الجابي!!
    الثلاثاء 21 يونيو / حزيران 2022 - 05:45
    د. صادق السامرائي
    الجابي ذلك الشخص الذي يرتدي البدلة الرمادية , ويحمل الحقيبة الجلدية , ويقطع تذاكر الصعود إلى باص المصلحة الأحمر اللون ذو الطابق أو الطابقين.
    وكنا نحفظ أرقام الباصات , ونعرف إلى أين تذهب بنا , ونتمتع بركوبها , خصوصا في الطابق الثاني .
    وأجيال النصف الثاني من القرن العشرين لها ذكريات مع الجابي , وباصات المصلحة التي كانت ترفل بها  بغداد.
    تواردت الذكريات وأنا أراقب تلك الباصات الحمراء تجوب شوارع لندن , وكم تمتعتُ بركوبها.
    قبل سنوات كان فيها "الجابي" , أما اليوم فعاصرت التحولات الإليكترونية , وما عاد للجابي عمل إلا ما ندر.
    قلت لصديقي: نتحدث عن التقاليد والقيم ونحسبها أقوالا , وأبسط مثال عليها المحافظة على وسائط النقل التي كانت عندنا , وهي باقية في لندن , وتسير في شوارعها , على مدى القرن العشرين  وستتواصل في القرن الحادي والعشرين , إنه تقليد ثابت ومتفاعل مع مكانه وزمانه.
    فأين ذهبت تقاليدنا؟
    قال: إنها كلام وحسب.
    لو سألت أحدهم عن التقاليد لأوجع رأسك بما لا يجدي نفعا  من الكلام الغثيث , وعندما تريد أن ترى تقليدا فاعلا في حياتنا فستجد الخواء!!
    باصات المصلحة التي كانت تجوب شوارع بغداد , وتميزها عن عواصم الدول الأخرى في المنطقة , تقليد مدينة لم نحافظ عليه , فتحولت إلى موجود بلا ملامح ومميزات , وكلٌّ يرى عليها أن تكون وفقا لأهوائه ومنطلقات رؤيته الظلامية السوداء.
    فهل سنعيد للمدن تقاليدها , التي ميزتها ومنحتها القوة والقدرة على الحياة , وبث روح الألفة والجمال؟
    رحم الله باصات المصلحة في مدينة السلام , التي أطلقت العقول وأثرت الوعي الإنساني بالمعارف والعلوم , والأفكار ذات الإمتدادات الحضارية السامقة.
    فإلى متى نبقى نلوك الكلمات , ولا نجيد مهارات الفعل المنير والعمل القدير؟!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media