أدعياء الوطنيّة الأنذال يتاجرون بفكرة التطبيع مع إسرائيل!
    الأثنين 16 مايو / أيار 2022 - 19:37
    رعد الحافظ
    كاتب عراقي مغترب مقيم في السويد
    مقدمة :
    مبدئيّاً .. لو نظرنا عقلانيّاً وحياديّاً لفكرة التطبيع بين العراق وإسرائيل من الجهة الأخرى (أي من الجانب الإسرائيلي) ,لتخيّلنا وجود فئة وإن قليلة من الإسرائيليين سيرفضون التطبيع (بالأخصّ مع العراق) ,وربّما يحاربوه من خلال التظاهرات والتجمهرات والمُحاضرات والمقالات السياسية!
    لماذا أقول ذلك ؟
    أنا أتحدّث عن فئةِ الإسرائيليين من أصولٍ يهودية عراقيّة .نعلم جميعاً ويعلمُ الله قبلنا ,أنّهم أوذوا وتعذّبوا وتفرهدوا وقُتِلَ عشرات منهم وجُرِح المئات ,ظلماً وعدوانا ,في مطلع أربعينات القرن الماضي في بغداد!
    لدرجة أنّ الضحايا أنفسهم أو أبنائهم وأحفادهم ,مازالوا يُسمّون تلك الأحداث بـ (الهلوكوست المَنسي) ,إشارةً لهلوكوست النازي أدولف هتلر ,الذي كان قد بدأ قبل ذلك بوقتٍ قريب ,وراح ضحيتهِ في النهاية قُرابة ستة ملايين إنسان بريء!
    فرهود اليهود في بغداد الذي بدأ يوم (عيد الشفو عوت اليهودي أو عيد الأسابيع),
    الذي صادف ذلك العام 1 يونيو 1941 ,ليس حدثاً خياليّاً خُرافيّاً ,أو وهماً وترفاً فكريّاً ,أو دعاية صهيونية ماسونية ضدّ بعض العراقيين الغوغاء (الشرفاء) الذين شاركوا فيه .إنّهُ حقيقة واقعة مازال بعض شهودَ العيان أحياءٌ يُرزقون!
    لكن من جهةٍ أخرى ,ماذا يتطلّب الواقع اليوم؟
    العقلاء المحايدون الإنسانييون عموماً سيقولون عفا الله عمّا سلف!
    لننسى الماضي الأليم فإنّنا لن نستطيع تغييرهِ أو محوهِ .ليعتذر المُقصّر (أو مَن يمثّلهُ) ,عن جرائم الماضي .فالإعتذار عموماً لا يخدش أو يجرح كرامة المُعتذر ,
    بل يجّلهُ ويعظم شأنهِ!
    ليعوّضوا الضحايا معنويّاً وكفى ,لأنّنا لا نستطيع محاكمة التأريخ الى الأبد!
    الجرائم ضدّ الإنسانيّة ,حدثت طيلة التأريخ البشري وفي عموم كوكبنا الأزرق الجميل .الكلمة الطيّبة ومحاولة تطبيع العلاقات بين الطرفين ستكون أفضل فكرة على الإطلاق لتناسي مُعاناة وهموم الماضي ,والمضيّ معاً في الحياة الى الأمام!
    [[article_title_text]]

    مقالان عراقيّان رائعان بهذا الخصوص!
    تدريجيّاً يزداد عدد الكُتّاب والمفكرين العراقيين التنـويريين ,ليكشفوا للرأي العام وللعامة المُعمّاة بالآيدولوجيات الشموليّة المُتطرفة البغيضة ,ويعلنوا مواقفهم وآرائهم بشجاعة نادرة ,أو حتى مستحيلة زمن الطاغية صدام حسين .
    فشكراً لكلّ مَن ساهمَ في تحطيم وإزالة ذلك الصنم ,من حياة العراقيين!
    يقول الفيلسوف (فريدريك نيتشه) عن أمثال هؤلاء المُبدعين :
    إذا كان الشعبُ هنا ,فويلٌ للسالكِ دروبَ البحث!
    يقول : رعوداً وصواعقَ يجب أن يتكلّم المرء الى الحواس المُرتخية النائمة! 
    المقال الأوّل / للإستاذ الجامعي د. عقيل عباس ,سأوجزه بنقاط:
    1 / التطبيع بين الدول يعني إعادة العلاقات الى وضعٍ طبيعي ودّي ,بعد فترة خصام أو حروب ,لغرض الوصول الى حالة سلام وتعاون بين الطرفين!
    وقد ظهرَ هذا المصطلح عربياً بعد زيارة الرئيس المصري الأسبق (السادات) الى إسرائيل عام 1977 .قادت تلك الخطوة لإستعادة مصر كامل حقوقها وسيادتها على كلّ شبر مُحتل من أراضيها ,عبر معاهدة (كامب ديفيد) الشهيرة!
    لاحقاً إستفادَ الفلسطينيون كثيراً على أرض الواقع ,لأنّ المعاهدة كانت تحوي مسار تفاوضي يفضي الى حُكم فلسطيني في الضفّة الغربية وقطاع غزّه! 
    حينها قاد العراق (صدّام حسين في الواقع) عبر مؤتمري قمة عُقدا في بغداد عامي 78 و 79  حملة شعواء لمقاطعة مصر.لكن العلاقات المصرية العربية عادت تدريجيّاً بعد رحيل السادات وتبّؤء (مبارك) سدّة الرئاسة!
    2 / إحدى أهمّ مشاكل الثقافة السياسيّة العربية ,هيمنة المشاعر العاطفية والتفسيرات المثالية الأخلاقية ,والخطابات الشعبوية القومجية والدينية المتطرفة.
    بدل العمل بمبدأ عالمي معروف ربّما يعود لقول وينستون تشرشل (لا عدو أو صديق دائم هناك في السياسة ,لكن مصالح دائمة)!
    3 / على مدى 75 عام من الصراع المُسلّح بين العرب وإسرائيل كانت الهزائم والنكسات والوكسات تتوالى على العرب ,دفعت الشعوب ثمنها وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني .ولم يدفع كلّ هذا الرافضين للتطبيع لإعادة النظر في مواقفهم!
    4 / قبل أقلّ من عام عُقِدَ مؤتمر (فاشل) في أربيل ,حضره 300 شخصية عراقية (لا وزن سياسي لهم) طالبوا فيه إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل .
    هذا الطلب في الواقع لا يعبّر عن رغبة سياسية أو حتى شعبية عراقية .وحدث قبل إسبوعين فقط من إنتخابات إكتوبر البرلمانية .فإستفادت منه الماكنة الدعائية لحركات الإسلام السياسي الشيعي ,الموالين لإيران بكلّ فخر علناً دون أدنى ذرّة من حُمرة الخجل!
    5 / في الأسابيع الأخيرة دخل موضوع (التطبيع مع إسرائيل) حلبة السياسة العراقية ,لدرجة أصبحت الأطراف المتنازعة على السلطة تتسابق في تجريم الفكرة من أصلها ,والآن يحاولون تمرير (قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل) برلمانياً ,وينتظر هذا القانون القراءة الثانية ليصبح نافذاً .
    ***
    المقال الثاني / للباحث الأكاديمي د.حميد الكفائي!
    عنوان المقال الرائع :العراقيّون يُحاربون أنفسهم بهراوةِ التطبيع ,سأوجزه بنقاط :
    1 / تُهيمن تُهمة (التطبيع مع إسرائيل) بقوة في سوقِ المزايدات الدينيّة والسياسية في عراق اليوم .بالأخص بين تجمّع قوى الإطار التنسيقي (غير المتجانسة) ,ضدّ تحالف قوى إنقاذ وطن (المتصالحة) .الكلّ يريد سحب البساط المعنوي من خصمه المتشدّق بهذا السلاح!
    2 / الإطار التنسيقي الموالي لإيران جهاراً نهاراً ,إستّل هراوة جديدة ضدّ خصومهِ ,لكنّها هراوة غريبة ومُبالَغ فيها الى أقصى الحدود ,تقول ليس فقط بتجريم التطبيع ,لكن قطع العلاقات مع جميع الدول ذات العلاقة مع إسرائيل!
