هل تتنكر ثورة 14 تموز في الشكل والمضمون؟
    السبت 17 يوليو / تموز 2021 - 06:29
    مصطفى محمد غريب
    حقبٌ مرت وآلاف المقالات والدراسات والكتب تناولت ثورة 14 تموز 1958  كحدث غَيَرَ مسار الوضع السياسي في العراق وأثر على حركة التحرر الوطني وتناولت الدراسات الأسباب والنتائج وفي المحصلة اتفقت الأكثرية بأنها ثورة حتى وإن كانت بدايتها انقلاب عسكري قام الجيش بقيادة ضباط وجنود وطنيين وديمقراطيين وشيوعيين ( أكثرية الكتابات لا تذكر دور الجنود وكأن الضباط هم وحدهم قادوا الآليات العسكرية والسلاح واحتلوا المواقع الحساسة والإذاعة ) في إزالة الملكية وتأسيس الجمهورية وعزز هذا كونها ثورة في خروج مئات الآلاف من العراقيين مؤيدين ومدافعين عنها بعد ما واجهت تهديدات بالتدخل العسكري الأمريكي البريطاني  (الانزال العسكري الأمريكي والبريطاني في لبنان والأردن) كما عزز مكانتها كثورة للإنجازات التي قامت ومنها الخروج من حلف بغداد ، إلغاء قانون حكم العشائر، إصدار قانون الإصلاح الزراعي وإلغاء الاقطاع، تشريع قانون الأحوال الشخصية، اصدار قانون رقم 80 لعام 1961لالغاء الامتيازات النفطية في الاراضي العراقية غير المستغلة من قبل الشركات البترولية العالمية أي حررت 99,5%من الأراضي العراقية، الخروج من دائرة الجنيه الإسترليني وغيرها من المنجزات الوطنية، إلا ان ثورة تموز انتكست ولم تمر على قيام الجمهورية اقل من سنة فدفع الشعب الكادح الثمن، أسباب الانتكاسة يعود منذ البداية الى: 
    1 ـــ قيادتها "الزعيم عبد الكريم قاسم" في المقدمة في التهاون مع القوى الرجعية والعميلة والقوى القومية المتطرفة (عفا الله عما سلف) 
    2 ـــ التآمر الداخلي القوى القومية العربية بقيادة حزب البعث فلول النظام الملكي والقوى الرجعية العربية والإسلامية، والدعم الخارجي الدول المجاورة والعربية المتحدة بالإضافة الى الأمريكي وهلم جراً 
    3 ـــ عدم فسح المجال لتوسيع وتثبيت أسس الديمقراطية والمشاركة الوطنية  وبخاصة الحزب الشيوعي العراقي مثال "أكثرية  الأحزاب شاركت في الحكومة العراقية الأولى  وحجب هذا الحق عن الحزب الشيوعي العراقي الذي كان احد أعمدة الثورة"  
    4 ـــ القضية المهمة  إبقاء الحكم بيد العسكر بدلاً من التوجه لسن دستور دائم وإجراء انتخابات برلمانية وعودة العسكر الى الثكنات العسكرية   
    5  ـــ توجيه ضربات كبيرة للقوى الديمقراطية بما فيها الحزب الشيوعي وعدم الوقوف بحزم ضد الاغتيالات التي طالت الذين دافعوا عن الجمهورية بالضد من المحاولة الانقلابية التي قام بها العقيد عبد الوهاب الشواف في 7 / 8 / 5 1959 ، 
    6 ـــ العمل لتفريغ النقابات ومنظمات المجتمع المدني من محتواها الديمقراطي الذي ساعد على تغيير قيادتها بدعم من حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم  
    7 ــــ زج الآلاف من الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين في المعتقلات والسجون وإصدار احكام الإعدام والتي استغلت من قبل قادة انقلاب 8 شباط 1963المشؤوم فنفذت في العديد  احكام الإعدام وزجت إضافة الى الكم الهائل من السجناء الآلاف من المواطنين ومارست كل افانين التعذيب والقتل بما فيها محاولة قطار الموت 
    8 ــ عدم التوجه الجاد لحل مشكلة الكرد وحمل السلاح بقيادة الملا مصطفى البرزاني واستعمال قوات الجيش لخوض المعارك ضدهم 
    9 ـــ قمع الحركة الجماهيرية الواسعة التي طالبت بالسلم في كردستان والتي قادها الحزب الشيوعي للحفاظ على الجمهورية وعدم فسح المجال للقوى المتآمرة المتربصة والتي تمكنت من القيام بانقلاب 8 شباط 1963 الدموي. إضافة الى قصايا أخرى.
    إلا أن الركون الى رأي ان تكون ثورة 14 تموز ملهمة بتكرارها أو إمكانية تأثيرها لانبثاق حركة مشابهة تقريباً، عملية معقدة وبعيدة عن الواقع الحالي منها نوع القوى السياسية وتصاعد تأثير أحزاب الإسلام السياسي الطائفي والاصطفاف الطبقي إضافة عن الاختلاف الكبير ما بين الجيش العراقي في العهد الملكي وحاضره في الوقت الراهن مع وجود الحشد الشعبي وميليشيات تابعة لها تأثير كبير في الحياة العراقية .

