الدولة الكريمة
    الأثنين 4 يوليو / تموز 2022 - 08:15
    قاسم محمد الكفائي
    العام 2003 هو عام سقوط نظام البعث ومؤسسات صدام حسين وقد شعرتُ في حينها أنا العراقي بالخطر المُحدِق بديني ومذهبي ووطني وشعبي، ثم صار يقينا لا جدال عليه حين سافرتُ الى العراق عام 2012 لأول مرة بعد مغادرتي عام 1985 لأرى الفوضى والخراب والدمار واحدةً من المعالم التي يمتاز بها بلادي في غياب المسؤولية وانعدام الكفاءة والمواطنة الشريفة، وشيوع الفساد والجهل والفقر والمرض. ولما بَلغتُ بغدادَ يوما لم أصدق أنني فيها حين وقفتُ على أطلال القشلة وفيها أكوامُ الزبالة كالجبال، ورأيتُ بنايات شارع الرشيد الذي يعتبر هوية بغداد كالخربة وكأنَّ الغرابَ نعاها وبكى عليها. حينها تذكرتُ بغدادَ الجميلة ومرابعَها أيامَ الخمسينات والستينات والسبعينات حتى منتصف الثمانينات. ثم تذكرتُ وأنا في ذلك المشهد الحاكمين الفعليين لعراق اليوم، وتذكرتُ دعاء الأمس(أيام المعارضة) الذي كانوا يقرأونه والدموعُ تنهمر على خدودهم كلَّ يوم خميس على ليلة الجمعة في مقراتهم الحزبية أو المقامات الشريفة بطهران وقم المقدسة ومشهد المقدس، وفي الحسينيات أثناء الصلاة عند القنوت أو ما بعدها (اللهم إنا نرغبُ اليك في دولةٍ كريمة.. الى آخر الدعاء.. وترزُقَنا فيها كرامةَ الدنيا والآخرة). دعاءٌ عظيمةٌ معانيه منسوبٌ لصاحب العصر والزمان الإمام المهدي المنتظر(ع) يدعو فيه الإمامُ ربَّه أن يمُنَّ عليه وعلى المستضعَفين في الأرض بالغَلبَة على الظالمين فيزيل عروشَهم ليُؤسَّس على أنقاضِها دولةَ الإسلام الكريمة. ليس منا مَن يعصي أمرَ الله والأنبياءِ وأهلِ البيت –ع - في تحقيق هذا الهدف الإنساني والأخلاقي العظيم، لكن معاني هذا الدعاء تبخرت بين هؤلاء المفسدين في الأرض وفضحت زيفَهم فيما تبيَّن أنهُم أدواتٌ – للجهل، واللصوصية، وأنهم نصابون). كذلك كانت لديهم بعضُ الصحف في المهجر (أتمنى على المحققين وأهل البحث من المتخصصين أن يتابعوا بعضَ فصول هذه الصحف التي كتبوها بمداد من عسل). يصورون فيها العراق كجهنم في ظل حكم صدام بظلمه وجَوره وخرابه، وأن اللهُ سيرث عبادَهُ الصالحين لينعم الشعبُ العراقي بقسطهم وعدلِهم (حتى لا يفهمني بعضُ الغرباء من أنني أروِّج لعهد صدام وكأنه الزمن الجميل، فما أعرفه باليقين المطلق -أنا واحدٌ من ضحاياه- أن صدام طاغية بلا مثيل وعقيدتَه فاسدة، تافهة، تستحق دفنها في مقابر العقائد المنحرفة). بخلفيتنا الثقافية والسياسية فرحنا نحن العراقيين بسقوط نظام الجبابرة عام 2003 وانتظرنا صعودَ أهل الرحمة ليأسسوا قواعدَ الدولة الكريمة تلك، لكن عيونهم تفتحت على خزائن المال ونسوا عقيدتهم وشرفهم الوطني وصار الدعاءُ القديمُ مجرَّدَ حلمٍ مرَّ ولم يَعُد. لقد شغلهم حبُ المال لأنهم عاشوا حفاةً لا يفرقون بين الدولار والروبية فما بالك بقدرة قادر(جورج بوش) ليجدوا أنفسَهم بين تلك الخزائن من المال والثروات. صار صعبا عليهم حتى التفكير ببناء جدار مدرسة أو مرحاضٍ عمومي لأن الفرهود يحتاج الى تركيز ويحتاج لوقت ليست بالقصير. بهذه الصورة السوداء صار العراق دولة خراب وفوضى وضياع الفرص بذريعة (الوجود الأمريكي) وكأن الأمريكان بيدهم مفاتيح البلاد والتراخيص والإتفاقيات والهروب بالأموال، وهم الذين أهملوا الأرض حتى تصحرت، وأغلقوا منابع المياه حتى جفَّت دجلة والفرات، وتراجعت الزراعة والصناعة وصار الفقر ملازما لأكثر من نصف العراقيين.
    العراقيون أدرى بأحوالهم وطبيعتهم الوطنية أنهم متمسكون بحبهم للحرية والدفاع عنها، لذا فهم يمقتون وجود أية دولة تستعصي عليهم فوق أرضهم لاستعبادهم، ولو افترضنا (وهو كذلك) أن التواجد الأمريكي قد أضرَّ بالعراق، لكن الضرر في الجدار وتصدّعا بالسقف وليست بنسف كلّ جدران الدولة، وكل سقفها، وتحطيم القواعد التي ترتكز عليها حتى وصلت الأضرار الى تشويه الهوية الثقافية للإنسان العراقي وتفقيره ولم يبق عليه غير (الصخام واللطام). أيُّ (دولة كريمة) هذه التي جائنا بها هؤلاء، وأين هي (الكرامة) التي تباكوا عليها، ومتى نراهم في قفص العدالة بعد استرجاع الأموال والحقوق؟ 
    في ظل هذا المشهد السيىء تعرَّفَ المواطنُ العراقي على مواطن الخَلل وهو يتطلع الى اختيار أهل الكفاءة (المخلصين منهم ) وليست المتسللين لتحقيق مآربهم الشخصية. مثلُ هؤلاء يستحيل عليهم إعادة تعمير مرحاض مهجور وليست بناء دولة. أملُ المواطن اليومَ كبير في المتغيرات السياسية والوعي عند العامة، وظهور بعض من أهل الكفاءة المخلصين على الساحة العراقية وفي البرلمان وقد وصلوا بكفائتهم الذاتية والوطنية خارج حدود الحزبية. إن صندوق الإنتخاب في الموسم القادم سيكون الفيصل بفوز هذه النخبة وهو الواعد بالنهضة وتحسين الأحوال. في مقالة أخرى قادمة سنتحدث عن حقيقة الأسباب والدوافع التي ساهمت بتدمير الإنسان والدولة في العراق.

    قاسم محمد الكفائي/ كندا twitter…@QasimM1958  
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media