    لو حدث هذا فعلاً يعني أن يقطع العراق علاقاته مع العالَم أجمع ,وربّما مُغادرة الكوكب الأرضي الأزرق ,ليلتحق بكوكب المريخ الأحمر!
    3 / أغلب القوى السياسية العراقية لا يمتد بصرها أبعد من كُرسي الحُكم!
    مصلحة العراق ليست أولوية لديهم ,هذا لو كانوا يؤمنون فعلاً بدولةِ العراق!
    4 / بإفتراض إصدار البرلمان العراقي قانون تجريم التطبيع وقطع العلاقات مع جميع الدول ذات العلاقة بإسرائيل ,فماذا يعني ذلك عمليّاً؟
    بإختصار يعني قطع العراق علاقاتهِ مع معظم دول العالَم ,والإحتفاظ بعلاقته مع إيران المُحاصرة أصلاً وغير المنسجمة دولياً ,وربّما مع أفغانستان البائسة أيضاً!
    معنى ذلك العراق لن يستطيع بيع نفطهِ وشراء البضائع ,حتى من روسيا والصين والهند وتركيا والأردن ومصر ,فجميعها لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل!
    وبموجب هذا القانون ,لن يستطيع العراقيون السفر الى جميع دول العالم لأجل العلاج أو التجارة أو الدراسة أو السياحة .كما لن يستطيع العراق شراء السلاح ولا حتى بيع نفطهِ إلّا في السوق السوداء بربع الثمن كما كان الدواعش يفعلون!
    5 / بإختصارٍ شديد هذا القانون الغريب لو اُقّر فهو يعني عزل العراق عن العالم أجمع ,وربطهِ بدولة واحدة هي إيران (المُقدّسة) .التي لو عدنا للتأريخ القريب والبعيد لوجدنا تعاونها وتعاملها مع إسرائيل حاضر طيلة الوقت .بالأخصّ خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي .
    أشهر تلك التعاملات وأهمّها مبيعات الأسلحة الأمريكية لإيران ,التي بلغت قيمتها ملياري دولار سنوياً ,تؤّكدها الكتب الرسمية للمسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين حينها .خصوصا مستشار الأمن القومي آنذاك (روبرت مكفارلين). 
    ومدير وكالة المخابرات (سي آي أيه) وليام كيسي .
    والمسؤول الرفيع في وزارة الدفاع الإسرائيلية الجنرال (أفراهام تامير) . والمسؤول في وزارة الخارجية الإسرائيلية (ديفيد كِمحي) .
    بينما كان الوسيط فيها تاجر الأسلحة الإيراني (مانوشير قوربانيفر) !
    الذي مات في ظروفٍ غامضة لاحقا .يقول أقاربه إنّه اُغتيل ,كما صرّحَ بذلك أحدهم في برنامج بثه التلفزيون البريطاني في تلك الفترة!
    من جهة أخرى فصّل وزير الخارجية البريطاني الأسبق (جاك سترو) العديد من أوجه التعاون الإيراني الإسرائيلي من خلال كتابين مُهمين هما :
    الاوّل : المُهمّة الإنكليزية! والثاني : الرجل الأخير الواقف!
    بالمناسبة بعد الغزو الامريكي للعراق 2003 سعت إيران عبر وساطة الحكومة السويسريّة لـ (صفقةٍ كُبرى) مع الولايات المتحدة ,تعترف بموجبها بإسرائيل مقابل رفع العقوبات عنها ,لكن الأمريكيون رفضوا ,وهذا (حسب جاك سترو) خطأ أمريكي يُضاف لسلسة أخطائهم السابقة!
    6 / على كُلٍ التطبيع ليس عملية تتخذ بقرار عاجل ,ولا يحدث بين ليلة وضحاها.
    إنّهُ صيرورة قد تستغرق عقوداً من الزمن ,تبدأهُ الحكومات ,إنّما نجاحه من عدمهِ  يعتمد أولاً وأخيراً على القبول الشعبي .ما ليس متوفراً في العراق الذي يرزح تحت أنين ورنين الخطاب الشعبوي الطوباوي منذُ تأسيسهِ والى يومنا!
