قَدْ يَسْتَغْرِبُ القارئُ العزيز من افتتاحِ مقالي بهذا العنوانِ المُثيرِ ، وَيَتَساءَلُ هلْ هناكَ "أَنا إِِيجابِيَّة" ؟ والجواب : نعم ؛ فالمُشْكِلَةُ ليست بالأَنا وانما هي بالأنانِيَّةِ التي هي تضخمُ الانا وَجَعلُها محوراً وَمركَزَ استقطاب ، وهذا هو مَنطقُ الطُغاةِ الذينَ قَصَّ لنا القُرآنُ حكايَتَهم ، هذا هو منطقُ فرعون الذي تحدث بمنطقِ الانانيّة ، منطق "الانا" المتضخمة بقوله كما حكى القُرآنُ الكريمُ عنهُ: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ). النازعات: الاية:(24) ، وبذاتِ المنطق تحدث النمرودُ مع خليل الله ابراهيم عليه السلام
كما حكى الله تعالى عنه:
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ). الانعام: الاية:(79). فالمحورُ والوجهة هي الله تعالى .
وقوله تعالى:(لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ).المائدة: الاية: (28). الذي منع ابن آدم من ان يقتل اخاه قابيل هو ليس الانا المنفلتة وانما هي الانا المرتبطة بالمحور ، الانا التي تخاف الله ، ونفس قابيل المنفلتة من محورها سولت له قتل اخيه فقتله .وقولهُ تعالى:
(وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ).هود: الاية: (29)
وقوله تعالى على لسان يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عليه السلام :
(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ). يوسف: الاية:(108).
وحتى الايثار الذي يقابل الاثرة والانانية ايضاً مرتبط بمحور الارتباط ، بالله تعالى ومرضاته ووجهه الكريم ، يقول الله تعالى :
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ). البقرة: (207)
فعلي عليه السلام وهو يقدم نفسه ايثاراً من اجل ان يبقى النبي (ص) وتبقى رسالتُهُ ، كان يبغي مرضاة الله ، هذه هي الانا الايجابية المرتبطة بمحور الوجود ومركز الاستقطاب في هذا الوجود . وقمة الايثار الذي قدمه علي عليه السلام والزهراء البتول عليها السلام والحسنان عليهما السلام والذي نزل فيه قرآنٌ يتلى :
(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ). الانسان: الاية:(8)، هم قالوا : ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا). الانسان: الاية: 9 ، هم قالوا: لانريد منكم جزاءً ولاشكوراً ، ولكن الله اعطاهم الجزاء الاوفى وقال لهم :
(إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ). الانسان:(22).
اذن : ليست الانا هي المذمومة ، وانما الانانيّة هي المذمومةُ ، تضخم الانا هو المذموم ، والامام الحسين عليه السلام الذي نعيش ذكراه هذه الايام ، فانه (ع) قدم كل هذه التضحيات من اجل الله ومن اجل مرضاته تعالى حيث قال عليه السلام : اللهم ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى .