عدمية عصرنا !
    الخميس 29 يوليو / تموز 2021 - 05:50
    هاني الحطاب
    ليس مجرد أحساس شخصي ولا نزع بالتشأم أن نرى العالم اليوم قد بلغ فعلاً ، ما كان نيتشه يسميه بنهلستية أو العدمية . فأحساس نيتشه بأن العالم على اعتاب هذه النزعة ، كان مجرد نبؤة ، لم يأخذها المفكرون بذلك الوقت  بجدية . والتي أظن أننا بلغناها الآن ، فإنساننا الحالي ، في الجوهر   ، بات كائن بلا صفات ، وليس له موقف ، فلديه الأشياء كلها متساوية ، كائن لا مبالي على الإطلاق . خاضع لسطوة  بلده ، بدو أدنى حس إنساني أو نقدي ، ولا توجد أي مسافة بينه وبين سلطة بلده ، وحينما يصل المرء لهذا يكون قد دخل مرحلة العدمية  ، والنهلستيةً معناها ، في عصرنا الرضوخ الكامل ، بلا قيد أو شرط . وهي ليس مذهب أو عقيدة ، وأنما نزعة وسلوك ، النزعة التي باتت متفشية  بشكل واسع في أرجاء العالم . فما أصل ، من ثم  ، النهلستية أو العدمية ؟  

    سنحاولهنا  في  هذه المقالة سرد تاريخ هذا المصطلح  عبر تطوره لدى فلاسفة الغرب وكتابهم  . وكما سيرأى القارئ ، أن النهلسيتية أو العدمية كانت في البدء رد فعل ثوري وتمرد على التراث القديم ، خصوصاً لدى نيتشه ، ولكن فيما بعد ، وبعده ، بفترة ،  أصبحت مرادف إلى الانحلال والأمبالأة أزاء ما يحدث في العالم .  وعليه في هذا المقالة   سنركز على كيف أن العدمية هي السمة البارزة لتفكير  فترتنا . ولم  تعد مقتصر على تفكير الفلاسفة والروائين ، بل أن الإنسان العادي بات بجوهر  عدمي ، بعد ، جعل منها الفلسفة الفعلية للعالم ، في ظل نهاية الأيدلوجيات . فهي أيدولوجيا عصرنا الغير رسمية ،

    مصطلح  " النهلستية " ، " Nihilism "  استخدم للأول مرة من قبل الروائي الروسي  تورجنيف في روايته المشهورة الأباء والْبَنُون . ولقب بطل الرواية بازروف بنهلسي أو العدمي ، فهو تحت تأثير الأفكار الغربية الحديثة والجديدة الوافدة من أوربا في روسيا بزمن القياصرة ،   كن عداء شديد لتراث والسلطات القديمة، ولكن ليس بدافع سياسي ،  وإنما بأسم العقلانية والمادية ، واراد أن يحدث تغير جذري في مجتمعه  . 

    وما نادى به بازراوف بطل هذه الرواية ، هو التحطيم لكل شيء قابل لتحطيم تحت ضربات مطرقته ، وما لا يتحطم تحت تلك الضربات دعه يبقى ،  كما كان يقول ، أما ما يتحول لحطام فلا نفع في الاحتفاظ به ، فيجب أن يلقى بالمزبلة . ومن هنا سمئ بلنهلستي لأنه لا يريد أن يبقي على شيء . 

    وهذه المصطلح سرعان ما أنتشر بسرعة في أوربا وأمريكا ، ولكن بعد أن فقد شحنة الفوضوية ونزعته الثورية ولم يعد يبدو وكأنه برنامج سياسي ، بل أنه ما عادة يمثل حتى حركة فكرية ، لأن لم يكن لهذه المصطلح تحديد واضح ،  وحتى لم يبرر بحجج عقلانية  ، فهو  أصبح وكأنه نزعة أخلاقية ،  غير أن فيما بعد أرتبط هذه المصطلح أو ربط مع النزعة الألحادية ، فنظر إلى العدمية والنزعة الألحادية على أنهما شيء واحد . وخير من عبر عن هذا الميل ،  هو مرة آخرى كاتب روسي آخر  ، فيدور دستوفسكي ، على لسان احد شخصياته في رواية المشهور الأخوة كرامازوف ، أيفان ،  فهذه الشخصية الملحدة اعتبرت أيضاً عدمية ، فهو يقول إذا كان الله غير موجود يصبح كل شيء مباح " if god doesn't exist , everything, is permitted."  وهذه  النزعة المزدوجة هي التي سمحت للبطل أيفان أن يسمح بقتل أبيه . فبطل عدمي وملحد  يسمح بكل  شيء , حتى بقتل الأب ،  حسب ما يرى دستوفسكي ، الذي كان ذو ميول دينية قوية . فبدون الله لا وجود عنده  إلى شيء مقدس ، أو  محرم  . 