    ليس مطلوباً من العراق أن يُطبّع علاقاته مع إسرائيل ,والقضية غير مطروحة أصلاً ,لكنّها تجارة ومزايدات التابعين لإيران (الملالي)!
    ***
    الخلاصة:
    هناك مثل إنكليزي كان يردّده الصديق اليهودي العراقي العزيز يعقوب إبراهامي
    في بعض مقالاتهِ يقول :
    If you can't beat them, join them
    يعني : إذا لم تستطع هزيمتهم فإنضّم إليهم!
    يقابله مثل شعبي فلسطيني يقول : يد ما تقواها صافحها!
    قولوا هذهِ إنهزاميّة جُبن إنبطاح وباقي الهراء السخيف,لكن مهما يكن الأمر فإنّهُ أفضل من المتاجرة بدماء الشعوب ومصالحها ورفاهيتها ومستقبل الأجيال!
    في الواقع أنا أقول هذا بصدق مع النفس ,بعيداً عن الشعارات الرنّانة وخطابات الممانعة والمقاومة بالأخصّ من الموالين لإيران .أبناء العراق الحقيقيون الذين يغارون على مصالح بلدهم ,ويحرصون على نهوضهِ من مستنقعه الحالي , يطيرون فرحاً لفكرة التطبيع مع إسرائيل .. لماذا؟
    ببساطة اليهود وعامة الإسرائيليين ليسوا أعدائنا على طول الخط ,كما تلقنّا في طفولتنا من تعاليم ووصايا وآيدولوجيّات القومجيين والمتطرفين الدينيين!
    هؤلاء تسلّقوا لحاء القضيّة الفلسطينيّة ,لا حُبّاً وقناعةً ,لكن تجارةً وتربّحاً !
    فقط بعض الإسرائليين المُتطرفين الذين يحقدون على الفلسطينيين ولا يعترفون بحقّهم بالبقاء وإقامة دولة مستقلة حُرّة الأرادة ,هم الأعداء ..لا غيرهم!
    أمّا عامة الإسرائليين فهم ناس عاديين مثل باقي خلق الله ,يتمنون الحياة الطيّبة لهم ولأبنائهم ولباقي البشر.
    وكون العلوم والتكنلوجيا متطوّرة متقدّمة في هذا البلد الذي قاربَ عمره كدولة حديثة ثلاثة أرباع القرن ,ناهيك عن وجودهم التأريخي المُعترف بهِ حتى في النصوص الإسلاميّة :
    [..وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون] سورة الأعراف آية 137 
    لذا فالعراق وعموم العرب والمسلمين يحتاجون التصالح مع النفس أولاً ,ثمّ مع إسرائيل (التي يعتبرونها عدّوهم الأوّل) لينهضوا بحالهم ,ويخلّفوا واقع واعد لأجيالهم اللاحقة .حتى لو فكّرنا بطريقة أنانية أو حبّ البقاء والأرتقاء ,فالنتيجة ذاتها .تذكروا جيّداً أكثر من 160 عالم يهودي (بعضهم إسرائيلي الجنسية) فازوا بجوائز نوبل ,معظمها علميّة في حقول الطب والفيزياء والكيمياء .أشهرهم بالطبع آلبرت آينشتاين!
    على كُلٍ ,لو حدث مستقبلاً التطبيع العراقي مع إسرائيل ,فلن يكون الأوّل عربياً قبله كانت مصر والإردن والإمارات والبحرين والسودان والمغرب ..ولا تنسوا بالطبع فلسطين ذاتها عبر (إتفاقيات اوسلو 1993) .
    فلماذا علينا أن نكون مَلكيين أكثر من الملك نفسه؟

    [نعم ينبغي أن لا يكون لكم أعداء ,إلاّ أؤلئكَ الذين يدعون الى الحقد] !
    هكذا تكلّمَ زرادشت / نيتشه!
    ***
    الروابط
    1 / د.عقيل عبّاس / مخاوف التطبيع مع إسرائيل ,عندما يقود الهَوَس سياسة العراق!

    2 / د.حميد الكفائي / العراقيّون يحاربون أنفسهم بهراوةِ التطبيع!


    رعد الحافظ
    16 ماي 2022
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media