لماذا يتفوق نظام التعليم الفنلندي؟
    الثلاثاء 28 سبتمبر / أيلول 2021 - 05:13
    أ. د. محمد الربيعي
    بروفيسور في جامعة دبلن
    مرارا وتكرارا،  تُظهر الدراسات والاخبار أن النظام التربوي في العراق يعاني بشكل مروع من عدد من المشاكل الخطيرة في الأداء التعليمي والبنية التحتية.
    وعلى الرغم من الدعوات لإصلاح التعليم والأداء الضعيف على المستوى المحلي والدولي، لا نرى اي تغيير ايجابي داخل النظام التعليمي، وتستمر المدارس الحكومية والاهلية في عملها على نفس النظام القديم بالرغم من التغييرات الهائلة في انظمة التعليم العالمية. 
    برغم ذلك لا نتوقع حصول أي قدر من التغيير في ظل الوضع الفاسد الحالي فما يحتاجه نظام التعليم العراقي ليس باقل من تجديد كامل - من الروضة وإلى الدكتوراه. وسيستغرق الأمر أكثر بكثير من مجرد مشروع اصلاحي حسن النية للقيام بذلك.
    كثير من الناس على دراية بالصورة النمطية للدراسة في دول شرق آسيا. تحتل العديد من هذه البلدان، مثل الصين وسنغافورة واليابان من بين دول أخرى، المرتبة الأولى بشكل روتيني في التصنيفات الدولية في الرياضيات والعلوم.
    نموذج دول شرق اسيا هو ما يمكن تسميته باستنزاف الدماغ المرهق. اعمل اكثر.. ادرس بجد.. تحقق الافضل!. الحقائق والأرقام لا تكذب والدراسة الكثيرة والشاقة تأتي بنتائج – ولهذه الاسباب تتفوق علينا هذه البلدان في الأداء، ولكن هل هناك طريقة اخرى أفضل وأكثر صحة؟
    قد تكون فنلندا هي الجواب - بلد غني بالإصلاحات الفكرية والتعليمية على مر السنين الماضية واختبرت عددا من التغييرات الجديدة والبسيطة التي أحدثت ثورة كاملة في نظامها التعليمي. إنها اليوم تتفوق على العالم وتتصدر تقيمات الاداء التعليمي العالمية. ولكن هل يتلائم نظامها التعليمي مع بيئتنا التعليمية ومجتمعنا المدرسي.
    تقود فنلندا الطريق بسبب الممارسات الطبيعية السليمة وبيئة التدريس الشاملة التي تسعى جاهدة لتحقيق المساواة وتفضيلها على التميز. 
    فيما يلي بعض ألاسباب التي قد تكمن وراء تفوق نظام التعليم الفنلندي على الساحة العالمية.

    لا يوجد امتحان موحد
     الامتحان الموحد هو الطريقة الشاملة التي يتم بها اختبار الطلبة لمعرفة درجة فهم المواد الدراسية. من المفترض أن تكون الإجابة على الأسئلة الجاهزة بطريقة ما وسيلة لتحديد إتقان أو على الأقل الكفاءة في موضوع ما. ما يحدث غالبا هو أن الطلاب يتعلمون الحفظ فقط لاجتياز الامتحان ويقوم المعلمون بالتدريس لغرض وحيد هو تمكين الطلاب من اجتياز الامتحان. 
    لا يوجد في فنلندا امتحانات موحدة من هذا القبيل. استثناءهم الوحيد هو امتحان شهادة الثانوية العامة الوطني، وهو امتحان تطوعي للطلاب في نهاية المدرسة الثانوية العليا. يصنف جميع الطلاب في جميع أنحاء فنلندا على أساس فردي ويتم تعيين نظام الدرجات من قبل معلمهم. ويتم تتبع التقدم الإجمالي من قبل وزارة التربية والتعليم، والتي تعتمد على دراسة عينات من مجموعات عبر مستويات مختلفة من الطلاب والمدارس.