    ونيتشه ، هو أول فيلسوف كبير ، أستخدم مصطلح النهلستية أو العدمية بشكل منهجي . أضاف لهذا فان نيتشه كان أيضاً ، فيلسوف ملحد وهاجم المسيحية ، وقال بموت الله . وهو يعتقد بأن البشرية وصلت مرحلة جديدة  من تفسير  الوجود  ، ونتهى عهد لتفسير قديم ، ، وحل محله تفسير جديد ، يقوم على بأن ليس ثمة معنى إلى شيء بحد ذاته ، وأن البشر يجب أن يعطوا الوجود معنى جديد ، بعد أنتهاء المعنى القديم ، الذي كانت تقدمه المسيحية . وهذا المعنى ، يجب أن يكون يبشر بأخلاق الإنسان السوبرمان ، فأخلاق هذا  الإنسان الأعلى عليها أن تختلف عن أخلاق المسيحية التي بشرت  بالمحبة  وحب الضعفاء ، فالمسيحية تمثل  عنده أخلاق  العبيد  ، ويجب أن تحل بدلها أخلاق السوبرمان ، التي لا رحمة فيها ولا شفقة ، فهذه هي  أخلاق القوي ، وليس الضعيف .  . @@@

    وبعد ذلك لم يعد ينظر إلى مفهوم العدمية ، على أنه مرتبط بالألحاد ، فقد استقل هذه المفهوم عن الربط الذي أقامه دستويفسكي مع الألحاد ، فمن ناحيه ، لتطور الذي أصاب المجتمعات الغربية ، والثورة الصناعية فيهم . غيرت منظور الإنسان لنفسه ولما حوله ، فنظر إلى العدمي ، على الشخص لامبالي ، والأناني والممتثل للمجتمع ، الكائن الخاضع ، والذي لا صفات ولا كيان له ،  فبدلاً من البطل الرومنتيكي ، والشخصية الفعالة كما هو الحال مع أيفان ، غد العدمي شخصية سلبية وأنانية وعديم الصفات كما عبر عنه في رواية  الكاتب النمساوي روبرت موزيه ، كائن بلا صفات .  كائن ممسوخ ، لا شيء يميزه عن الأخرين ، فالكل غد متشابه ، والنَّاس أصبحوا كائنات الآلية ، ريبورتات . 

