هل يحول الدين دون التقدم؟
    الأربعاء 11 مايو / أيار 2022 - 09:36
    د. صفاء هاشم
    يكثر الحديث في وسائل التواصل عن "خيبة امل" المجتمعات العربية في التقدم العلمي والحضاري على الاقل منذ نشأت الدول العربية الحديثة في مطلع القرن الماضي. وعادةً ما يوجه اللوم للموروث الديني والقبلي دون الدخول في تفاصيل لحساسية الموضوع. وعليه فالهدف هنا هو توضيح ذلك اكثر خصوصاً وانا اعيش في بريطانيا ومن خلفية اسلامية شيعية ولدي متسع من الحرية للتعبير عن وجهة نظري معتمداً على تجربتي الشخصية في العيش والعمل هنا لاربعة عقود حيث عملت استاذا جامعياً ورئيس قسم قبل تقاعدي وقبلها عملت مهندس في شركات صناعية إضافةً لمعرفتي بالجالية العراقية والمجتمع البريطاني. كذلك تعلمت من تجربة زوجتي البريطانية التي عملت مديرة مدرسة ابتدائية حديثة ومرشدة تربوية وكلانا بحكم عملنا كنا مهتمين وعاملين بمبادئ العمل والتعليم والبحث الحديثة التي تلعب دوراً هاماً في تقدم الدول والمجتمعات كالابداع وتعددية التخصصات وتداخلها والتعلم الذاتي للطالب والحقوق والواجبات وغيرها. وانا هنا لا اريد الدخول بتفاصيل تلك المبادئ التي يمكن الاطلاع عليها عبر الانترنت بقدر التنويه من انها تعتمد بشكل اساسي على حرية الفرد في التفكير والتعبير والتواصل مع الاخرين. وقبل ان ادخل في اسباب "خيبة الامل" في مسيرة مجتمعاتنا لابد من تبيان اهم عناصر التقدم العلمي والحضاري من وجهة نظري وهي كما يلي:
    ١-الثروات البشرية المتمثلة بالذكاء وكذلك الثروات الطبيعية ولو بدرجة اقل. حيث توجد في بريطانيا شريحة غاية في الذكاء ربما نسبتها اقل من ٢٪؜ تقود مؤسسات الدولة وشركاتها وجامعاتها وهي من تعمل على وضع الرجل/المرأة المناسب في المكان المناسب وتستغل المهارات والكفاءات المتوفرة بشكل ايجابي بما فيها للمهاجرين بدليل ان الحكومة البريطانية الحالية فيها خمس وزراء من اصول افريقية واسيوية بما فيهم عراقي.
    ٢-حرية الفرد وقدرته/قدرتها على التعبير عن مشاعره وافكاره وهواياته وميوله الفنية والفكرية والعلمية من دون خطوط حمراء. علماً ان حرية التعبير تبدأ منذ الصغر وتنمو مع الفرد لكي يتمكن من التفكير "خارج الصندوق" والابداع في مختلف المجالات. على سبيل المثال القدرات الفنية بما فيها البراعة اليدوية تكون شرط للقبول في كليات طب الاسنان او هندسة تصميم المنتج اضافة لمعدل الامتحانات. ويتم تطوير تلك المهارات عادةً في المدارس من خلال دروس الرسم والموسيقي والرقص والرياضة مثلاً.
    ٣-الحرية على مستوى المؤسسات والمجتمعات والافراد على التواصل والتلاقح الثقافي والعلمي والفني والرياضي الخ مع مؤسسات وشعوب وافراد الدول الاخرى على مختلف توجهاتها الفكرية والثقافية والعلمية وايضاً من دون خطوط حمراء. وقد تعاونت مع العديد من الجامعات والشركات الاوربية والاسيوية في البحث الهندسي والتعليم العالي وشاركت في كتابة اوراق علمية كان لايمكن انتاجها في فترة قصيرة دون التواصل والتعاون مع زملائي في تلك الدول. كذلك في عمل المدارس الابتدائية يقوم الكادر التعليمي ببعض الزيارات لمدارس الاوربية لتبادل الخبرة واغناء التجربة. علماً ان التواصل مع الجامعات والمدارس والشركات يحتاج الى وجود ثقة متبادلة وتقارب في وجهات النظر. ولايقتصر ذلك على الجانب المهني للمتعاونين بل يتعداه أحياناً الى العلاقات الشخصية بما في ذلك تقارب الافكار والثقافة ومشاركة الموائد والنشاطات الفنية والرياضية (لعبة الگولف مثلاً).
