأة وصغارها يحملون اكياساً فارغة متجهين صوب مكب النفايات يفتشون فيها عن علب فارغة وادوات يمكنهم بيعها ليسدّوا بثمنها جوعهم الذي تعرّفه بعض الآراء على انه فقر ناتج عن سوء حال اولئك الناس وليس عن نقص في توفير الغذاء ، كما تفاخر بعض السياسيين بأنهم حسّنوا الوضع المعاشي للمواطن وادخلوا الموبايل الى البلاد ..

    في خضم معاناة الناس بسبب اجتياح وباء كورونا وما سبّبه من تعطيل للحياة وبسبب تردّي الوضع الإقتصادي بشكل عام في كثير من البلدان وخصوصاً في عالمنا العربي ، وبسبب الصراع على السلطة ومشاريع استثمار المواطن لصالح الفوز في الإنتخابات وتردّي الخدمات ، وسط هذا الركام والبؤس يهنىء رئيس الجمهورية ابناء العراق على اختيار محافظة البصرة لإقامة مونديال خليجي 25 معتبراً ايّاه مؤشراً على تعافي البلاد في حين لم تفلح الحكومات المركزية والمحلية المتعاقبة في حلّ مشكلة الماء الصالح للشرب في المحافظة لأكثر من عقد من السنين على حرية الإنتخاب وديمقراطية التمثيل النيابي والحكومي وكثرة المشاريع والالسنة التي تلهج امام الكاميرات بتحسين واقع الناس وتوفير احتياجاتهم ..

    استطاعت السياسة ان تنفذ الى الجماهير من خلال استثمار تراث وقيم وأدبيات يعتبرها الناس مواد خام اصليةً تدخل في بنيتها الإجتماعية ، وصدّرت للجماهير إعلاماً يقف عند مشاكلهم ومعاناتهم وطموحاتهم وتدّعي تحركها في إطار الحملة الإنتخابية لتبني تلك الموضوعات ، حتى اذا ما وصلت الى السلطة انحرفت عن الجماهير ، وكلما مرّ بها الوقت داخل دائرة السلطة تعاظم نفوذها وتفاقمت معاناة الناس ..

    ان مشكلة السلطة في العالم الناميّ انها تقوم على اساس جماهيري تجهل طبيعته أو تتجاهل طبيعته ، وهو ما يجعل انشطتها بعيدة عن واقع الحال ، قريبةً من الأداء الإعلامي الروتيني الإستهلاكي ، وكلما كانت السلطة تتحرك في نظام طبيعي ، كانت اكثر مشروعية ومقبولية على ارض الواقع ، لكنها في الغالب تضع نفسها داخل قالب العلاقات الدولية وتحرص على تحسين تلك العلاقات ، فيأتي نشاطها على حساب علاقتها بالمجتمع ، هذا النوع من العمل السياسي يدفع باتجاه الحياة الإصطناعية للنظم الديمقراطية في بلدان العالم الثالث المتحكم به عن بعد في زمن التقنيات المتطورة وشبكات العالم الإفتراضي .. 

    النظام الرقمي ..

    نظام جديد للعالم بشّر به بعضهم ، وتخوّف منه البعض الآخر ، تزامن الحديث عنه أو الترويج له مع انتشار الوباء وإظهار الكيفية التي تصرفت بها بعض الدول الكبرى .. ففي مقطع فديو تناقلته وسائل التواصل الإجتماعي ، ظهر عدد من الكوادر الطبية في احدى مستشفيات بريطانيا يستخدمون اكياس النفايات بدلاً عن الملابس الواقية بسبب قلّة التجهيزات . وفي امريكا اعلن عمدة نيويورك عن احتمالية اخفاقهم اذا طال وقت نشاط الفيروس ، وفي الصين سمعنا عن تبليغ الجهات المعنية في كانون الأول من عام 2019م منظمة الصحة العالمية عن ظهور اعراض لوباء غير مشخّص يخشى انتشاره ، ولم تتخذ امريكا ودول اخرى خطوات استباقية لمواجهة الوباء فيما لو ظهر ، من اجل منع تعرّض الناس لمشاكل صحّية أودت بحياة كثيرين منهم ، وأفادت وسائل إعلام بإستيلاء دول رأسمالية كبرى على شحنات مساعدات طبية مرّت بمياهها متوجهة من دولة الى اخرى، وعن فقر يهدّد شرائح كبيرة في مختلف الشعوب جرّاء امد الحظر الصحي الذي اضرّ بمصالح ملايين الناس ممّن يعيشون على كسب قوتهم اليومي .. في امريكا اقدمت مطاعم خيرية على تقديم ملايين الوجبات للمتضررين ، وفي لندن تطوّع الاف الشباب والفتيات لتقديم العون لمن يحتاجه في العاصمة وضواحيها ، بينما اغفلت السلطات الامريكية رفع الحصار عن ايران في مثل هذه الظروف الإنسانية الصعبة . ولم تتوقف غارات السعودية على اليمن . وعلى الأراضي السورية كانت معارك الدول الكبرى وحسابات المال والتجارة والإقتصاد وصراعات الهيمنة ، تدور رحاها على الرغم من تفشي الوباء ، وسط هذه الفوضى، رأى بعضهم حاجة العالم الى نظام جديد ، لا تزال تفاصيله وصورته لم تأخذ صيغتها وشكلها الواضح المعلن ، لكن من الواضح جداً ان الشعوب بأمسّ الحاجة الى تفعيل البعد الأخلاقي في ادارة العالم .. اذا كان العالم الإفتراضي سيسجّل حضوراً مميزاً في النظام الجديد ، فإننا بحاجة الى تعريف جديد للحرية في أطر اخلاقية لا تهدّد سكينة البلدان وسلامتها ولا تعرّضها الى عسكرة حياتهم المدنية كما حصل في بعض البلدان العربية ، ففي الوقت الذي انتظر فيه الناس مبادرات جهات حكومية وهم يوزّعون مستلزمات الوقاية والتعقيم،  كانت اجهزة الأمن في العراق تعلن عن اعتقالها الاف المخالفين للحظر الصحي ، وفرضها غرامات مالية تصل الى خمسين الف دينار ، ومئة الف دينار عراقي للمخالف ، بينما وعدت المواطن المتضرر بمنحة مالية قدرها ثلاثين الف دينار فقط لكل شهر منذ بداية الأزمة ، ولم يستلم احد هذه المنحة الخجولة بعد اكثر من شهر على بداية تفشي الوباء وتعطل الأعمال ، وفي الوقت الذي دعت فيه الحكومة القطاع الخاص الى تخفيض أجور المولدات الكهربائية ، لم تبادر هي الى اعلان الغاء استيفائها لأجور الماء والكهرباء من المواطنين خلال الأزمة .. 

    يزيد عدد سكان الأرض على سبع مليارات نسمة ، فيهم حوالي مليار شخص يعانون الجوع ، ومليار ونصف شخص لا يحصلون على مياه صالحة للشرب ومليار شخص يعانون الأميّة ، و13 مليون طفل يموتون سنوياً حول العالم قبل اليوم الخامس من ميلادهم بسبب سوء الرعاية الصحية للطفل أو الأم. لم يعد الفقر اصطلاحاً يشتمل على الحالة الإقتصادية وعلى دخل الفرد والمورد المالي ، فقد شمل ما هو ابعد من ذلك ، انه توفر الفرص الحقيقية من قبل الفرد أو المجتمع أو النظام الذي يدير شؤون البلاد ، من شأن هذه الفرص ان تمكّن الفرد من اداء رسالته في الحياة ، فلكل شخص منا رسالة مهما كان دوره ومهما كانت مقدرته . فعندما يتظاهر حملة الشهادات العليا مطالبين بفرص تعيين ، ويتظاهر معلمون للمطالبة بأجورهم المقطوعة منذ سنوات ،  وعندما لا يؤدي هؤلاء ادوارهم الطبيعية في الحياة ولا يشاركون في حركة المجتمع بسبب البطالة واهمال الحكومة أو يشاركون بدرجة فاعلية منخفضة ، فإن ذلك يكشف عن مساحة الفقر التي عليها البلاد .

    جاء في الحديث النبوي الشريف ( هلاك امتي في شيئين ترك العلم وجمع المال) ..

     ان من اولويات النظام العالمي الانساني ، القضاء على الفقر بتوجيه التنمية الإقتصادية لمعالجة مشاكل الفقراء والمضي بهم نحو تجاوز حالتهم المعيشية الصعبة . إعلامياً لا يبدو ان انظمة العالم تولي مسألة الفقر اهتماماً عميقاً عندما ترصد دول متقدمة اكثر من 60 مليار دولار لمشاريع الذكاء الإصطناعي وترصد احدى الدول المتأخرة في موازنتها لسنة تفشي وباء كورونا مبالغ مالية من اجل لعبة تسلق الجبال في الوقت الذي تسجل الإحصائيات فيها ارتفاعاً في اعداد الفقراء .. !!
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media