تاريخ كلية الهندسة العراقية
    السبت 7 مايو / أيار 2022 - 08:43
    أحمد البريفكاني
    من مقال البروفسور (H.O.H. Lumsden المنشور أواخر العام ١٩٤٨ عن تاريخ تأسيس كلية الهندسة ومستقبلها في العراق (منقول بتصرف).....
    عند بزوغ فجر النظام الوطني في العراق ومع وصول أول حكومة عراقية إلى السلطة، تم استحداث مديرية الري للبدء في تخطيط المشاريع الكبرى والتي ستصبح ضرورية لتنمية البلاد.
    ومن أجل تنفيذ مثل هذه الخطط والمشاريع، كان لابد من توظيف موظفين ذوي خبرة من المهندسين البريطانيين والهنود. كما كان من الضروري تدريب عدد كبير من مساعدي المهندسين من العراقيين لتشكيل نواة لعدد أكبر في المستقبل البعيد. لذلك قرر مدير إدارة الري الرائد (P.J. Sellir) إنشاء مؤسسة في بغداد تعرف باسم كلية التدريب على الري. بدأ هذا العمل في تشرين الثاني ١٩٢١، بوجود صف من ثمانية طلاب من مستوى التعليم الابتدائي حيث تم إيوائهم مؤقتاً في ثكنات البوابة الشمالية العسكرية مقابل (كلية الهندسة في باب المعظم لاحقاً).
    كما تم تعيين السيد جريفيث (E.S. Griffith)، وهو مهندس ري وأستاذ سابق في كلية تومسون للهندسة المدنية في روركي بالهند، كمدير لهذا المعهد وتعيين كاتب المقال (المستر لمزدن) وهو خريج نفس الكلية المذكورة كمساعد للمدير ومدرس للمسح والرسم الميكانيكي. استمر هذا الفصل الدراسي حتى تشرين الأول ١٩٢٢، حيث تم قبول ٢٠ طالباً إضافياً، مع تعيين السيد علي مظلوم لتدريس مادة الرياضيات. حيث تم الإعلان عن الحاجة إلى طلاب وإلى مدرس رياضيات ومدرس رسم ومسح في الصحف اليومية.
    بسبب عدم توفر السكن الكافي والمناسب في هذه الثكنات، استأجرت الدائرة مبنى كبير في باب المعظم حتى أيار ١٩٢٣، ثم تم نقل الكلية إلى مبنى حكومي كان يشغله المستشفى المدني. (نقل هذا المستشفى إلى المجيدية وهي الأبنية التركية القديمة الواقعة على واجهة النهر، وأصبحت فيما بعد تعرف بالمستشفى الملكي). تم تغيير اسم كلية التدريب على الري في هذا الوقت إلى (مدرسة الهندسة).
    في شهر حزيران سنة ١٩٢٣ تم افتتاح صف جديد مكون من ٢٤ طالباً، وتم تخريج الدفعة الأولى من خريجي هذه المدرسة في أيار ١٩٢٤، وتم إرسال الغالبية إلى مديرية الري وتعيين البقية في قسم المساحة.
    في تشرين الأول من العام ١٩٢٦، تم نقل مدرسة الهندسة التي كانت حتى هذه الفترة تحت إشراف وزارة الاتصالات والأشغال إلى وزارة المعارف وتم نقلها بعد ذلك إلى مبنى جمعية آلـ البيت في باب المعظم. كان من بين المدرسين العاملين في ذلك الوقت من سوريا السيد أوها دنو والسيد ألفريد ناچمان، وكلاهما من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت، وأيضاً السيد ناجينا سينغ، مدرس المساحة، والذي كان لاستقالته عام ١٩٢٩ وقع كبير. وحل محله أول مدرس مصري قادم إلى هذه البلاد، وهو الأستاذ عبد الحميد عثمان.
    في صيف عام ١٩٣٠ وبسبب اضطرار معهد تدريب المعلمين إلى إشغال المبنى، تم نقل المدرسة إلى مزرعة الرستمية، حيث تولى الدكتور داود قصير خريج جامعة كولومبيا، إدارة المساحة بدلاً من السيد عبد الحميد عثمان الذي استقال في بداية الفصل الدراسي الجديد في تشرين الأول ١٩٣١. كانت مدرسة الهندسة في هذا الوقت تعمل بسلاسة تامة من حيث كفاءة أعضاء هيئة التدريس ومستوى الطلاب. كل هذا بسبب العمل الدؤوب للمدير، الذي قام بتدريس معظم المواد الهندسية بالإضافة إلى واجباته الإدارية.