    ربما يبدو تطبيق تلك العوامل ممكناً من الناحية النظرية الا ان "الشيطان في التفاصيل"! العنصر الاول (الذكاء) متوفر عند الشعوب العربية خصوصاً تلك التي عاشت قرب الانهر وأنشأت حضارات كالعراق ومصر وسورية وربما العامل الجيني والبيئي لتلك الشعوب افضل من تلك التي تعيش في الصحراء مثلاً. ومع ذلك فان عنصر الذكاء قليل الفاعلية في مجتمعنا لسببين اولاً لكونه ليس مقياساً اساسياً للريادة والمفاضلة وثانياً تحجيم دور المرأة التي تمثل نصف المجتمع واعتبارها احياناً ماكنة بيولوجية للتكاثر. وتلك المقاييس التعسفية سببها القيم المورثة التي تمليها المؤسسات الدينية والقبلية على الدولة والمجتمع "بوصاية الاهية" وما يرافق ذلك من جهل وتخلف وفوضى. ومنذ سقوط الطاغية صدام اصبح واضحاً للعيان فشل وربما غباء القائمين على شؤون الدولة بتحقيق اي تقدم يذكر رغم الثروة النفطية.
    اما العنصرين الثاني والثالث (الحريات) فأن القيم الدينية والقبلية مرة اخرى تحول دون السماح بامتلاكها خصوصاً تلك التي لا تؤطر باطار ديني. والتاريخ حافل بمواقف المؤسسة الدينية الرافضة للحداثة إبتداءً من تحريم المدارس والمطابع والتلفزيون في مطلع القرن الماضي وانتهاءً بتحريم الحفلات الترفيهية وحرية الملبس والالعاب الاليكترونية في الوقت الحاضر. على سبيل المثال معارض كلية الفنون في جامعة البصرة تجري معارض سنوية في ذكرى استشهاد الصدر او واقعة الطف وغيرها حيث تخضع الاعمال الفنية لضوابط دينية تفرض على الفنان او الطالب من حيث يدري او لايدري ومن يخرج عن ذلك يكون عرضة "للانتحار الفني"! ومنذ السقوط اصبحت المؤسسات الدينية اكثر شراسة في اسلمة الشارع إبتداءً من تسمية الشوارع والجسور والمستشفيات باسماء دينية الى فرض الحجاب على المرأة. ومن المفارقات ان الكثير من نساء العوائل الشيوعية والمسيحية يرتدين الحجاب لتلافي المضايقات والانتقاد. كذلك بسبب القيم الموروثة ستجد صعوبة كبيرة في السعي للتواصل والتلاقح مع الشعوب الغير مسلمة والتعلم من تجاربها…فأنت ترفض مشاركتهم موائدهم وملبسهم وفنونهم ورياضتهم وكتبهم فكيف تكسب ثقتهم….ناهيك عن عدم السماح لاولادك وبناتك من التعرف على اولادهم بحجة مخالفة القيم الدينية والنجاسة والتآمر! والامثلة كثيرة على امتعاض الاجانب من تصرفات المتطرفين والسياسيين الاسلاميين اللذين يرفضون مصافحة النساء الرجال اثناء اللقائات الدولية مثلاً.
    اذاً نحن في مأزق بسبب انعدام الحريات الشخصية سواءً في الداخل او في التواصل مع مجتمعات الخارج مما يجعلنا في عزلة عن العالم المتحضر ومعه يصبح تقدمنا امراً شبه مستحيل رغم وفرة الطاقات البشرية الذكية. وعليه لابد من العمل على تحييد دور الدين والقبيلة من التدخل في شؤون الدولة والمجتمع مع احترام حرية المعتقد للجميع بشرط ان يقتصر ذلك على دور العبادة. كذلك على الطبقة المثقفة والمهنية عدم محاباة الواقع الاجتماعي الراهن الذي تقوده المؤسسات الدينية والقبلية لان نتائجه كارثية على التقدم والرفاه الاجتماعي بما فيه مستقبل أحفادهم….وفهم المشكلة نصف الحل كما يقولون!
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media