    هذا ، ومن ناحية آخرى ، كانت  النهلستية ، قد بينت بأن الأحكام الأخلاق لا يمكن تبريرها عقلياً ، وأنها أحكام اعتباطية ونسبية ، ولا يوجد لها سند الألهي .  وإذا كان الفلاسفة ، كما يقال ،  يعكسون الوضع الثقافي لبلدانهم  ، فأننا نستطيع أن نقول بأن عصرنا يمثل القمة في جعل الأخلاق وضعية وتمثل اختيارات الأفراد ، فقد شاعت النزعة الوجودية الملحدة في عصرنا ، القرن العشرين ، وقد مثل الملحدون الوجوديين هذه النزعة في جعل الأخلاق تمثل اختيار الفرد ولا تستمد دعمها من أي قوى متعالية ، فهي اخلأق مجتمع  في فترة معينة ، ولعل خير من مثل هذا التيار هو الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر ، في كتابه الوجود والعدم . قد شدد سارتر على الأختيار ، هو  الموقف الفردي الذي ينبع من أرادة الفرد ذاته في تقرير ما يريد . فالإنسان في نظر كائن بلا ماهية ، وجوده يسبق ماهية ، أي لا وجود لطبيعية بشرية خلقها الله ، فالإنسان كائن حر محكوم عليه بالحرية ، ولا يفعل وفقاً لناموس أو قانون الإلهي . وعليه جعل رجال الدين ، والمعادين لنهلستي ، ممثلين في ديستوفسكي ، وغيره من رجال الدين ، من سارتر عدوهم الرئيسي . وقد أتخذت من عبارة ديستوفسكي شعار لهم ، فإذا الله غير موجود يصبح ، بنظرهم ، كل شيء مباح في ظل الحرية الشخصية والأختيار الفردي . لأن حين يصبح المرء أو المجتمع هو المشرع لنفسه  ، وليس الله ، سيؤدي هذا إلى الأنانية والصراع الأجتماعية بغياب القانون الإلهي  . فهؤلاء المعادين إلى النهلستية ، التي يجب أن لا تفهم حسب ما فهمًها رجال الدين وديستوفسكي ، فهي عنت في الأساس تبديل الأخلاق المسيحية بآخرى جديدة ، فالعدمية والألحاد لا يعني التحلل الخلقي ، وإنما تبديل التراث القديم بآخر جديد ، لذلك فقد يكون هناك مجتمع من الملحدين أفضل بكثير من مجتمع من المتدينين . ويرفض المتدينون أن تعتمد الأخلاق  على الأفراد والمجتمع بدون تكون على شيء صلة بشئ متعالي  وشامل فبدون هذه ستؤدي إلى الأنانية والجريمة . وهنا يطرح الفلاسفة السؤال التالي ، فهل ، من ثم ، حقا ، كما  يُزعم المتدينون أن الأخلاق  والعدالة بدون الله وبدون الشرائع الدينية   ينحل للبشر ؟ وقبل أن يجيب الفلاسفة ، على هذا السؤال ، يشيرون إلى أصل الأخلاق والنظريات فيها ، سابق على الأديان ، وقبل وجود الأديان التوحيدية، فهي ليس من خلقها ولا تعود لها .  ، ويستألون فيما إذا كنا نعرف أن الله عادل ، وأنه  يأخذ في الحسبان أهلية الإنسان وما يناسبه البشر  أم أنه يفرض عليهم قوانين قد تتعارض مع ميولهم،  وعلى الإنسان  أن يطيع تلك القوانين لكون أن الله خلقها . بالطبع أن الفلاسفة لا يسلمون في مزاعم رجال الدين ، وأن تلك القوانين صادرة عنه ، فليس هناك ما يؤيد زعمها . فهم ، يعدونها من خلق المجتمع ، والبشر ، وكذلك يرفضون قولهم بأن الإنسان يحتاج إلئ القوانين الشاملة أو الإلهية ، حتى لا يحس بعبث الوجود ولا معنى الحياة . فهذه الحاجة المزعومة التي يصورها رجال الدين على أنها لا غنى عنها لكي لا يضل الإنسان ليس ضرورية لكل البشر ، بل أنها هي نتاج ظروف  أجتماعية متعاقبة ، جعلت منها وكأنها حاجة ماسة،  وآبدية  . فالازمة التي عأنئ من تولستوي ،  مثلاً ، والتي كثيراً ما يستشهد المتدينون بها  ، أبان انحلال  الروابط الدينة في روسيا وتصاعد النزعة المادية ، تعد حالة فردية وتعكس حالة تولستوي ذاته ، وأزمة الطبقة الأرستقراطية . فهو أي تولستوي عأنئ من تلك الأزمة الروحية ، كما يخبرنا بعض المحللين الروس ، لأن الطبقة الأرستقراطية ، والذي كان تولستوي واحد منهم ، عانت من أنسداد أفق مستقبلها  ، فحسبت أن العالم كله يمر في  محنة دينية وروحية ، وليس أزمة طبقة على وشك الأختفاء . فما يسمى الشامل ، أو الإلهي ليس بالشئ القار في طبيعية البشرية وإنما نتاج ظروف تاريخية وأجتماعية ، يمكن تبديل ، ولكن كل طبقة أو فئة أو  ومجموعة مستفيد منه تحسبه أزلي وجزء من الطبيعة البشرية . وفِي المقابل تعرض الفيلسوف الأنكليزي براند رسل كذلك لأزمة روحية في بداية حياته ولم يؤول رسل هذه الأزمة على أنها أزمة الأحساس بالشامل والحاجة أليه واعتبرها أزمة فردية ولم تنعكس على نفسه وتغير من معتقداته . فبقى نفس الشخص . ومن هنا نرى البعض من اعتبر تلك الأزمات التي يعاني الأدباء أو الفلاسفة ، لا تشير إلى وجود المتعالي ، أو الله ، وأنما هي أحداث فردية بحته . 

    وبعد أن تم الأنفصال بين النهلستية والألحاد ، فقد أتخذ كل منهما مسار مختلف ، فالألحاد ظل كما كان موقف من الوجود وتفسير له ، وبحث في الوجود ونشأته ، ، وبقى جزء من موقف الفلسفة وتعبير حر عن أفكار الإنسان وموقفه من الكون . في حين أن النهلستية تغير موقفها فبعد ، أن كانت تنشد موقف أخلاقي جديد ،  والتحرر من هيمنة الماضي وأخلاقه ، مالت نحو السلبية ، وعدم أتخاذ أي موقف ، وللامباة  التامة بما حولها ، وغدت تعني الأمتثال والخضوع لما هو موجود ، والأنانية ، وتقوقع حول الذات . وأسواء فيما العدمية ، في وقتنا الحالي ، أنها عادة تتطابق مع فلسفة المجتمع الرأسمالي ، الذي يؤكد مصالح الأفراد الأنانية ، بعيداً عن  أي هم أجتماعي ، فكل كائن في المجتمعات الحالية بات كمنوناد  لبينتز كيان قائم بذاته .  ومن هنا نرى غياب الحس الإنساني في عالمنا المعاصر ، وما عاد يهتم في مصائب الأخر ، بل يتخذ ننه موقف عدائي لأن العدمية قد أصبحت فلسفة العالم المعاصر. وتم نسيان شعار فلاسفة التنوير ، ودخلنا في نفق مظلم لا أحد يعرف إلى أين يؤدي . 


    هاني الحطاب 
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media