    لا توجد مساءلة للمعلمين
    يلقى الكثير من اللوم على المعلمين وقد نكون محقين في ذلك أحيانا. ولكن في فنلندا، تم تحديد معايير عالية جدا للمعلمين، بحيث لا يوجد غالبا سبب لوجود نظام "درجات" صارم للمعلمين. يصرح باسي سالبرج، وزير التعليم الفنلندي حول مساءلة المعلمين: "لا توجد كلمة تشير إلى المساءلة في الفنلندية ... المساءلة هي شيء يُترك بعد طرح المسؤولية".
    في فلندة يجب على جميع المعلمين الحصول على درجة الماجستير قبل دخول المهنة. مهنة التدريس هي أكثر المهن صرامة وانتقائية واهمية في البلد بأكمله. 

    التعاون لا المنافسة
    بينما يرى معظم التربويين في العالم النظام التعليمي على أنه نظام يعتمد على المنافسة بدرجة كبيرة، يرى الفنلنديون الأمر بشكل مختلف. يقتبس سالبرج قولا لصامولي بارونين: "الفائزون الحقيقيون لا يتنافسون".
    ومن المفارقات أن هذه السياسات وضعت فنلندة على رأس المجموعة الدولية. لا يقلق النظام التعليمي في فنلندا بشأن الأنظمة "التعسفية" القائمة على الجدارة. ولا توجد قوائم للمدارس أو المعلمين الأفضل أداءً ولا توجد جوائز او مكافئات لهم. إنها ليست بيئة تنافسية - بدلاً من ذلك، التعاون هو القاعدة.

    جعل الأساسيات أولوية
    تهتم العديد من الأنظمة المدرسية بزيادة درجات الامتحان والفهم في الرياضيات والعلوم واللغات، وتميل إلى نسيان ما يشكل بيئة تعليمية غير مملة ومتناغمة وصحية. قبل سنوات عديدة ركز البرنامج الذي وضعته فنلندا على الأساسيات. لم يكن الأمر يتعلق باهمية الحصول على درجات ممتازة. بدلاً من ذلك، سعوا إلى جعل البيئة المدرسية مكانا أكثر إنصافا واستمتاعا. ومنذ الثمانينيات ركز المعلمون الفنلنديون على جعل الأساسيات التالية أولوية:
    - يجب أن يكون التعليم أداة لتحقيق المساواة الاجتماعية
    - يحصل جميع الطلاب على وجبات مدرسية مجانية
    - سهولة الحصول على الرعاية الصحية
    - الإرشاد النفسي
    - التوجيه الفردي

    بدء المدرسة في سن أكبر
    هنا يبدأ الفنلنديون مرة أخرى بتغيير التفاصيل المعتادة في الدول الاخرى. يبدأ الطلاب المدرسة عندما يبلغون من العمر سبع سنوات. لقد تم منحهم الحرية في سنوات الطفولة النامية حتى لا يتم تقييدهم بالتعليم الإلزامي. إنها مجرد طريقة للسماح للطفل بأن يصبح طفلاً. هناك 9 سنوات فقط من المدرسة الإجبارية التي يُطلب من الأطفال الفنلنديين الالتحاق بها. كل شيء بعد الصف التاسع أو في سن 16 هو اختياري.

    توفير خيارات مهنية بعد شهادة جامعية تقليدية
    تحل فنلندا معضلة المعدلات واختيار الكليات من خلال تقديم خيارات مفيدة بنفس القدر للطالب لمواصلة تعليمه. لا يوجد انقسام مهم بين خريجي الجامعات مقابل خريجي المدارس التجارية والمهنية. يمكن أن يكون كلاهما مهنياً ومرضياً بنفس القدر.
    في فنلندا، توجد المدرسة الثانوية العليا، وهي عبارة عن برنامج مدته ثلاث سنوات يُعد الطلاب لامتحان شهادة الثانوية العامة الذي يحدد قبولهم في الجامعة. يعتمد هذا عادةً على التخصصات والخبرة التي اكتسبوها خلال فترة وجودهم في "المدرسة الثانوية".
    بالاضافة لذلك، هناك التعليم المهني، وهو برنامج مدته ايضا ثلاث سنوات يقوم بتدريب الطلاب على مختلف المهن. طلاب هذا البرنامج لديهم خيار إجراء امتحان شهادة الثانوية العامة إذا كانوا يريدون التقدم إلى الجامعة بعد ذلك.

