بين التيار والإطار
    الأثنين 10 يناير / كانون الثاني 2022 - 06:40
    عبد الله عطية شناوة
    من حيث الجوهر، لا فرق بين الفريقين الشيعيين الذين يتصارعان حاليا على الحكم في العراق، التيار الصدري، الذي لا يريد تفويت فرصة الإنفراد في الحكم باسم الشيعة، والإطار التنسيقي الذي تمانع أحزابه المليشياوية، في التخلي عن ما أعتادت الحصول عليه من كعكة الحكم، وتأنف من لعب دور المعارضة. بعد أن رفضت مكوناتها الإقرار بالهزيمة التي تكبدتها في الأنتخابات، وسعت الى لملمة صفوفها المتناثرة في الكيان الفضفاض الذي أسمته إطارا.

    التيار أصله مليشيا جيش المهدي التي تحولت لاحقا إلى سرايا السلام، ثم القبعات الزرق، والإطار أصله فيلق بدر الأيراني الذي تحول الى منظمة بدر، وتعزز بمليشيات الكتائب والعصائب والنجباء وما لا يعرف من الأسماء، الأسماء التي تطلقها الجماعات المليشياوية على نفسها.

    لا فوارق من حيث الجوهر بين الفريقين الشيعيين المتخاصمين، لكن الصيغة التي تقاسما فيها الحكم خلال السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق، بالإضافة طبعا الى الصياغات الدستورية التي أسهم كلا الفريقان مع الأمريكان في وضعها، تلك الصياغات التوافقية التي شكلت أساسا لحكم ما بعد الغزو، كانت منجما خصبا لأنتاج الفساد، وحماية اللصوص من المساءلة، والمحاسبة عن الكوارث التي لحقت بالبلاد وطنا وشعبا. إذ كان من المستحيل في ظلها تحديد المسؤول شخصا أو حزبا مهما كانت وظيفته، عن الأوضاع التي أفضت في مراحل تأزمها الكبرى إلى تمكين تنظيم داعش الإرهابي من السيطرة على ثلت مناطق البلاد، وكلفت عملية تطويق خطره ثم تحرير المناطق التي دنسها، كلفت عشرات الآف الأرواح ودمار مادي مهول، ومعاناة ملايين من النزوح، وأحيت نظام العبودية، حيث تعرض عراقيون الى السبي وتحول الأطفال والنساء منهم إلى سلع تباع وتشترى.

    ورغم مرور ثمان سنوات على تلك الكارثة، لم يحاسب أيا من المسؤولين الحقيقيين الكبار عنها، رغم ما تكشف من فساد، في المؤسستين العسكرية والأمنية، بلغ حد اختلاق جيوش وهمية لا وجود لها على أرض الواقع، وحسب رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، فأن جردا أوليا لتلك الجيوش كشف عن ما لا يقل عن خمسين ألف عسكري وهمي لا وجود لهم، تصرف ((لهم)) رواتب ومخصصات تذهب الى جيوش مختلقيهم.

    و لأن جميع شركاء الحكم، شركاء في الجريمة كان كل طرف منهم يحمي فاسديه، مهددا بفضح فاسدي ألأطراف الأخرى أن هم قرروا السماح بمساءلته. ((أحم أزلامي أحمي أزلامك، تعرض لأزلامي أتعرض لأزلامك)) ومثلت هذه الصيغة مرتعا خصبا لأحزاب المليشيات، ولهذا فهي تقاتل للدفاع عنها والسعي إلى الاستمرار فيها.

    في المقابل يجد التيار الصدري ــ الذي يحوز شعبية لا يمكن إنكارها ــ إن تلك الصيغة تحرمه من ما يعتبره مواقع ومزايا يستحقها، وتمنح المليشيات المنافسة وأحزابها المنضوية في الإطار التنسيقي ما لا تستحق. ويجد أن من حقه تحجيم تلك الأحزاب المليشياوية في الأطار الذي تستحق، وحرمانها من موقع المشارك ندا لند في الحكم ومزاياه.

    هذه هي حقيقة الصراع الجاري الأن في قاعات ((البرلمان)) العتيد، والذي أفاد الإطار أنه سينقله الى باحات القضاء، رغم تجربته الفاشلة في الأستعانة بالقضاء في موضوع الأعتراض على نتائج الأنتخابات، بعد فشل استعراضاته بعضلات الحشد الشعبي.

    ومع أنعدام أية فوارق جوهرية بين الفريقين: التيار والأطار، فأن مجرد أختلافهما، وأحتمال وصول الخلاف إلى مديات أبعد، يمثل تطورا إيجابيا، وقد أشرنا فيما سبق إلى ما خبرناه من نتائج وحدتهما أو توافقهما المحاصصاتي. قيل قديما: أذا أختلف اللصوص انكشفت الجريمة، واختلاف التيار والإطار فرصة للكشف عن ما لا يحصى من جرائم.

    الجانب المقلق في الموضوع هو أحتمال لجوء مليشيات الإطار الى السلاح للحيلولة دون تغيير قواعد لعبة الحكم التي دامت 19 عاما. ولا أحد يعلم عواقب الصدام المسلح بين جبهتي المليشيات، جبهة التيار التي ربما تتطلع إلى الأستفادة من دعم القوات النظامية العراقية، استنادا الى التعزز المنتظر لمواقعها في السلطة، وجبهة المليشيات الولائية المدعومة بجبهة الولي الفيقيه، إن لم بمتلك هذا الأخير الحكمة الكافية للحيلولة دون تسعير صراع مسلح شيعي ـ شيعي.
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media