    إن ثورة 14 تموز 1958 حدثت خلال حقبة امتداد المد الوطني والثوري في مواجهة الاستعمار والأحلاف العسكرية وفي مقدمتها حلف بغداد  وقامت في ظروف داخلية لها تداعياتها وتراكماتها في مقدمتها التراكم الثوري الوطني وقيام جبهة الاتحاد الوطني، وظروف خارجية منها تأثيرات التطورات في الاتحاد السوفيتي وتحرر الكثير من  البلدان النامية من ربقة الاستعمار القديم وقيام حركة عدم الانحياز، أما في ظروفنا الحالية وحتى المنظور القريب وبسبب الظرف الداخلي والعامل الذاتي وتغير الميزان الدولي لصالح القطب الواحد فلن تجد  من ذكرى ثورة 14 تموز 1958 إلهاماً بالتغيير المنشود ثم أن الهدف الذي كان التوجه له إسقاط الملكية وإقامة صرح الجمهورية كنظام سياسي مختلف من حيث الشكل والمضمون.

     في الظروف الراهنة وبخاصة بعد سقوط النظام وقيام الحكومات العراقية وتبني نظام المحاصصة الطائفية  اختلاف جوهري عن ظروف ثورة 14 تموز، المهمات اختلفت كما العامل الذاتي يعاني من ضعف نتيجة محاربته خلال اكثر من 35 عاماً،  فالتوجه النضالي أصبح جزء من استراتيجية تحقيق النظام البرلماني السياسي الديمقراطي وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية وهذا المشروع يتعارض مع عدة مشاريع منها أولاً: المشروع الإسلامي الذي يكرس جهوده في سبيل تحقيق الدولة الدينية وهو توجه عام لأحزاب الإسلام السياسي الشيعية والسنية مع وجود اختلافات وتناقضات بين هذه الأحزاب، ثانياً : المشروع الأمريكي الذي أصابه الفشل لحين  تبقى تأثيراته وخططه للمستقبل ولفترات أخرى، ثالثاً: المشروع الوطني المتكون من جانبين وطني وديمقراطي وتمثله جميع الأحزاب الوطنية والديمقراطية بما فيهم الحزب الشيوعي العراقي. رابعاً: التدخل الخارجي الإيراني التركي والامريكي... الخ
     
    باعتقادنا أن المشروع الوطني الذي طرحه الحزب الشيوعي العراقي هو أفضل المشاريع التي تتواصل لإنهاء المحاصصة والهيمنة وهو الذي سيكون الأساس لتوجهات بناء الاقتصاد الوطني والعمل على توجيه خيرات البلاد نحو مصالح أوسع الفئات الاجتماعية كما ستكون قرارته لصالح حفظ الاستقلال والسيادة الوطنية إضافة للمنجزات التي تشمل مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية...الخ

    ان ثورة 14 تموز 1958 ستبقى رمز تاريخي للأجيال يحفز روح الوطنية المعادية للاستعمار الأجنبي وبالضد من التخلف الاجتماعي السياسي، لكن في الظروف الراهنة مهمات التغيير تختلف من حيث الشكل، والمضمون السياسي ،والاجتماعي والثقافي. مهمات بناء الدولة المدنية الديمقراطية بعيدة عن المحاصصة والتدخل الخارجي.
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media