    يقضي الطلاب الفنلنديون  أيام دراسية أقل مجهودا
    يبدأ الطلاب في فنلندا عادةً الدراسة من 9:00 إلى 9:45 صباحا. أظهرت الأبحاث أن أوقات البدء المبكرة تضر برفاهية الطلاب وصحتهم ونضجهم لذا تبدأ المدارس الفنلندية اليوم في وقت لاحق وتنتهي عادةً في الساعة 2:00 - 2:45 بعد الظهر. لا يوجد نظام عام لحشو المعلومات او التلقين في الصفوف، ولكن توجد بيئة من التعلم الشامل مستندة على التفكير النقدي والتحليلي.

    تعليمات متسقة من نفس المعلمين
    يوجد عدد أقل من المعلمين والطلاب في المدرسة الواحدة من المدارس الفنلندية، وقاعات الدراسة تضم طلبة اقل. غالبا ما يكون لدى الطلاب في فنلندا نفس المعلم لمدة تصل إلى ست سنوات من تعليمهم. خلال هذا الوقت، يمكن للمعلم أن يتولى دور المرشد. خلال تلك السنوات يتم بناء الثقة والترابط المتبادلين بحيث يعرف كلا الطرفين الاخر ويحترم بعضهما البعض.
    تختلف الاحتياجات وأساليب التعلم المختلفة لكل طالب لذا تبنى العناية والاهتمام على أساس فردي. يمكن للمعلمين الفنلنديين تفسير ذلك لأنهم اكتشفوا الاحتياجات الخاصة للطالب وعلى هذا الاساس يشرع المعلمين التخطيط بدقة، والعناية بتقدم الطلاب ومساعدتهم على الوصول إلى أهدافهم.

    جو دراسي أكثر استرخاءا
    هناك اتجاه عام فيما تفعله فنلندا بمدارسها. إجهاد أقل وتنظيم أقل ومزيد من الرعاية. عادة ما يكون لدى الطلاب فصلين فقط في اليوم. لديهم عدة اوقات لتناول طعامهم والاستمتاع بالأنشطة الترفيهية والاسترخاء بشكل عام. تنتشر على مدار اليوم فترات من 15 إلى 20 دقيقة حيث يمكن للأطفال النهوض والتمدد والاستمتاع ببعض الهواء النقي وإزالة الضغط.
    هذه البيئة مطلوبة أيضا من قبل المعلمين. توجد غرف للمدرسين في جميع أنحاء المدارس الفنلندية، حيث يمكنهم الاسترخاء والاستعداد لليوم أو لمجرد الاختلاط بالآخرين. المعلمون يحتاجون إلى الراحة ايضا لكي يؤدوا وظيفتهم بأفضل ما لديهم من قدرات.

    واجبات منزلية أقل 
    وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لدى الطلاب في فنلندا أقل قدر من العمل الخارجي والواجبات المنزلية مقارنة بأي طالب آخر في العالم. إنهم يقضون نصف ساعة فقط في الليلة في العمل على واجبات من المدرسة. لا يوجد مدرسون خصوصيون في فنلندا. ومع ذلك، فإنهم يتفوقون في الأداء على طلبة البلدان التي لديها ساعات طويلة من الدراسة ما بين المدرسة المنزل.
    يحصل الطلاب الفنلنديون على كل ما يحتاجون إليه لإنجازه في المدرسة دون الضغوط الإضافية التي تأتي مع التفوق في مادة ما ودون الحاجة إلى القلق بشأن الدرجات والعمل المزدحم، ويمكنهم التركيز على المهمة الحقيقية - التعلم والنمو كإنسان طبيعي.
    مقتبسة بتصرف من مصادر عالمية
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media