    في صيف عام ١٩٣٢ وبسبب الكساد العالمي العام، والتزام الحكومة العراقية بمقررات (لجنة مونرو) بتقديم تقرير عن الظروف التعليمية القائمة وبناءً على التوصيات، تم اتخاذ قرار بإغلاق مدارس كل من الهندسة والقانون والزراعة.
    تم إعادة ولادة مدرسة الهندسة في تشرين الأول ١٩٣٥ بناءً على نصيحة السيد ويتلي وسعادة السيد أمين زكي وزير الاتصالات والأشغال آنذاك، برئاسة الدكتور داود قصير. كان (كاتب المقال) في ذلك الوقت مشرفاً على العمل الإنشائي في مديرية ميناء البصرة عندما اتصلت به الوزارة لقبول إعادة المشاركة في المدرسة لتدريس الرسم الميكانيكي والمسح كما كان من قبل. تم تعيين السيد شيت نعوم، والسيد تحسين إبراهيم لتدريس مادتي الكيمياء والفيزياء إلى جانب عدد من المحاضرين. أعيد تعيين السيد نعيم لاوي كملاحظ والذي كان يعمل في المكتب العام والحسابات لعدة سنوات. تم قبول ٤٠ طالباً من مستوى الدراسة المتوسطة لدورة مدتها ثلاث سنوات تلبية للطلب الذي تقدمت به إدارة السكك الحديدية والأشغال العامة لحاجتها إلى عدد من معاوني المهندسين للخدمة في المستقبل القريب.
    تم إيواء المدرسة مؤقتاً في مبنى مستأجر في منطقة كرد الباشا في العلوية، ولاحقاً في تشرين الأول ١٩٣٦ في مبنى أكبر في حي السنك في بغداد بسبب قبول دفعة أخرى من الطلاب. كما كان لا بد من زيادة عدد الموظفين، حيث تم الحصول على خدمات كل من السيد إميل جبر والذي يحمل شهادة الماجستير من الـ (MIT)، لتدريس الكهرباء والفيزياء والميكانيك، والسيد أحمد مختار لتدريس الهندسة المعمارية، والسيد سبور لتدريس اللغة الإنكليزية. تم شغل المبنى الحالي في أيار ١٩٣٨ والذي قام بتصميمه وتنفيذه (Messrs. Jackson and Cooper). في تشرين الأول من العام ١٩٣٩ تم تعيين السيد بهجت النقيب وهو خريج الجامعة الأمريكية وعمل مدرساً للرياضيات في الموصل. في وقت لاحق تم تعيين مدرسين اثنين من مصر هما السيد عزيز زكي وأيوب بشارة للهندسة المدنية والمساحة، والدكتور ضياء جعفر، حامل شهادة الدكتوراه من جامعة برمنغهام في اختصاص المحركات الحرارية، وكذلك السيد جيمس جارفيلد نورث، ماجستير من جامعة أوكسفورد لتدريس اللغة الإنكليزية في أيار ١٩٤٠. ومن ثم تعيين السيد عبد الهادي صالح، المستشار القانوني لوزارة الاتصالات والأشغال في وقت لاحق، لتدريس الإدارة والقوانين والاقتصاد.
    بحلول العام ١٩٤٣ وبموجب الإرادة الملكية اكتسبت كلية الهندسة الصفة الرسمية بجعلها كلية ذات خمس سنوات دراسية ويتم قبول الطلاب فيها بعد إتمامهم الصف الخامس من المدارس الثانوية. وذلك بفضل جهود كل من السيد عبد الأمير الأزري وزير الاتصالات والأشغال آنذاك، والدكتور داود قصير عميد الكلية بالوكالة.
    تم تشكيل لجنة برئاسة السيد أتكنسون، رئيس مهندسي الري؛ د. ضياء جعفر السيد أحمد مختار، المهندس المعماري الحكومي. الرائد R.Whitby المستشار الفني لوزارة المعارف، والدكتور داود قصير حيث تم مناقشة القوانين واللوائح ووضعها لتسيير عمل الكلية، وتم اعتمادها أخيراً من قبل صاحب السمو الملكي الوصي.
    في تشرين الثاني ١٩٤٤، قدم الدكتور داود قصير استقالته بناءً على نصيحة طبية، مما أدى إلى أسف كل من الموظفين والطلاب وخلفه الدكتور علي رأفت، مدير الدراسات والبحوث، مؤقتاً لحين تعيين عميد جديد، حيث تم تعيين السيد ويليام مارش، من جامعة مانشستر الذي تولى المسؤولية في أيار ١٩٤٥. عمل السيد مارش على برنامج إعادة التنظيم والتوسع، والذي تضمن إضافة مباني للأقسام الداخلية للطلاب، والمدرسين الأجانب، وورش العمل، ومختبر الهيدروليك، وغرف الترفيه، وقاعات الدراسة، وتوسيع المكتبة، وشراء كبير للمعدات الفنية والرياضية. استقال السيد مارش في شباط ١٩٤٦ لأسباب شخصية ولم يتمكن من رؤية ثمار مخططاته الطموحة. وخلفه مؤقتاً السيد إريك كابارن، المستشار الفني لوزارة الاتصالات والأشغال، لحين نقل الكلية إلى وزارة المعارف حسب النظام رقم ٦٠ في أيلول ١٩٤٦. ثم تم تعيين الدكتور قصير عميداً للكلية والسيد بهجت النقيب مساعداً له. خفضت الوزارة مدة الدراسة من الخمس سنوات والتي كان يُعمل بها منذ عام ١٩٤٣ إلى أربع سنوات وتم توسيع أقسام الكلية إلى أربعة أقسام تضم ١٣٠ طالباً بدلاً من قسمين كما في السنوات السابقة.
    يجب ذكر السيد يراونت أوزنيان، الذي تم تعيينه أستاذاً للأساسات والتخمين والطرق والسكك قبل وصول السيد مارش. كانت إضافته إلى كادر الكلية ضرورياً بعد فقدان خدمات السيدان عزيز زكي وأيوب بشارة. استقال الدكتور قصير للمرة الثانية في تشرين الأول ١٩٤٧ وخلفه السيد بهجت النقيب عميداً بالوكالة، والذي عمل بجهد أكبر لمواصلة العمل الذي قام به أسلافه. استقال السيد بهجت بناءً على نصيحة طبية قبل فترة وجيزة من امتحانات منتصف العام في آذار ١٩٤٨، وعاد إلى منصب معاون العميد. ثم تولى السيد شريف يوسف من الإدارة الابتدائية بوزارة المعارف مهام العميد بالوكالة، وقرر المدير العام للمعارف الدكتور متي عقراوي الحصول على خدمات عميد بريطاني للمرة الثانية. لقد كان محظوظاً للغاية لأنه كان قادراً على الاتصال بمدير سابق لكلية تقنية بريطانية ومؤخراً مستشار فني لوزارة التعليم التركية لقبول التعيين. وصل السيد (A.C.R. Ritchie) إلى بغداد في تشرين الأول ١٩٤٨ لتولي منصب العميد. في وقت كان يتعين فيه إنجاز الكثير بمساعدة معاونه القدير السيد بهجت النقيب قبل أن تصل الكلية إلى درجة عالية من الكفاءة.
    تركز الكلية في الوقت الحاضر (أي أواخر ١٩٤٨) على الهندسة المدنية ولديها أكثر من ٢٠٠ طالب بدوام كامل من جميع أنحاء العراق، (ومعظمهم من خارج بغداد) حيث سيتم توفير الأقسام الداخلية المناسبة، ومن المأمول استخدام المزيد من مباني الكلية كمختبرات وتقديم التعليم في فروع الهندسة المتخصصة الأخرى. تضم هيئة التدريس عدداً من المهندسين ذوي المؤهلات الأكاديمية العالية والخبرة الهندسية المكتسبة في أوروبا وأمريكا.
    يتم تشجيع النشاطات الرياضية بكافة أنواعها حيث توجد ملاعب كبيرة لكرة القدم والكرة الطائرة وكرة السلة وكذلك ملاعب تنس وكرة الريشة وتم إجراء الرحلات السنوية من قبل طلاب المراحل المتقدمة برفقة أساتذة إلى أجزاء مختلفة من الاهتمامات التقنية في العراق، وأهمها حقول النفط والمصافي في كركوك، وأعمال الري في قناطر الحويجة والدجيلة، والهندية والكوت، ومطار البصرة، وأحواض بناء السفن البحرية، والأرصفة، ومحطة الجبيلة للطاقة ومحطات المياه، وعمليات التجريف في الفاو.
    في الختام، نأمل أن تدار كلية الهندسة على نفس المنوال مثل بعض الجامعات البريطانية الشهيرة، وبمرور الوقت ستصبح واحدة من كليات الهندسة الرائدة في الشرق الأوسط.
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media